من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)
فصل آخر عنه
قال: لما قال النابغة:
أَمِنْ آلِ مَيَّةَ رائحٌ أَو مُغتَديعَجْلانَ، ذا زادٍ، وغيرَ مَزَوَّدِ
وقوله في البيت الثاني:
زَعَمَ البَوارحُ أنّ رحلَتَنا غَداً،وبذاكَ خَرّرَنا الغرابُ الأسودُ
هابوه أن يقولوا له لحنت، أو أكفأت، فعمدوا إلى قينته، فقالوا: غنيه! فلما غنته بالخفض والرفع فطن وقال:
وبذاكَ تَنعابُ الغُرابِ الأسوَدِ
وكان بدء غضب النعمان عليه أن النعمان قال: يا زياد! صف لي المتجردة، ولا تغادر منها شيئاً، وكانت زوجة النعمان، وكانت أحسن نساء زمانها، وكان النعمان قصيراً، دميماً، أبرش، وكان ممن يجالسه ويسير معه رجلٌ آخر يقال له: المنخل، كان جميلاً، وكان النابغة عفيفاً، فقال له النعمان: صف لي المتجردة، فوصفها في الشعر الذي يقول فيه:
لو أَنَّها عَرَضَتْ لأَشْمَطَ راهبٍ،يدعو الإلَهَ، صَرورَةٍ، مُتَعَبِّدِ
لَصَبَا لَبَهجتِها وطِيْبِ حَديثها،ولَخَالَهُ رُشْداً، وإنْ لم يَرشُد
ِ
تَسعُ البلادُ إذا أتَيتُك زائراً،فإذا هجَرتُك ضاقَ عنّي مَقعدي
ثم وصف جميع محاسنها، فلما بلغ إلى المعنى قال:
وإذا لَمَسْتَ لَمَسْتَ أَجْثَمَ جاثِماًمُتَحَيِّزاً بمكانِهِ مِلءَ اليَدِ
وإذا طَعَنتَ طَعَنتَ في مُسْتَهدِفٍناتيْ المَجَسَّةِ بالعَبيرِ مُقَرمَدِ
وإذا نزعتَ نزعْتَ عن مُستَحصِفٍنَزْعَ الحَزَوَّرِ بالرّشاءِ المُحْصَدِ
وتكادُ تَنزعُ جِلدَهُ عَن مَلّةٍفيها لوافحُ كالحَريقِ الموقَدِ
قال: فلما سمع ذلك المنخل، وكان يغار عليها، قال: أيد الله الملك، ما يقول هذا إلا من جرب ورأى؛ فوقع ذلك في نفس النعمان وكان له أبوابٌ يقال له عصام، وكان صديقاً للنابغة، فأخبره الخبر، فهرب إلى ملوك غسان، وهم آل جفنة الذين يقول فيهم حسان بن ثابت:
للَّهِ دَرّ عصابَةٍ نادَمتُهُميوماً بِجِلّقَ في الزّمانِ الأوّلِ
أبناءُ جَفْنَةَ حولَ قبرِ أَبيهِمُعمرو بْنُ ماريةَ الكريمِ المُفضلِ
بيضُ الوُجوهِ كريمةٌ أحسابُهمْشُمُّ الأنوفِ مِنَ الطّرازِ الأوّلِ
يُغْشَونَ حتى ما تهرُّ كلابُهُمْلا يَسألونَ عن السّوادِ المُقبلِ
فأقام النابغة عندهم حتى صح للنعمان براءته، فأرسل إليه، ورضي عنه، ولعصام يقول النابغة:
نفسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصامَاوَعَلمَتْهُ الكَرَّ، والإقدامَا
وجَعَلَتْهُ مَلِكاً هُمامَا
وله فيه أيضاً:
أَلمْ أُقْسِمْ عَلَيكَ لتُخبِرَنّي:أَمَحْمولٌ على النّعشِ الهُمامُ
فإنّي لا أَلُومُ على دُخولٍ،ولكنْ ما وراءَكَ يا عِصامُ؟
فإن يَهلِكْ أبو قابوسَ يَهلِكْرَبيعُ النّاسِ، والشَّهْرُ الحَرامُ
ونأخُذْ بعدَهُ بِذُنابِ عَيشٍأَجَبِّ الظّهرِ، لَيسَ لهُ سَنامُ
تَمَخّضَتِ المَنُونُ له بيَومٍأتَى، وَلِكُلِّ حامِلَةٍ تَمامُ
ولَيسَ بخابىءٍ لغَدٍ طَعاماًحِذارَ غَدٍ، لكلِّ غَدٍ طَعامُ
وكان النابغة قد أسن جداً فترك قول الشعر، فمات وهو لا يقوله.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع