من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
القسم الثالث- إمارة الاستيلاء
وهي أن يقلّده الخليفة الإمارة على بلاد ويفوّض إليه تدبيرها، فيستولي عليها بالقوّة، فيكون [الأمير] باستيلائه مستبدّا بالسياسة والتدبير، والخليفة
بإذنه ينفّذ أحكام الدين لتخرج عن الفساد إلى الصّحّة، ومن الحظر إلى الإباحة، نافذ التصرّف في حقوق الملة وأحكام الأمّة. وهذا ما صار إليه الأمر بعد التغلّب على الخلفاء، والاستبداد بالأمر بالغلبة والقوّة.
قال الماورديّ: وهذا وإن خرج عن عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه، ففيه [من] حفظ قوانين الشرع وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلّا مدخولا، ولا فاسدا معلولا، فجاز فيه مع الاستيلاء والاضطرار، ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار؛ لوقوع الفرق بين شروط المكنة والعجز: قال: والذي يتحفّظ بتقليد المستولي من قوانين الشريعة سبعة أشياء، يشترك في التزامها الخليفة المولّي والأمير المستولي، ووجوبها في جهة المستولي أغلظ.
أحدها- حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوّة، وتدبير أمور الأمة ليكون ما أوجبه الشرع من إقامتها محفوظا، وما تفرّع عنها من الحقوق محروسا.
والثاني- ظهور الطاعة الدّينية الّتي يزول معها حكم العناد في الدين، وينتفي بها مأثم المباينة له.
والثالث- اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر ليكون المسلمون يدا على من سواهم.
والرابع- أن تكون عقود الولايات الدينيّة جائزة، والأحكام والأقضية
[فيها] نافذة، لا تبطل بفساد عقودها، ولا تسقط بخلل عهودها.
الخامس- أن يكون استيفاء الأموال الشرعيّة بحقّ تبرأ به ذمّة مؤدّيها، ويستبيحه آخذها ومعطيها.
السادس- أن تكون الحدود مستوفاة بحقّ، وقائمة على مستحقّ، فإنّ جنب المؤمن حمى إلّا من حقوق الله تعالى وحدوده.
السابع- أن يكون للأمّة في حفظ الدين وازع عن محارم الله تعالى، يأمر بحقّه إن أطيع، ويدعو إلى طاعته إن عصي. ثم قال: فإن كملت فيه شروط الاختيار المتقدّمة، كان تقليده حتما استدعاء لطاعته، ودفعا لمشاقّته ومخالفته، [وصار بالإذن له نافذا لتصرّف في حقوق الملة وأحكام الأمة]، وجرى على من استوزره أو استنابه أحكام من استوزره الخليفة أو استنابه. وإن لم تكمل [فيه] شروط الاختيار، جاز له إظهار تقليده استدعاء لطاعته وحسما لمخالفته ومعاندته، وكان نفوذ تصرّفاته في الحقوق والأحكام موقوفا على أن يستنيب الخليفة له من تكاملت فيه الشّروط. قال: وجاز مثل هذا وإن شذّ عن الأصول؛ لأنّ الضرورة تسقط ما أعوز من شروط المكنة.
قلت: ومملكة الديار المصرية من حين الفتح الإسلاميّ وهلمّ جرّا إلى زماننا دائرة بين هذه الأقسام الثلاثة، لا تكاد تخرج عنها؛ فكانت في بداية الأمر «إمارة استكفاء» يولّي عليها الخليفة في كلّ زمن من يقوم بأعبائها، ويتصرّف في أمورها، قاصر الولاية عليها، واقف عند حدّ ما يرد عليه من الخليفة من الأوامر والنّواهي، إلّا ما كان في أيام بني طولون من الخروج عن طاعة الخلفاء في بعض الأحيان. فلمّا استولى عليها الفاطميّون واستوزروا أرباب»
السّيوف في أواخر دولتهم، وعظمت كلمتهم عندهم، صارت سلطنتها «وزارة تفويض». وكان الخليفة يحتجب والوزير هو المتصرّف في المملكة كالملوك الآن أو قريب منهم. وكانوا يلقّبون بألقاب الملوك الآن، كالملك الأفضل رضوان وزير الحافظ، وهو أوّل من لقّب بالملك منهم فيما ذكره المؤيّد صاحب حماة في تاريخه. والملك الصالح طلائع بن رزّيك وزير الفائز ثم العاضد.
والملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي وزير العاضد، وابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيّوب وزير العاضد أيضا، قبل أن يستقلّ بالملك ويخطب بالديار المصرية لبني العبّاس ببغداد. ولا نكر في تسمية الوزير ملكا، فقد قيل في قوله تعالى في قصّة يوسف ﵇: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
إنّ المراد بالملك الوزير لا الملك نفسه. ولما انتزعت من الفاطميين وصارت إلى بني أيّوب، وكانوا يلونها عن خلفاء بني العبّاس، صارت «إمارة استيلاء» لاستيلائهم عليها بالقوّة، واستبدادهم بالأمر والتدبير مع أصل إذن الخليفة وتقليده. وكان الرشيد قد لقّب «جعفر بن يحيى البرمكيّ» في زمن وزارته له بالسلطان، ولم يأخذ الناس في التلقيب به. فلمّا تغلّب الملوك بالشّرق على الخلفاء واستبدّوا عليهم، صار لقب السلطان سمة لهم،
مع ما يختصّهم به الخليفة من ألقاب التشريف، كشرف الدّولة، وعضد الدولة، وركن الدولة، ومعزّ الدولة، وعزّ الدولة، ونحو ذلك. وشاركهم في لقب السلطنة غيرهم من ملوك النواحي، فتلقب بذلك صلاح الدين يوسف بن أيّوب، وتلقّب بالملك الناصر عند استبداده بالملك على العاضد الفاطميّ بعد وزارته له، ونقل ما كان من وزارة التفويض والعهد بها إلى السلطنة، وصارت الوزارة عن السلطان معدوقة بقدر مخصوص من التصرّف. وبقي الأمر على ما هو عليه من الاستيلاء والاستبداد بالملك، مع أصل إذن الخليفة وكتابة العهد بالملك، وهي على ذلك إلى زماننا، إلّا ما كان في زمن تعطيل جيد الخلافة من الخلفاء، من حين قتل التتار «المستعصم» آخر خلفاء بني العباس ببغداد إلى حين إقامة الخليفة بمصر في الدولة الظاهريّة بيبرس. على أنّ في السلطنة الآن شبها من وزارة التفويض، فإن الخليفة يفوّض إليه في تقليده تدبير جميع الممالك الإسلامية بالتفويض العامّ لا يستثني منها شيئا. وغير هذه
المملكة وإن كان خارجا عن يده فهو داخل في عموم ولايته، حتّى لو غلب على شيء منها أو فتحه لم يحتج فيه إلى تولية جديدة من الخليفة. ولا مانع لذلك، فسيأتي في الكلام على المناشير أنه يجوز للإمام أن يقطع أرض الكفر قبل أن تفتح، وإذا جاز ذلك في الإقطاع ففي هذا أولى. وحينئذ فتكون سلطنة الديار المصريّة الآن مركّبة من وزارة التفويض وإمارة الاستيلاء.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع