من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الأسلوب الثاني (أن يفتتح الكتاب بلفظ «أما بعد» ويقع الشروع منه في المقصد)
كما كتب يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة النبويّة- على ساكنها أفضل الصلاة والسّلام، والتحية والإكرام- وقد بلغه خلافهم عليه.
«أما بعد، فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال. إنّي والله قد لبستكم فأخلقتكم! ورفعتكم على رأسي، ثم على عيني، ثم على فمي، ثم على بطني، وايم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنّكم وطأة أقلّ بها عددكم، وأترككم بها أحاديث تنسخ منها أخباركم كأخبار عاد وثمود».
وكما كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطاة، وهو عامله على بعض النواحي:
«أما بعد، فإذا أمكنتك القدرة على المخلوق، فاذكر قدرة الخالق عليك! واعلم أنّ مالك عند الله مثل ما للرّعيّة عندك».
وكما كتب يزيد بن الوليد المعروف بالناقص إلى مروان بن محمد- وقد بلغه عنه تلكّؤ في بيعته:
«أما بعد، فإنّي أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابي فاعتمد على أيّهما شئت والسّلام».
قلت: ولم يزل الأمر في المكاتبات في الدولة الأمويّة جاريا على سنن السّلف، إلى أن ولي الوليد بن عبد الملك، فجوّد القراطيس، وجلّل الخطوط، وفخّم المكاتبات، وتبعه من بعده من الخلفاء على ذلك، إلا عمر بن عبد العزيز، ويزيد بن الوليد المقدّم ذكره، فإنهما جريا في ذلك على طريقة السلف. ثم جرى الأمر بعدهما على ما سنّه الوليد بن عبد الملك، إلى أن صار الأمر إلى مروان بن محمد آخر خلفائهم، وكتب له عبد الحميد بن يحيى- وكان من اللّسن والبلاغة على ما اشتهر ذكره- فأطال الكتب وأطنب فيها، حيث اقتضى الحال تطويلها والإطناب فيها، حتّى يقال: إنه كتب كتابا عن الخليفة جاء وقر جمل، واستمر ذلك فيما بعده.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع