من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الوجه الثالث (فيما يجب على الكاتب مراعاته فيه)
واعلم أنه يجب على الكاتب مراعاة أمور:
منها: براعة الاستهلال بما يتهيّأ له من اسم السلطان أو لقبه الخاصّ، مثل فلان الدين، أو لقبه بالسلطنة، مثل الناصر، والظاهر، ونحوهما، أو غير ذلك مما يدلّ على ما بعده قبل الإتيان به كما تقدّم في البيعات وعهود الخلفاء.
ومنها: التنبيه على شرف السّلطنة وعلوّ رتبتها، ووجوب القيام بأمر الرعيّة، وتحمّل ذلك عن الخليفة.
ومنها: الإشارة إلى اجتهاد الخليفة وإعمال فكره فيمن يقوم بأمر الأمّة، وأنه لم يجد بذلك أحقّ من المعهود إليه ولا أولى به منه، فيصفه بالصّفات الجميلة، ويثني عليه بما يليق بمقام الملك.
ومنها: الإشارة إلى جريان لفظ تنعقد به الولاية من عهد أو تقليد أو تفويض، وقبول ذلك، ووقوع الإشهاد على الخليفة بالعهد.
ومنها: إيراد ما يليق بالمقام من الوصيّة، بحسب ما يقتضيه الحال، من علوّ رتبة الخلافة وانخفاضها، مبيّنا لما يلزمه القيام به، من حفظ الدّين على أصوله المستقرّة، وما أجمع عليه سلف الأمّة، وتنفيذ الأحكام، وإنصاف المظلوم من الظالم، وحماية البيضة، والذّبّ عن الحرم، وإقامة الحدود،
وتحصين الثّغور، وجهاد أعداء الله وغزوهم، وجباية الفيء والصّدقات على ما أوجبه الشرع من غير حيف ولا عسف، وتقدير العطاء، وصرف ما يستحقّ في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، في وقت الحاجة إليه، واستكفاء الأمناء، وتقليد النّصحاء للأعمال والأموال، ومباشرة الأمور بنفسه وتصفّح الأحوال، إلى غير ذلك من الأمور المتعلّقة بالإمامة، من إقامة موسم الحجّ، وتأمين الحرم الشريف وإكرام ضرائح الأنبياء وبيت المقدس، وتحرير مقادير المعاملات، وغير ذلك مما يقتضيه أمر المملكة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع