تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الضرب العاشر (التهنئة بنزول المنازل المستجدة)

فمن ذلك [من إنشاء] عليّ بن خلف:

أشرف المنازل رقعة، وأترفها بقعة، وأرفعها رفعة، ما اتّخذه مولانا لنفسه موطنا، وجعله بنزوله فيه حرما آمنا، وصيّره بمخصب مكارمه للعفاة مرادا ومقصدا، وبمعذب نوافله للظّماة مشرعا وموردا، وللسّؤدد بمجده معقلا، وللرّياسة بشرفه منزلا، والله تعالى يجعل هذه الدار الّتي تديّرها وحلّها، وحطّ بها رحله ونزلها، مأهولة ببقائه، آنسة بسبوغ نعمائه، عامرة بسعادته، مشيدة بتناصر عزّه وزيادته، لا تخطئها حوائم الآمال، ولا تتخطّاها ديم الإقبال، ويعرّفه من بركتها، ويمن عتبتها، ما يقضي بامتداد الأجل، وانفساح الأمل، وبلوغ الأماني، واتّصال التّهاني، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.

ومن ذلك:

وينهي أنه قد اتّصل بالمملوك تحوّل مولانا إلى المنزل المنشإ الجديد، ذي الطالع السعيد، والطائر الحميد، فسألت الله تعالى أن يبوّئه منه المبوّأ الكريم، ويمتّعه فيه بالدّعة والنّعيم، والنّماء والمزيد، والعيش الرّغيد، ويجعله واصلا لحبله، مأهولا بأهله، ويعرّفه بركة عتبته، ويملّيه ببهائه ونضارته، وحصل للمملوك السّرور بأن بلّغه الله الوطر، في سكنى ما عمر، وأناله الأمل والالتذاذ بخدمته، والسّرور بافتضاض عذرته، إن شاء الله تعالى.

ومن ذلك:

مولانا- أمتع الله بوجوده- غنيّ عن الهناء بمنزل ينزله ومحلّ يحلّه، إذ الله ﷾ قد كثّر أوطانه وآدره، وبلّغه في تمام عمارتها وانفساحها وطره، وخصّه بأفضلها معانا، وأشرفها مكانا، والمستوجب في الحقيقة للهناء هو الموضع الذي اختاره دارا، وارتضاه مستقرّا، وعرف المملوك انتقاله- لا زال يتنقّل في بروج السّعد، ويأوي إلى ظلّ ظليل من المجد- إلى الدار الفلانية لا زالت جامعة لشمله، مأنوسة بأهله، فعدل عن خدمته بالهناء، إلى إخلاص الدّعاء، بأن يعرّفه الله تعالى يمنها وبركتها، ويريه إقبالها وسعادتها، ويقرن تحوّله إليها بأيمن طائر، وأبرك طالع، فإنّ للحركات أوقاتا محمودة ومذمومة؛ فإذا اعتنى الله تعالى بعبد من عبيده، وفرض له نصيبا من تأييده، وفّقه للحركة في الزّمن السعيد، والوقت الحميد، لتكون مصايره مشاكلة لمباديه، وأعجازه مشابهة لهواديه، والله تعالى يجعل بابها محطّا للقصّاد، ومناخا للوفّاد، ومزارا للعفاة، وملاذا [للعناة] ويصل بها حبله، وينشي بها طفله، ويضاعف باستيطانها أنسه، ويسر بتبوّئها نفسه، إن شاء الله تعالى.

أبو الفرج الببغاء:

أسعد المنازل وأشرف المواطن ما استوطنه أيّده الله وتبوّاه، وتخيّره لنفسه وارتضاه، فغدا بشخصه وطن الإقبال، وبفائض كرمه حرم الآمال، وبشرفه للسّؤدد معقلا، وبنبله للرّياسة منزلا، فعرّفه الله يمن هذه الدار المعمورة بحلول البركات، المحفوفة بتناصر السّعادات، وجعلها وكلّ ربع يقطنه، ومحلّ يسكنه، مبشّرا بامتداد بقائه، وآهلا بالزّيادة في نعمائه.

وله في مثله:

كلّ وطن يحلّه- أيده الله- ويقطنه، ومحلّ يتخيّره ويسكنه، مقصود بالشّكر والثناء، آهل بالحمد والدّعاء، لا يتخطاه متوارد الآمال، ولا تنقطع عنه موادّ الإقبال، ولذلك صار هذا المنزل السعيد من فضائل الأرض ومحاسنها، ونجع الآمال ومعادنها، فعرّفه الله يمنه وبركته، وإقباله وسعادته، وقرن انتقاله إليه بأسبغ نعمة، وأكمل سلامة وأبسط قدرة وأعلى رتبة.

وله في مثله:

عرّفه الله [من] بركة هذا المنزل المورود، والفناء المقصود، ما يوفي على سالف ما أولاه من تكامل البركات، وتناصر السّعادات، وجعل مستقرّه فيه مقرونا بنموّ الحال، وتتابع الإقبال، في أفسح المدد وأطولها، وأنجح المطالب وأفضلها، وعمر أوطان المكارم بإقباله، وعضّد الأمانيّ باتّساع نعمائه.

أجوبة التهنئة بقرب المزار، ونزول المنازل المستجدّة قال في «موادّ البيان»: أجوبة هذه الرّقاع يجب أن تبنى على الاعتداد للمهنّي بتعهّده، والشكر له على تودّده، والابتهاج بهنائه، والتبرّك بدعائه، وأن المستجدّ غير مباين لمنزله، ولا خارج عن أحكام محله، وأنّ تمام بركته، أن يؤنس فيه بزيارته، وما يشابه هذا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.