تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

المذهب الثاني (أن يفتتح العهد بلفظ «من فلان» باسم الخليفة وكنيته ولقب الخلافة (٣)

بقايا الدّول. وتحايا الملوك الأول، لا سيّما أولو السّعي الناجح، ومن لهم نسبة صالحيّة إذا فخروا بها قيل لهم: نعم السلف الصالح، فأوسعهم برّا، وكن بهم برّا، وهم بما يجب من خدمتك أعلم وأنت بما يجب من حرمتهم أدرى؛ والثغور والحصون، فهم ذخائر الشّدة، وخزائن العديد والعدّة، ومقاعد للقتال، وكنائن الرّجاء والرّجال، فأحسن لها التحصين، وفوّض أمرها إلى كلّ قويّ أمين، وإلى كلّ [ذي] دين متين، وعقل رصين، ونوّاب الممالك ونوّاب الأمصار، فأحسن لهم الاختيار، وأجمل لهم الاختبار، وتفقّد لهم الأخبار.

وأمّا ما سوى ذلك فهو داخل في حدود هذه الوصايا النافعة، ولولا أنّ الله أمرنا بالتذكير، لكانت سجايا المقرّ الأشرف السلطانيّ، الملكيّ، المنصوريّ، مكتفية بأنوار ألمعيّته الساطعة، وزمام كلّ صلاح يجب أن يشغل به جميع أوقاته، هو تقوى الله، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ

فليكن ذلك نصب العين، وشغل القلب والشّفتين، وأعداء الدين من أرمن وفرنج وتتار، فأذقهم وبال أمرهم في كل إيراد للغزو وإصدار؛ وثر لأن تأخذ للخلفاء العباسيّين ولجميع المسلمين منهم الثّار، واعلم أنّ الله نصيرك على ظلمهم وما للظّالمين من أنصار.

وأما غيرهم من مجاوريهم من المسلمين فأحسن باستنقاذك منهم العلاج، وطبّهم باستصلاحك فبالطّبّ الملكيّ والمنصوريّ ينصلح المزاج؛ والله الموفّق بمنّه وكرمه.

وعلى هذه الطريقة مشى المقرّ الأشرف الناصريّ محمد بن البارزيّ الحمويّ صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالديار المصرية وسائر الممالك الإسلامية: جمّل الله تعالى الوجود بوجوده، وأناف بقدره على كيوان في ارتقائه وصعوده، وجعله لسلطانه المؤيّد ردءا ما بدا سعد الملك صاعدا إلا كان له سعد سعوده.

فكتب على ذلك عهد السلطان الملك المؤيّد أبي النصر «شيخ» خلّد الله سلطانه، عن الإمام المستعين بالله أبي الفضل العباس أمير المؤمنين خليفة العصر- أيّد الله تعالى به الدّين- في شعبان المكرّم سنة خمس عشرة وثمانمائة، بعد خلع الناصر فرج، فأتى فيه بما أخجل الرّوض المنمنم والنجم الزاهر، وأوجب على العارف بنقد الأمرين أن يقول: كم ترك الأوّل للآخر، عدّد فيه وقائعه

المشهورة، وذكر مناقبه التي صارت على صفحات الأيام مرقومة وعلى مرّ الليالي مذكورة، وفي بطون التواريخ على توالي الجديدين وتعاقب الدّهور مسطورة؛ (فكتب على ذلك عهد السلطان الملك المؤيّد أبي النصر شيخ خلد الله سلطانه)، ونصّه:

الحمد لله الذي جعل الدّين بنصره مؤيّدا، وانتضاه لمصالح الملك والدّين فأصبح ومن مرهفات عزمه بادية بائدة العدا، وفتح على فقر الزمان بشيخ ملك زويت له عوارف العدل ومعارف الفضل فاستغنى- ولله الحمد- بسعيد السّعدا، وأصلح فساد الأحوال بأحكام رأيه وإحكام حكمه فأصبحت مأمونة الرّداء آمنة من الرّدى، وامتنّ على أولياء الدولة الشريفة بمن لم يزل سهم تدبيره الشريف فيهم مسدّدا، ومياه الظفر جارية من قناة غوره الذي بذلك تعوّدا، وبحر إحسانه الكامل وإن قدم العهد المديد مجدّدا.

والحمد لله الذي جعل وجوه هذه الأيام بالأمن مسفرة، وليالي جودها بالعدل مقمرة، وعذبات أوليائها بالأفراح مزهرة، وحدائق أخصّائها بالنجاح مثمرة، ومنازل أعدائها مقفرة موحشة، ونوازلهم مذعرة مدهشة، وأجسادهم بأمراض قلوبهم مشوّشة، وأكبادهم بلواعج زفراتهم معطّشة.

والحمد لله الذي جعل هذه الأيام الفاضلة الجلال جليلة الفضل، شاملة النّظام ناظمة الشّمل، هامية بالمكرمات هائمة بالعدل، دانية القطوف، معروفة بالمعروف، مغيثة الملهوف، مرهبة للألوف، متصرّفة في الآفاق صارفة الصّروف، حمدا يبهج النّفوس، ويزيل البوس، ويديم السّرور، ويذهب

المحذور، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ

نحمده على هذه النّعم التي تفيّأت الأمم بظلالها، وبلغت بها النفوس غاية آمالها، ورويت بعد ظمإ الخوف من حياض أمن زلالها، واستسرّت بعد الحزن بأفراح قبولها وإقبالها، وارتفعت بعد انخفاضها رؤوس أبطالها وأقيالها.

ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تديم النّعماء، وتجزل العطاء، وتكشف الغمّاء، وتقهر الأعداء، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي قرن طاعة أولي الأمر بطاعته، وأيّد من اهتدى منهم بهدايته، وأعانه لمّا استعان بعنايته، وأظلّه تحت ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلا ظلّه في دار كرامته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين انحازوا إلى حوزته واحتموا بحمايته، وأثمر لهم غرس دينه فرعوه حقّ رعايته، وشرّف وكرم.

وبعد، فلمّا كانت رحمة الله تعالى لغضبه سابقة، ورأفته بعباده متلاحقة، وكانت الممالك الشريفة قد اختلّت أمورها، وصار إلى الدّثور معمورها، وأشرف على البوار أميرها ومأمورها، فالشرائع متغيّرة شرائعها، والعوائد مفقودة مآثرها، والمظالم قويّ سلطانها، كثير أعوانها، ضعيف مضاددها، قليل معاندها، فلا نائب سياسة إلا مشغول بالنّوائب، ولا حاكم شرع إلا وقد سدّت عليه المذاهب، ولا تاجر إلا وقد خسرت تجارته فما ربحت، ولا ذو قراض إلا ورؤوس أمواله قد انقرضت، ولا صاحب تراث إلا وقد محيت آية ميراثه ونسخت، ولا ركن مملكة إلّا وقد انهدم أساسه، ولا عضد دولة إلا وقد بطل إحساسه، أقام ﷾ لإزالة هذه النّوازل الفادحة، وإخماد نار هذه القبائح القادحة، من توفّرت الدّواعي على استحقاقه السلطنة الشريفة، وأجمعت الأمّة على انحصار ذلك في أوصافه المنيفة، ودلّت أمائر السّعود على محلّه الجليل، وجنابه الذي إذا لاذ به من خاف الدّهر رجع وطرف الدّهر عنه كليل؛ طالما أصفى موارد العدل، وأضفى أذيال

الفضل، وأمّن الخائف، وروّع الحائف وأمضى في الجهاد عزمه، وأنفذ في السّرايا إليه حكمه، وسدّد إلى معاونه في غرض الكفّار سهمه، وفتح الطريق إلى بيت الله الحرام بعد الانسداد، وأنعم على القانع والمعترّ بالراحلة والزّاد، وعمر المساجد، وجعلها آهلة بالراكع والساجد، وجلا عروس الأمويّ في حلل التهليل والتكبير، وأعاد عود منبره الذابل وهو نضير، هذا مع شجاعة شاهدها وشهد بها أبطال الإسلام، وسطوة تخشاها الأسود في الآجام، ووقار يخضع بالهيبة رؤوس الأعلام، وبشر يطلع فجره من طالع جبهته، ونور ساطع من جهة جبهته، وحياء متطلّع من طلعته، وحباء متدفّق من أنملته، وكنت أيّها الملك الجليل المؤيّد- لا زال شمل الدين بك مجموعا، وعلم الإسلام مرفوعا، وقلب أهل الشّرك والنّفاق مروعا- أنت المتّصف بهذه الصّفات الحميدة، والكاشف لتلك الشدائد الشّديدة؛ فلم يرعك خطر الخطّارة، ولا انحلال أهل صرخد حيث اشتهرت عزائم صوارمك البتّارة، ولا خطرتك من القيساريّة إلى الرّيدانيّة في أسرع من غفوة، والشّيخ لا تنكر له الخطوة، ولا مشاهدة الحمام في الحمّام، ولا زاغ بصرك باللّجّون حين أظلم القتام، حتّى زال المانع، وهجع الهاجع، وأمنت الخطوب، وفرّجت الكروب، وخلا دست السلطنة ممن نكث الأيمان، وأصرّ على

الإثم والعدوان، وأقررت اسم الخلافة على الانفراد، ليستخير الله في الأصلح للعباد والبلاد.

هذا ورأي أهل الحلّ والعقد من ملوك الإسلام وأمرائه، وقضاته وعلمائه، ومشايخه وصلحائه، وخاصّته وعامّته، ورأي مولانا أمير المؤمنين، أعزّ الله تعالى به الدّين، وجمع بيمن بركته شمل الإسلام والمسلمين، مجمع على تفويض أمر المسلمين وولاية عهدهم وكفالة السلطنة الشريفة والإمامة العظمى إليك- خلّد الله سلطانك، وجعل الدهر خديمك والملائكة أعوانك، فقدّم أمير المؤمنين من الاستخارة أمام هذا التقليد ما يعتبر في السّنّة الشريفة ويقدّم، وعلم أنّ المصلحة فيما خاره الله له وللأمّة من ولايتك أيّها الملك المبجّل والسلطان الأعظم، وأنك أبرأ للذّمّة، وأبرّ بالأمّة، وشاهد بإجماع الأمّة على سلطنتك من التآلف والاتّفاق، ما نفى الخلاف والشّقاق، وما سرّ الجمهور الطائعين من غير دفاع، والجمّ الغفير لبديع آرائك ورفيع راياتك مذعنين لحسن الاتّباع، وأهل الحلّ والعقد لأمرك ونهيك قد خضعت منهم الرّقاب، وسارعوا إلى إجابة دعوتك حين اتضحت لهم أدلّة الصواب، والزمان بإفضاء الأمر إليك قد طاب واعتدل، والأرض في مشارقها ومغاربها بمهابتك قد أمنت من الوجل، والنفوس الأبيّة قد أذعنت لمبايعتك من غير مهل، والفتنة وقد ردّ الله بالغيظ مثيرها، والألفة وقد برقت من سرائر أهل التوحيد أساريرها، والعساكر المنصورة قد أحاطت به كما أحاطت بالبدور الهالة، وقد أنزل الله عليك ناموس المهابة والجلالة، وفوّض إليك ما ولّاه الله من أمور الإسلام والمسلمين، وأسند إليك ما في يده من مصالح عباده المؤمنين: لتقيم على أساس أحكامك دعائم الدّين القويم، وتسيّر الخلائق على منهاج طريقك المستقيم، وتحسن- إن شاء الله- برعايتك عاقبة الرعيّة كما أصبحت قلوبهم بك راضية مرضيّة.

وعهد إليك أمير المؤمنين في كلّ ما وراء سرير خلافته، وفي كلّ ما يرتبط بأحكام إمامته، وقلّدك ذلك شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وبرّا وبحرا، وسهلا

ووعرا، وفي كلّ ماله من الملك والممالك، وما يفتحه [الله] على يدك بعد ذلك، تفويضا شاملا، وتقليدا كاملا، وعهدا تامّا، وإسنادا عامّا، ولاية مكمّلة البنيان، مؤسّسة على تقوى من الله ورضوان، وسلطنة آخذة بالذّمم، مشتملة على جميع الأمم، يدخل في هذا العهد العامّ والتفويض التامّ، والرأي الذي شهد له إجماع الأمّة بالإحكام، [يدخل في ذلك] مفضول الناس وفاضلهم، وعالمهم وجاهلهم، وخاصّهم وعامّهم، وناقصهم وتامّهم، وشريفهم ومشروفهم، وقويّهم وضعيفهم، وآمرهم ومأمورهم، وقاهرهم ومقهورهم، والجمع والجماعات، وبيوت العبادة والطاعات، والقضاة وأحكامها، والخطباء ومنابرها وأعلامها، والجيوش والعساكر والكتائب، وربّ سيف وكاتب إنشاء وقلم حاسب، وطوائف الرّعايا على اختلاف أطوارهم، وتفاوت أرزاقهم وأقدارهم، والعربان والعشائر، وبيوت الأموال والذّخائر، وداني الأمم وقاصيها، وطائعها وعاصيها، والخراج وجباياته والمصروف وجهاته، والصدقات ومستحقّوها، والرّزق ومرتزقوها، والإقطاعات والأجناد، وما يستعدّ [به] لمواطن الجهاد، والمنع والعطاء والقبض والإمضاء، والخمس والزّكوات، والهدن والمعاهدات، والبيع والقمامات، وما يظهر من أمور الملك وما يخفى، وما تستدعيه براعتك في السرّ والخفا، وشعار السلطنة وأهبتها، ونواميس الملك وحرمتها.

فأجبت- رعاك الله- دعوة أمير المؤمنين ودعوتهم لقبول ذلك مسؤولا، معتمدا على أن الله سينزل إليك من يسدّدك من الملائك فعلا وقولا؛ فاجلس- أيّدك الله- على تخت ملك قد هيّأه الله لمواقفك المطهّرة، وسرير سلطنة علّقت

سرير سعدك الامجد فتقاعست الهمم عنه مقصّرة.

فالحمد لله ثم الحمد لله عن الدّهر وأبنائه، ولا مثل هذه النعمة بهذا الخبر وأنبائه، ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ

وهذا ما كان من قضيّة الدين على رغم الوسواس الخنّاس، وهذا ما كانت الآمال تنتظر وروده، وجواري القدم ترتقب سعوده:

والله ما زادوك ملكا إنّمازادوا أكفّ الطالبين نوالا!

وأمّا الوصايا، فأنت بحمد الله طالما ملأت بها الأسماع، وكشفت عاطفتك لمن أردت ترتيبه عنها القناع؛ ولكن عهد من تعبّداتك السماع لشدوها، والطّرب لحدوها، فعليك بتقوى الله، فيها تورق أغصان الأرب الذّوابل، ويغرّد طائر عزّك الميمون بالأسحار والأصائل؛ فاجعلها ربيع صدرك، وأينع بها حدائق فكرك، وروّح بعرفها الأريج أرجاء ملكك، وأجر الشرع الشريف على ما عوّدته من نصرك، والعلماء على ما ألفوه من برّك وخيرك، فهم ورثة الأنبياء ﵈، والدالّون على الشريعة بأسنّة أقلامهم ما يكلّ عنه حدّ الحسام، وطهّر منصب الشرع الشريف من الرّذائل، وصن أيّام ملكك الشريف عن الجهّال، والآكلين أموال الناس بالباطل؛ والعدل- ونستغفر الله- فإنك مثمّر لغراسه، رافع ما انهدم من أساسه؛ قد جعلته مجلس محاكماتك، وأنيس خلواتك؛ والفضل- وبرّك أخجل الأقلام- فلو مرّ بك راجيك على الصّفا لا رتاح للمعروف، أو شاهد هباتك حاتم لرجع طرفه عنها وهو مطروف؛ ولا سرف في الخير، ولا ضرر ولا ضير؛ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فأنت المسؤول بين يدي الله عن ذلك، وانه

نفسك عن الهوى بحيث لا يراك الله هنالك؛ وحدود الله فلا تتعدّاها، والرعايا فحطها بعين رعايتك وارعاها، وجنّد الجنود برّا وبحرا، وأنل أعداءك قهرا وقسرا، وراجع النظر في أمر نوّاب السلطنة الشريفة مراجعة الناقد البصير، وتيقّظ لصيانة قلاع الممالك ومعاقلها وحصونها، وتخيّر لها من ليس بمشكوك المناصحة ولا مظنونها، وحطها مع عمارتها بالعدّة والعدد، والأقوات لكي تطمئنّ النفوس بمددها منها إذا طالت المدد، وتفقّد أحوال من فيها من المستخدمة، وارع حقوق من له بها خدمة متقدّمة، واجعل الثّغور باسمة بحفظتها ولا حظ الأمور بحسن تدبيرك المألوف في سياستها، واستوص خيرا بأمرائك الخالصين من الشّكوك، السالكين في طاعتك أحسن السّلوك، وضاعف لهم الحرمة، وارع لهم الذّمّة، لا سيّما أولي الفكر الثاقب، والرأي الصائب؛ فشاورهم في مهمّات الأمور، واشرح بإحسانك منهم الصّدور، وارع حقوق المهاجرين والأنصار، الذين سلكت معك مطاياهم البطاح والقفار، وهجروا محبوبهم من الوطن والدار، وجالدوا وجادلوا، وآووا في سبيلك وقاتلوا، وأنل كلّا منهم ما يرجوه، واشرح صدورهم بإدراك ما أمّلوه؛ وجيوش الإسلام فاغرس محبتك في قلوبهم بإحسانك، وكما سبقتهم بإحسانك فتحبّب إليهم بجزيل امتنانك؛ وجيوش البحر فكن لها محيطا، وبجليّات مشيها محيطا؛ فإنها توجّه للأصقاع، سليمانيّة الإسراع، تقذف بالرّعب في قلوب أعداء الدين، وتقلع بقلوعها آثار الملحدين، فواصل تجهيز السّرايا لركوب ثبجه، والغوص إلى أعداء الله في عميق لججه، وأجمل النظر في بيت الله الحرام، وحرم رسوله، عليه أفضل الصلاة والسلام: لتسلك عين الأمن الأباطح، وتقرّ عيون حمره بالمائح والماتح، وتتعرّف بعرفانك عرفات، وترمى مخاوف

الخيف من أيدي مهابتك بالجمرات، وصل جيرانهما بصلاتك: لتسهر أعينهم بالدعاء لك وأنت في غفواتك. والقدس الشريف الذي هو أحد المساجد التي تشدّ إليها الرحال فزد تقديسه، واجعل ربوع عباداته بالصّلوات مأنوسة. وإقامة موسم الحج كلّ سنة فأنت بعد حركة تيمور فاتح سبيله، وكاسي محمله حلل توقيره وتبجيله.

هذه الوصايا تذكرة للخاطر الشريف وحاشاك من النّسيان، وهذا عهد أمير المؤمنين ومبايعة أولي الحلّ والعقد قد تقاضيا إلى حقّك على الزمان، وعندك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما ضلّ من تمسّك بهما ولا مان؛ فاتّبع أحكام الله يوسّع الله لك في ملكك، واجعل هديك بهما إمام نهيك وأمرك، وأدّ ما قلّدك الله من حقوق الإمامة والأمانة إلى خلقه أداء موفورا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً

قلت: ولما كان هذا العهد قد ادّرع جلباب العجائب فأعجب، وارتدى برداء الغرائب فأغرب، وسقي غرسه ماء البلاغة فأنجب، وشنّف الأسماع إذ أسمع فأرقص على السماع وأطرب، وامتطى صهوة جياد البيان فتنقّل فيها من كميت إلى أشقر ومن أحوى إلى أشهب- أحببت أن آتي له بطرّة هي له في الحقيقة ذيل، ونغبة من بحر وقطرة من سيل، لا جرم جعلتها في الوضع في الكتاب له لا حقة، وإن جرت العادة أن تكون الطّرّة للعهد سابقة، وهو:

هذا عهد شريف ترقمه أقلام أشعّة الشمس بذهب الأصيل على صفحات الأيام، وتعجمه كفّ الثريّا بنقط النجوم الزواهر وإن كان لا عهد للعهود بالإعجام،

وتعترف ملوك الأرض أنّ صاحبه شيخ الملوك والسلاطين فتقدّمه في الرأي وتجلّه في الرتبة وتعامله بالإجلال والإعظام، من عبد الله ووليّه، وخليفته في أرضه وصفيّه، وسليل خلفائه الراشدين وابن عم نبيّه، الإمام الفلاني (إلى السلطان الأعظم الملك الفلاني إلى آخر الألقاب).

وهذه نسخة عهد على هذا المذهب، كتب به عن أمير المؤمنين المستعين بالله أبي الفضل العباس خليفة العصر، للملك العادل شمس الدنيا والدين «مظفّر شاه» بالسلطنة بالمملكة الهنديّة، في شوّال سنة ثلاث عشرة وثمانمائة بدمشق المحروسة، من إنشاء الشيخ الإمام علّامة العصر، جامع أشتات الأدب ومالك زمامه، تقيّ الدّين محمد بن حجّة، الشاعر الحمويّ، ومفتي دار العدل

بحماة المحروسة، مما كتب بخطّ المولى تاج الدين عبد الرحمن بن التاج، أحد كتّاب الإنشاء الشريف بالأبواب الشريفة، في قطع البغداديّ الكامل بخفيف الطّومار، وكانت الطرّة المكتتبة في الوصل الأوّل خمسة أسطر بالقلم المذكور، وسطرين بخفيف المحقّق، والطرّة البيضاء خمسة أوصال، والبياض بين كلّ سطرين ثلث ذراع، وبيت العلامة الشريفة ضعف ذلك، والهامش ربع الورق على العادة. وصورة الطرّة:

عهد شريف عهد به عبد الله ووليّه، سيّدنا ومولانا الإمام الأعظم العبّاس أبو الفضل المستعين بالله أمير المؤمنين، وابن عمّ سيد المرسلين، أعزّ الله به الدين، وأمتع ببقائه الإسلام والمسلمين، إلى المقام الأشرف، العالي، السلطانيّ، العادليّ، الشمسيّ، أبي المجاهد «مظفّر شاه» أعزّ الله تعالى أنصاره. وقلّده السلطنة المعظّمة بحضرة «دهلى» وأعمالها ومضافاتها على عادة من تقدّمه في ذلك، ولاية عامّة شاملة كاملة جامعة، وازعة قاطعة ساطعة، شريفة منيفة: في سائر الممالك الهندية وأقاليمها، وثغورها، وبلادها، وعساكرها وأكابرها وأصاغرها، ورعاياها ورعاتها وحكّامها، وقضاتها، وما احتوت عليه شرقا وغربا، بعدا وقربا؛ على ما شرح فيه.

الصدر بعد البسملة الشريفة:

الحمد لله الذي وثّق عهد النّجاح للمستعين به وثبّت أوتاده: ليفوز من تمسّك من غير فاصلة بسببه، وزيّن السماء الدنيا بمصابيح وحفظا، وأفرغ على أعطاف الأرض حلل الخلافة الشريفة، وعلم أنّ خلفها الشريف زهرة الحياة الدنيا فقال عز من قائل: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

. واختارها من بيت براعة استهلاله في أوّل بيت وضع للناس، وسبقت إرادته- وله الحمد- أن تكون

هذه النّهلة من سقاية العبّاس.

فالحمد لله على أن جعل هذه السّقاية عينا يشرب بها المقرّبون، ومن علم شرفها تميّز وتمسّك بقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ

والحمد لله الذي استخلف آله في الأرض وفضّلهم، فإن تحدّث أحد في شرف بيت فالله سبحانه قد جعل البيت والحديث لهم؛ فأكرم به بيتا من أقرّ بعبوديّته كان له بحمد الله من النار عتقا، وتمتّع بنعيم بركته التي لا يتجنّبها إلا الأشقى؛ وهو البيت الذي بعث الله منه شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وصفّى أهله من الأدناس وأنزل في حقّهم: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

، وصيّر علمهم الخليفتيّ على وجنة الدّهر شامة، وخصّهم بالتقديم فالحمد لله والله أكبر لهذه الإمامة؛ وإذا كان النسيب مقدّما في المدح وهو في النظم واسطة العقود، فهذا هو النّسب الذي كأنّ عليه من شمس الضّحى نورا ومن فلق الصباح عمود، وهذا هو الركن الذي من استلمه واستند إليه قيل له: فزت بعلوّ سندك، فقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال لعمّه العباس: «يا عمّ ألا أبشّرك؟ قال: بلى يا رسول الله- قال: إنّ الله فتح الأمر بي ويختمه بولدك». وهذا الحديث يرشد إلى التمسّك بطيب العهود العباسيّة لتفيض على المتمسك بها نيل الوفاء، وتعين من استعان بالمستعين وعلم أنّ النبيّ ﵇ قال لجدّه: «أنت أبو الخلفاء». وناهيك أنّه ﷺ قال لأمّ فضل وهي شاكّة في الحمل: «اذهبي بأبي الخلفاء» فكان عبد الله المنتظم به هذا الشّمل فاحبب بها شجرة زكا غرسها ونما، وتسامت بها الأرض وكيف لا؟ وأصلها ثابت وفرعها في السّما؛ فسلام على هذا الخلف الذي منه المستعين بالله والمتوكل عليه

والواثق به والمعتصم والرشيد، ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنّه حميد مجيد.

نحمده حمد من علم أنّ آل هذا البيت الشريف كسفينة نوح وتعلّق بهم فنجا، ونشكره شكر من مال إلى الدّخول تحت العلم العبّاسيّ وتنصلّ من الخوارج فوجد له من كلّ ضيق مخرجا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو أن تكون مقبولة عند الحاكم وقت الأدا، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي حرّضنا على التمسك بالعهود وأرشدنا إلى طريق الهدى؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين وفّوا بالعهود، وكانوا في نظام هذا الدّين وجمعه فرائد العقود، صلاة يسقي عهاد الرحمة- إن شاء الله- عهدها، وينتظم في سلك القبول عقدها، وسلّم تسليما.

أما بعد حمد الله الذي ألهمنا الرّشد وجعل منّا الخلفاء الراشدين، وهدانا بنبيّه ﷺ وخصّنا من بيته الشريف بالأئمة المهديّين، واصطفى من هذا الخلف خلائف الأرض، وسنّ مواضي العقول التي قطعت أنّ طاعتنا فرض؛ فإنّ لعهدنا العبّاسي شرفا لا يرفل في حلله إلّا من اتّخذ مع الله عهدا وأتاه بقلب سليم، فقد قال الله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ

. لا يتمسّك بهذا العهد إلّا من صحا إلى القيام بواجب الطاعة وترك أهل الجهل في سكرتهم يعمهون، وانتظم في سلك من أنزل الله في حقّهم: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ

؛ فمن نهض إلى المشي في منهاجه مشى بعين البصيرة في الطّريق القويم، وتلا له لسان الحال: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ

مُسْتَقِيمٍ

؛ وهو قبضة من آثار البيعة النبويّة، وشعار يتشرّف به من مشى تحت ألويته العباسيّة، وما أرسل هذا العهد النبويّ إلى أحد من ملوك الأرض إلا عمّه الشرف من جميع جهاته، واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ

وشدت أعواد منبره طربا، وأزهرت رونقا وأثمرت أدبا، واستطالت بيد الخلافة لإقامة الحدّ، وكيف لا ويد الخلافة لا تطاولها يد؛ وكان المقام الأشرف (إلى آخر الألقاب المذكورة في التعريف واسمه المكتتب في الطرّة) هو الذي رغب في التمسّك بهذا العهد الشريف ليزيل عن ملكه الالتباس، واستند إليه ليروي بسنده العالي عن ابن عبّاس؛ فإنه الملك الذي ظفّره الله بأعداء هذا الدّين وسمّاه مظفّرا ولقّبه بالشمسيّ واختار له أن يقارن من الطّلعة المستعينيّة قمرا؛ أينع زهر العدل من حضرة «دهلى» فعطّر الآفاق، وضاع نشره بالهند فعاد الشّمّ إلى المزكوم بالعراق، وصارت دمن «سمنات» عامرة بقيام الدّين، وأيّده الله فيها بعد القتال بالفتح المبين، ولم يترك للعدوّ في بيت بيت ليلة، وأبطل ما دهّره أهل دهلى بحسن اليقظة وقوّة الصّولة، وأباد الكفرة من أهل ديو ولم يقبل لهم دية، وفاءوا إلى غير أمر الله فأبادهم بسيفه الهنديّ فلم تقم لهم فية، وفطّر أكباد من ناوأه بها فلازموا عن رؤيتها الصّوم، ونادى منادي عدله بالبلاد الهندية: لا ظلم اليوم، ودانت له تلك الممالك برّا وبحرا، وسهلا ووعرا، ما نظم الأعداء على البحر المديد بيتا إلا أبان زحافه وأدار عليه دوائره، فكم نظم شمل الرعايا بالعدل ونثر رؤوس الطّغاة بالسيف فلا عدم الإسلام ناظمه وناثره؛ سئلت الرّكبان في البرّ عن مناقبه الجميلة وعمّ

يتساءلون وقد صار لها عظيم النبا، وصرّح راكب البحر بعد التسمية باسمه وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً

فظلّه في البرّ ظليل، وعدله في البحر بسيط وطويل.

هذا ولم يبق في تلك الممالك الهنديّة بقعة إلا ولم يصغر الله بسنابك الخيل فيها ممشاه، ولا نفس خارجة عن الطاعة إلا وماتت في رقعة الأرض بمظفّر شاه؛ فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي، المولويّ، السيّديّ، الإماميّ، الأعظميّ، النبويّ، المستعينيّ، سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المستعين بالله أبي الفضل العبّاس (ونسبه إلى الحاكم بأمر الله، والدعاء) بعد أن استخار الله تعالى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين كثيرا، واتخذه هاديا ونصيرا، وصلّى على ابن عمه سيدنا محمد- ﷺ أن يفوّض إلى المقام الأشرف المشار إليه ولاية العهد وكفالة السلطنة المعظّمة، بحضرة دهلى وأعمالها كما في الطرّة كما هو المعهود:

ليهطل جود الرحمة على تلك البقاع المباركة إن شاء الله ويجود: لما رآه من صلاح الأمّة ومصالح الخلق، استخلافا تتحلّى بذكره الأفواه، وتستند إليه الرّواة، وتترنّم به الحداة، وتستبشر به كافّة الأمم، ويقطع به ويحفظه ربّ كل سيف وقلم، ويعتمد عليه كلّ ذي علم وعلم؛ فلا زعيم جيش بها إلّا وهذا التفويض يسعه ويشمله، ولا إقليم من أقاليمها إلا ومن به يقبّله، ويقبله، ويتمثّل به ويمتثله، ولا منبر بجوامعها إلا وخطيبه يتلو برهان هذا التفويض ويرتّله.

وأما الوصايا فعنده- إن شاء الله- تهبّ نسمات قبولها، وتعرب عن نصب مفعولها؛ وهو بحمد الله تعالى لوصايا هذا العهد المبارك نعم القابل، ففي الصحيحين عن النبيّ ﷺ: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه منهم الإمام العادل» والوصيّة بالرّعايا واجبة والعدل فيهم قد حرّض النبيّ ﷺ عليه، وقال: «يوم من

إمام عادل أفضل من مطر أربعين صباحا أحوج ما تكون الأرض إليه». وقال ابن عمّنا عليّ ﵁ «الملك والدّين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر، ونشرهما في الرعيّة ضائع، فالدّين أسّ والملك حارس، فما لم يكن له أسّ فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع» فليأمر بالمعروف وينه عن المنكر عالما أنه ليس يسأل غدا بين يدي الله ﷿ عن ذلك سوانا وسواه، وينه نفسه عن الهوى فلا يحسن لعود قدّه أن يميل مع هواه- وليترك الثّغور بعدله باسمة، وقواعد الملك بفضله قائمة- وليجاهد في الله حقّ جهاده، ويلطف بالرعايا ويعلم أن الله لطيف بعباده- وليشرح لهم بالإحسان صدرا، ويجرهم إذا وقف على أحوالهم أحسن مجرى؛ وهو بحمد الله غير محتاج إلى التأكيد: لأنه لم يخل له من القيام في مصالح المسلمين فكر، ولكنه تجديد ذكر على ذكر، والله تعالى يمتّع بطول بقائه البلاد والعباد، ولا برحت سيوفه الهندية تكلّم أعداء هذا الدين بألسنة حداد، وثبّت ملكه بالعدل وشيّد أقواله وأفعاله، وختم بالصالحات أعماله، والاعتماد على الخط الإماميّ المستعينيّ أعلاه، إن شاء الله تعالى.

قلت: ولم يعهد أنه كتب عن الخلفاء العباسيين القائمين بالديار المصرية عهد لملك من غير ملوك الديار المصرية سوى هذا العهد.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.