من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الثانية- المكاتبة إلى ملك الروم صاحب القسطنطينيّة
. قد تقدّم في الكلام على المسالك والممالك أنها صارت آخرا إلى بني الأشكريّ، فصار الأشكري
سمة لهم ملكا بعد ملك. قال في «التعريف»: وقد كان قبل غلبة الفرنج ملكا جليلا، يرجع إليه من عبّاد الصّليب سائر الملوك، ويفتقر إليه منهم الغنيّ والصّعلوك، وكتب التواريخ مشحونة بأخباره، وذكر وقائعه وآثاره، وأوّل من ألبس هامته الذّلّة، وأصار جمعه إلى القلّة، هارون الرشيد حين أغزاه أبوه المهديّ إيّاه، فأزال الشّمم من أنفه، وثنى جامح عطفه، فأما غزوات مسلمة بن عبد الملك ويزيد بن معاوية فإنها لم تبلغ فيه حدّ النّكاية، ولا أعظمت له الشّكاية، قال: وهذا الملك الآن كان السلطان (أزبك) قد كاد يبتزّ تاجه، ويعقم نتاجه، ويخل من جانب البحر المغلق رتاجه، فاحتاج إلى مداراته وبذل له نفائس المال، وصحب أيّامه على مضض الاحتمال، وكانت له عليه قطيعة مقرّرة، وجملة مال مقدّرة، ثم عميت علينا بعده منهم الأخبار، وتولّى بالدنيا الإدبار.
ورسم المكاتبة إليه على ما ذكره في «التعريف»: ضاعف الله تعالى بهجة الحضرة العالية، المكرّمة، حضرة الملك، الجليل، الخطير، الهمام، الأسد الغضنفر، الباسل، الضّرغام، المعرق، الأصيل، الممجّد، الأثير، الأثيل، البلالاوس، الرّيد أرغون، ضابط الممالك الرّوميّة، جامع البلاد الساحليّة، وارث القياصرة القدماء، محيي طرق الفلاسفة والحكماء، العالم بأمور دينه، العادل في ممالكه، معزّ النّصرانيّة، مؤيّد المسيحيّة، أوحد ملوك العيسوية، مخوّل التخوت والتّيجان، حامي البحار والخلبان، آخر ملوك اليونان، ملك ملوك السّريان، عماد بني المعموديّة، رضيّ الباب بابا رومية، ثقة الأصدقاء، صديق المسلمين، أسوة الملوك والسلاطين، ثم يكتب اسمه هنا ويدعى له، ولم يذكر قطع الورق الذي يكتب إليه فيه.
وهذا دعاء وصدر يليقان به أوردهما في التعريف:
وجعل له من السّلامة يدا لا تزعزعه من أوطانه، ولا تنزعه من سلطانه،
ولا توجب له إلّا استقرارا لتيجانه، واستمرارا بملكه على ما دارت على حصونه مناطق خلجانه، ولا برحت ثمار الودّ تدنو من أفنائه، ومواثيق العهد تبوّيء له ما يسرّ به من إشادة معالم سلفه وشدّ بناء يونانه، أصدرناها، وشكره كجاره البحر لا يوقف له على آخر، ولا يوصف مثل عقده الفاخر، ولا يكاثر إلّا قيل: أين هذا القليل من هذا الزاخر؟
آخر له: ونظم سلكه، وحمى بحسن تأتّيه ملكه، وكفى محبّه هلكه، وأجرى بودّه ركائبه وفلكه، ووقاه كذب الكاذب وكفّ إفكه، وأشهد على ودّه الليل والنهار وما جنّ كافور هذا كافوره ولا مسك هذا مسكه.
قلت: هذا الدعاء والصدر وإن أورده في «التعريف» في جملة الأدعية له والصدور، فإنه منحطّ الرتبة عن المكاتبة السابقة، اللهم إلّا أن يخصّ هذا بحالة منابذة أو تهديد، ونحو ذلك.
وذكر في «التثقيف» أن الذي استقرّ عليه الحال في المكاتبة إليه أنه يكتب إليه في قطع النّصف ما نصه: ضاعف الله تعالى [بهجة] حضرة الملك الجليل، المكرّم، المبجّل، الأسد، الخطير، البطل، الباسل، الهمام، الضّرغام، فلان، العالم في ملّته، العادل في أهل مملكته، عزّ الأمة المسيحيّة، كبير الطائفة الصّليبيّة، جمال بني المعموديّة، صمصام الملوك اليونانيّة، حسام المملكة الماكصونيّة، مالك اليرغليّة والأملاحية، صاحب أمصار الرّوس والعلّان، معزّ اعتقاد الكرج والسّريان، وارث الأسرّة والتّيجان، الحاكم على
الثّغور والبحور والخلجان، الضّوقس الأنجالوس الكمنينوس البالالوغس، صديق الملوك والسلاطين، ثم الدعاء. صدرت هذه المكاتبة إلى حضرته تشكر موالاته، (ومن هذه المادة) وتوضّح لعلمه السعيد.
ورأيت في بعض الدساتير أنه يختمها بقوله: فيحيط بذلك علما، والله تعالى يديم بهجته.
قال في «التثقيف»: وتعريفه «ضابط مملكة الروم» وذكر أن هذه المكاتبة هي المتداولة بديوان الإنشاء بين كتّابه، وأنه هو كتب بها إليه، ولم يتعرّض لإيراد المكاتبة التي ذكرها في «التعريف»، بل أحال في معرفتها لمن أرادها على النظر فيه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع