من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الضرب الثاني (أن يعبّر عن الخليفة بالحضرة)
كما كتب أبو المطرّف بن عميرة عن صاحب أرغون من الأندلس إلى المستنصر بالله أحد خلفائهم، يستأذنه في وفادة صاحب أرغون من الأندلس أيضا على أبواب الخلافة مغاضبا لأهل مملكته:
الحضرة الإماميّة المنصورة الأعلام، الناصرة للإسلام، المخصوصة من
العدل والإحسان بما يجلو نوره متراكم الإظلام، حضرة سيدنا ومولانا الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، أبي يعقوب ابن سادتنا الخلفاء الراشدين، وصل الله لها إسعاد القدر، وإنجاد النصر والظّفر، ولا زال مقامها الأعلى سامي النظر، مبارك الورد والصّدر، ويفيض منه الجود، فيض المطر، ويحيط به السّعود، إحاطة الهالة بالقمر.
نشأة أيامها الغرّ، وربيّ إنعامها المواظب على الحمد والشكر، المشرّف باستخدامها الذي هو نعم العون على التقوى والبر، عبدها وابن عبدها فلان.
سلام الله الطيب المبارك وتحيّاته، تخص المقام الأشرف الأعلى ورحمة الله وبركاته. وبعد، فكتب العبد- كتب الله للمقام الأعلى فتوحا يعمّ جميع الأمصار، وسعودا يقضي بفلّ السّمر الطوال والبيض القصار- من بلنسية، وبركاته تظهر ظهور النهار، وتفيض على البلاد والعباد فيض الأنهار، فالخلق من وارد في سلسالها المعين، وراج للذي منها وهو من رجائه على أوضح مراتب اليقين، والله يبقي عزّ الإسلام ببقائه، ويعيننا على امتثال أوامره المباركة معشر عبيده وأرقائه! بمنه.
وقد تقرّر له من المقام الكريم- أدام الله علوّه، وكبت عدوّه، أمر بالسك - وطال ماله في البلاد الأرغونية من زعامة في شأوها برّز، ولغايتها أحرز، وكان قد كفل صاحب أرغون في الزمان المتقدّم كفالة دار أمرها عليه، وألقي زمامها إليه، وتفرّد منها بعبء وحمله، وخطّة بلغ منها أمله، ثم إنه حطّ من رتبته، وتأكدت المبالغة في نكبته؛ لقضيّة عرضت له من أهل أرغون، فلفظته تلك الجنبات، وأزعجه أمر لم يمكنه عليه الثّبات، ورأى أن يلجأ بحاله
إلى المقام الباهر الأنوار، العزيز الجوار، فواصل هذا الموضع قبل مقدم العبد عليه، مقرّرا ما نزل به، ومستأذنا في الوجه الذي تعرّض لطلبه، فأذن له في مقصده، وانصرف عن التأهّب للحركة من بلده. ثم لما وصل العبد هذه الجهة وفرغ هو من شأنه أقبل متوجّها إلى الباب الكريم، ومتوسّلا بأمله إلى فضله العميم، والظاهر من حنقه على أهل أرغون وشدّه عداوته لهم، وما تأكّد من القطيعة بينه وبينهم، أنه إن صادف وقت فتنة معهم ووجد ما يؤمّله من إحسان الأمر العالي، أيّده الله، فينتهي من نكايتهم والإضرار بهم إلى غاية غريبة الآثار، مفضية به إلى درك الثار، وكثير من زعماء أرغون ورجالها أقاربه وفرسانه، وكلّهم في حبله حاطب، ولإنجاده متى أمكنه خاطب، وللمقام الكريم أعلى الرأي فيه أبقاه الله شافيا للعلل، وكافيا طوارق الخطب الجلل، مأمولا من ضروب الأمم وأصناف الملل، وهو سبحانه يديم سعادة جدّه، ويخصّه من البقاء الذي يسرّ أهل الإيمان ويضاعف بهجة الزمان بأطوله وأمدّه، والسّلام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع