من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الضرب الأوّل (أن يوصف الخليفة بالمقام)
كما كتب أبو الميمون أيضا عن بعض أهل دولتهم إلى الناصر لدين الله أحد خلفائهم:
المقام الأعلى، المقدّس، المكرّم، الإماميّ، الطاهر، الزّكيّ، مقام الخليفة المؤيّد بنصر الله، الإمام «الناصر لدين الله» كلأ الله جلالهم، وفيّأ ظلالهم، وبوّأ وفود السّعود ووجود الظهور والصّعود مواطئهم المقدّسة وحلالهم، عبدهم المتقلّب في نعمتهم، المتقرّب إلى الله ﷿ بالمناصحة في خدمتهم، المتسبّب إلى الزّلفى عندهم بالتزام طاعتهم، والاعتصام بعصبتهم، فلان.
كتب عبد المقام الأعلى، والنّديّ الذي أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان واحتوى على الفضائل واستولى، من موضع كذا حماه الله تعالى، وجنانه لطاعتكم قطب، ولسانه بشكر نعمتكم رطب، فبتلك رجاء الفوز، وبها ابتغاء نيل الآمال والحوز، وكيف لا يطاوعه الجنان، وشكر اللسان مستمدّ لإدرار الإحسان، وللمقام الأسنى عوارف، لا يتقلّص ظلّها الوارف، وقطرات بالرحمة مسطّرات بمدرار سحابها الواكف؛ وقد كانت للعبد سهام، فاضت عليه بها من النعمة رهام، ثم جزر الماء باسترجاعها الآن، وسقي العبد بانتزاعها كأس الحزن ملآن، وردت لك بهذه الجهة انقطاع المواساة، وامتناع الألسن
بالمكابدة لشظف العيش والمقاساة، وإلى المقام الأعلى الأسنى نفزع حين نفزع، ونذهب حين نرجو ونرهب، ونلجا فلا تؤخر طلباتنا ولا ترجا، وخدمة العبد هذه تنوب عنه في تقبيل ذلك المقام الأسمى، والتعرّض لما عهد لديه من نفحات الرضى، والتضرّع في إدرار ما جزر من تلك المنّة، وغيض من فيض تلك النعمى، وينهي من رغبته في بركة تلك الأدعية، التي هي للخيرات كالأوعية، ما يرجوه بشفاعة تأكّد الامتنان، ومجرّد عوارف الرأفة والحنان، إن شاء الله تعالى.
والرب تعالى يبقي المقام الأعلى، والنصر له مظاهر، والخير لديه متظاهر، والسعد لوليّه ناصر، ولعدوّه قاهر، بحول الله تعالى وقوّته لا ربّ غيره، ولا خير إلا خيره، والسّلام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع