من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
النمط الثاني (ما يكتب به لملوك الزمان)
وقد حكى في «التعريف» في ذلك مذهبين:
الأوّل- أن يكتب فيها: السّلطان، السيّد، الأجلّ، الملك الفلانيّ، مع بقيّة ما يناسب من الألقاب المفردة والمركّبة: كما كتب القاضي الفاضل في عهد أسد الدّين شيركوه الآتي ذكره عن العاضد الفاطميّ:
«من عبد الله ووليّه أبي محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيّد، الأجلّ، الملك، المنصور؛ سلطان الجيوش، وليّ الأمّة، فخر الدولة، أسد الدّين، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، أبي الحرث شير كوه العاضديّ».
وعلى هذه الطريقة بزيادة ألقاب كتب ابن القيسرانيّ في العهد للملك الناصر محمد بن قلاوون: قدّس الله روحه ونحو ذلك. قال في «التعريف»:
وأنا إلى ذلك أجنح، وعليه أعمل.
الثاني- أن يكتب: المقام الشريف، أو الكريم، أو العالي مجرّدا عنهما.
ويقتصر على المفردة [دون المركبة].
كما كتب به الصاحب فخر الدّين بن لقمان، في عهد الظاهر بيبرس بعد ذكر أوصافه ومناقبه: ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصّة بالمقام العالي المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الظاهريّ، الرّكنيّ، شرّفه الله تعالى وأعلاه.
قلت: وربّما أبدل المتقدّمون «المقام» في هذه الحالة ب «المقرّ» وأتى بالألقاب من نحو ما تقدّم.
وكما كتب به القاضي محيي الدّين بن عبد الظاهر في عهد المنصور قلاوون بعد استيفاء مناقبه وأوصافه، وذكر إعمال الفكر والرّويّة في اختياره:
«وخرج أمر مولانا أمير المؤمنين شرّفه الله أن يكون للمقرّ العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المنصوريّ، أجلّه الله ونصره، وأظفره وأقدره، وأيّده وأبّده؛
كلّ ما فوّضه الله لمولانا أمير المؤمنين» ونحو ذلك.
وبقي مذهب ثالث- وهو أن يأتي بنظير ألقاب المذهب الأوّل، مقتصرا على الألقاب المفردة دون المركّبة. وعلى ذلك جرى الوزير ضياء الدّين بن الأثير في العهد الذي كتب به معارضة لعهد السلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب الآتي ذكره- فقال بعد ذكر مناقبه: «وتلك مناقبك أيّها الملك، الناصر، الأجلّ، السيد، الكبير، العالم، العادل، صلاح الدين أبو المظفّر يوسف بن أيوب». ولم يتعرّض لحكايته في «التعريف». على أنّ ابن الأثير إمام هذا الفنّ، وحائز قصب السّبق فيه، ومقالته مما يحتجّ بها ويعوّل عليها.
فإن قيل: لعله في «التعريف» أراد مذاهب كتّاب زمانه، فالجواب أنّ حكاية المذهب الثاني عن المتأخّرين يؤذن بأنّ المراد متقدّمو الكتاب ومتأخّروهم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع