تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الضّرب الأوّل (ما كان يقسم به في الجاهليّة)

اعلم أنّ مبنى الأيمان على الحلف بما يعظّمه الحالف ويتّحرّز من الحنث عند الحلف به. فأهل كلّ ملّة يحلفون بما هو عظيم لديهم في حكم ديانتهم. ولا خفاء في أنّ كلّ معترف لله تعالى بالرّبوبيّة من أهل الديانات يحلف به، سواء كان من أهل الكتاب أو مشركا، ضرورة اعترافهم بألوهيّته تعالى، والانقياد إلى ربوبيّته.

وقد حكى الله تعالى عن الكفّار في القرآن الكريم رعاية القسم بالله فقال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها

وقال جلّ وعزّ: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ

، وقال جلّ من قائل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ

ثم اليهود يحلفون بالتّوراة، والنّصارى يحلفون بالإنجيل، وعبدة الأوثان من العرب كانوا يحلفون بأوثانهم؛ وكان أكثر حلف عرب الحجاز باللّات والعزّى.

وربما جنحوا عن صورة القسم إلى ضرب من التّعليق، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعليّ كذا، أو فأنا كذا، أو فأكون مخالفا لكذا أو خارجا عن كذا أو داخلا في كذا، وما أشبه ذلك.

وقد كانت العرب تأتي في نظمها ونثرها [عند] حلفها بالتّعليق بإضافة المكروه إلى مواقعة ما يحذرونه: من هلاك الأنفس والأموال، وفساد الأحوال، وما يجري مجرى ذلك.

قال الجاحظ: قال الهيثم: يمين لا يحلف بها أعرابيّ أبدا، وهي أن يقول:

لا أورد الله لك صافيا، ولا أصدر لك واردا، ولا حططت رحلك، ولا خلعت نعلك، يعني إن فعلت كذا.

وقال النّابغة الذّبيانيّ:

ما إن أتيت بشيء أنت تكرههإذا فلا رفعت سوطي إليّ يدي

وقال الأشتر النّخعيّ:

بقّيت وفري وانحرفت عن العلى،ولقيت أضيافي بوجه عبوس!
للشاعر مالك الأشتر، من قصيدة «بقيت وفري وانحرفت عن العلى»
إن لم أشنّ على ابن حرب غارةلم تخل يوما من نهاب نفوس!

وقال معد [ان] بن جوّاس الكنديّ:

إن كان ما بلّغت عنّي، فلا منىصديقي وشلّت من يديّ الأنامل!
للشاعر السموأل، من قصيدة «إن كان ما بلغت عني فلامني»
وكفّنت وحدي منذرا بردائهوصادف حوطا من أعاديّ قاتل!

وقال عديّ بن زيد:

فإن لم تهلكوا فثكلت عمراوجانبت المروّق والسّماعا!
ولا ملكت يداي عنان طرفولا أبصرت من شمس شعاعا!
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ولا وضعت إليّ على خلاءحصان يوم خلوتها قناعا!
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

وقال عمرو بن قميئة:

فإن كان حقّا كما خبّروافلا وصلت لي يمين شمالا
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

وقال العلويّ البصريّ:

ويقول للّطرف اصطبر لشبا القنافهدمت ركن المجد إن لم تعقر!
وإذا تأمّل شخص ضيف طارقامتسربلا سربال ليل أغبر!
أوما إلى الكوماء هذا طارقعزّتني الأعداء إن لم تنحري!

وقال محمد بن الحصين الأنباريّ:

ثكلتني التي تؤمّل إدراك المنى بي وعاجلتني المنون!
إن تولّى بظلمنا عبد عمروثم لم تلفظ السّيوف الجفون!

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.