تجاوز إلى المحتوى

من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)

شياطين الشعراء

قال ابن المروزي: حدثني أبي قال: خرجت على بعير لي صعبٍ، يمر بي لا يملكني من أمر نفسي شيئاً، حتى مر على جماعة ظباءٍ في سفح جبل على قلته رجلٌ عليه أطمارٌ له، فلما رأتني الظباء هربت، فقال: ما أردت إلى ما صنعت؟ إنكم لتعرضون بمن لو شاء قدعكم عن ذلك، قال: فدخلني عليه من الغيظ ما لم أقدر أن أحمله، فقلت: إن تفعل بي ذلك لا أرضى لك، فضحك، ثم قال: إمض عافاك الله لبالك، قال: فجعلت أردد البعير في مراعي الظباء لأغضبه، فنهض وهو يقول: إنك لجليد القلب! ثم أتاني فصاح ببعيري صيحةً ضرب بجرانه الأرض، ووثبت عنه إلى الأرض، وعلمت أنه جان، فقلت: أيها الشيخ! إنك لأسوأ مني صنيعاً. فقال: بل أنت أظلم وألأم، بدأت بالظلم ثم لؤمت في تركك المضي، فقلت: أجل! عرفت خطئي. قال: فاذكر الله فقد رعناك، وبذكر الله تطمئن القلوب، فذكرت الله تعالى، ثم قلت دهشاً: أتروي من أشعار العرب شيئاً؟ فقال: نعم! أروي وأقول قولاً فائقاً مبرزاً. فقلت: فأرني من قولك ما أحببت، فأنشأ يقول:

البسيط

طافَ الخيالُ علَينا لَيلةَ الوادي،من آلِ سَلمى ولم يُلمِمْ بميْعادِ
أنّى اهتَديتَ إلى مَن طالَ لَيلُهُمُفي سَبسبٍ ذاتِ دَكْدَاكٍ وأعقادِ
يُكَلِّفُونَ فَلاها كلَّ يَعْمَلَةٍمثلَ المَهاةِ، إذا ما حَثَّها الحادي
أَبلِغْ أبا كَرَبٍ عنّي وأُسْرَتَهُقولاً سَيَذهَبُ غَوراً بعدَ إنجادِ
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «طاف الخيال علينا ليلة الوادي»
لا أعرِفَنَّكَ بَعْدَ اليَومِ تَندُبُنيوفي حَياتيَ ما زَوَّدْتَني زادي
للشاعر جعفر بن قرط الهزاني، اقرأ القصيدة
أمَّا حِمامُكَ يوماً أنتَ مُدرِكُهُلا حاضرٌ مُفلِتٌ منهُ، ولا بادِ

فلما فرغ من إنشاده قلت: لهذا الشعر أشهر في معد بن عدنان من ولد الفرس الأبلق في الدهم العراب هذا لعبيد بن الأبرص الأسدي، فقال: ومن عبيد لولا هبيد! فقلت: ومن هبيد؟ فأنشأ يقول:

أنا ابنُ الصّلادِمِ أُدعى الهبيدَ،حبَوتُ القَوافيَ قَرْمَيْ أسَدْ
عَبيداً حَبَوتُ بمأْثُورَةٍ،وأَنْطَقْتُ بِشراً على غَيرِ كَدّ
ولاقَى بمُدرِكَ رَهطُ الكُمَيتِمَلاذاً عَزيزاً ومَجداً وَجَدّ
مَنحاناهُمُ الشِّعرَ عن قُدرَةٍفهَل تَشْكُرُ اليَومَ هذا مَعَدّ

فقلت: أما عن نفسك فقد أخبرتني، فأخبرني عن مدرك، فقال: هو مدرك بن واغم، صاحب الكميت، وهو ابن عمي، وكان الصلادم وواغم من أشعر الجن، ثم قال: لو أنك أصبت من لبنٍ عندنا؟ فقلت: هات، أريد آلأنس به، فذهب فأتاني بعسٍّ فيه لبن ظبي، فكرهته لزهومته فقلت: إليك، ومججت ما كان في

فمي منه، فأخذه ثم قال: إمض راشداً مصاحباً! فوليت منصرفاً فصاح بي من خلفي: أما إنك لو كرعت في بطنك العس لأصبحت أشعر قومك. قال أبي: فندمت أن لا أكون كرعت عسه في جوفي على ما كان من زهومته، وأنشأت أقول في طريقي، الطويل

أسِفتُ على عُسِّ الهَبيدِ وشُربِهِ،لَقَدْ حَرَمَتْنيهِ صُرُوفُ المَقادِرِ
ولو أنَّني إذْ ذاك كنتُ شَرِبتُهُلأصْبَحتُ في قَوميْ لَهم خيرَ شاعرِ

وعنه قال: قال مظعون بن مظعون بن مظعون الأعرابي: لما حدثني أبي بهذا الحديث عن نفسه لهجت به، وتعرضت لما كان أبي يتعرض له من ذلك، وأحببت، إذ علمت أن لشعراء العرب شياطين تنطق به على ألسنتها، أن أعرف ذلك، ورجوت أن ألقى هاذراً أو مدركاً اللذين ذكر الهبيد لأبي، وكنت أخرج في الفيافي ليلاً ونهاراً، تعرضاً لذلك، ولم أكن ألقى راكباً إلا ذاكرته شيئاً مما أنا فيه، فلا يزال الرجل يخبرني بما استدل على ما سمعت حتى جمعت من ذلك علماً حسناً، ثم كبرت سني وضعفت ولزمت زرود، فكنت إذا ورد علي الرجل سألته عن ذلك، فوالله إني ليلةً من ذلك لبقناء خيمةٍ لي إذ ورد علي رجلٌ من أهل الشام، فسلم ثم قال: هل من مبيتٍ؟ فقلت: أنزل بالرحب والسعة! قال: فنزل، فعقل بعيره ثم أتيته بعشاءٍ فتعشينا جميعاً، ثم صف قدميه يصلي حتى ذهبت هدأةٌ من الليل، وأنا وابناي أرويهما شعر النابغة، إذ أنفتل من صلاته، ثم أقبل بوجهه إلي فقال: ذكرتني بهذا الشعر أمراً أحدثك به، أصابني في طريقي هذا منذ ثلاث ليال.

فأمرت ابني فأنصتا ثم قلت له: قل، فقال: بيننا أنا أسير في طريقي ببلقعةٍ من الأرض لا أنيس بها إذ رفعت لي نارٌ فدفعت إليها، فإذا بخيمةٍ، وإذ بفنائها شيخٌ كبير، ومعه صبيةٌ صغارٌ، فسلمت ثم أنخت راحلتي آنساً به تلك الساعة، فقلت: هل من مبيتٍ؟ قال: نعم في الرحب والسعة! ثم ألقى إلي طنفسة رحلٍ، فقعدت عليها، ثم قال: ممن الرجل؟ فقلت: حميريٌّ شامي، قال: نعم أهل الشرف القديم. ثم تحدثنا طويلاً إلى أن قلت: أتروي من أشعار العرب شيئاً؟ قال: نعم، سل عن أيها شئت! قلت: فأنشدني للنابغة! قال: أتحب أن أنشدك من شعري أنا؟ قلت: نعم! فاندفع ينشد لمرىء القيس والنابغة وعبيد ثم اندفع ينشد للأعشى، فقلت: لقد سمعت بهذا الشعر منذ زمانٍ طويلٍ. قال: للأعشى؟ قلت: نعم! قال: فأنا صاحبه. قلت: فما اسمك؟ قال: مسحلٌ السكران بن جندل، فعرفت أنه من الجن فبت ليلةً ألله بها عليمٌ ثم قلت له: من أشعر العرب؟ قال: إرو قول لافظ بن لاحظ وهيابٍ وهبيدٍ وهاذر بن ماهر، قلت: هذه أسماء لا أعرفها. قال: أجل! أما لافظٌ فصاحب امرىء القيس، وأما هبيد فصاحب عبيد بن الأبرص وبشر، وأما هاذرٌ فصاحب زياد الذبياني، وهو الذي استنبغه. ثم أسفر لي الصبح، فمضيت وتركته. قال الزرودي: فحسن لي حديث الشامي حديث أبي.

وذكر مطرف الكناني عن ابن دأبٍ قال: حدثني رجلٌ من أهل زرود ثقةٌ عن أبيه عن جده قال: خرجت في طلب لقاحٍ لي على فحلٍ كأنه فدن يمر بي يسبق الريح حتى دفعت إلى خيمةٍ، وإذا بفنائها شيخٌ كبيرٌ، فسلمت فلم يرد علي، فقال: من أين وإلى أين؟ فاستحمقته إذ بخل برد السلام، وأسرع إلى السؤال؛ فقلت - من هاهنا- وأشرت إلى خلفي، وإلى هاهنا- وأشرت إلى أمامي،

فقال: أما من ههنا فنعم؛ وأما إلى ههنا، فوالله ما أراك تبهج بذلك، إلا أن يسهل عليك مداراة من ترد عليه! قلت: وكيف ذلك أيها الشيخ؟ قال: لأن الشكل غير شكلك، والزي غير زيك، فضرب قلبي أنه من الجن، وقلت: أتروي من أشعار العرب شيئاً؟ قال: نعم! وأقول، قلت: فأنشدني، كالمستهزىء به، فأنشدني قول امرىء القيس:

قفا نَبكِ من ذِكرَى حَبيبٍ ومَنزِلِبسِقطِ اللّوَى بينَ الدَّخولِ فحَومَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فلما فرغ قلت: لو ان امرأ القيس ينشر لردعك عن هذا الكلام! فقال: ماذا تقول؟ قلت: لامرىء القيس، قال: لست أول من كفر نعمةً أسداها! قلت: ألا تستحي أيها الشيخ، ألمثل امرىء القيس يقال هذا؟ قال: أنا والله منحته ما أعجبك منه! قلت: فما اسمك؟ قال: لافظ بن لاحظ. فقلت: إسمان منكران. قال: أجل! فاستحمقت نفسي له بعدما استحمقته لها، وأنست به لطول محاورتي إياه؛ وقد عرفت أنه من الجن، فقلت له: من أشعر العرب؟ فأنشأ يقول:

ذهَبَ ابنُ حُجرٍ بالقَريضِ وَقَوْلِهوَلَقَدْ أَجادَ فَما يُعابُ زيادُ
للَّهِ هاذِرٌ إذْ يَجُودُ بقَولِهِ،إنَّ ابنَ ماهرَ بَعْدَها لَجَوادُ

قلت: من هاذر؟ قال: صاحب زياد الذبياني، وهو أشعر الجن وأضنهم بشعره، فالعجب منه كيف سلسل لأخي ذبيان به، ولقد علم بنيةً لي قصيدةً له من فيه إلى أذنها ثم صرخ بها: أخرجي فدىً لك من ولدت حواء! فقلت له:

ما أنصفت أيها الشيخ، فقال: ما قلت بأساً؛ ثم رجعت إلى نفسي، فعرفت ما أراد، فسكت ثم أنشدتني الجارية:

نأَتْ بسُعادَ عَنك نوىً شَطونُفَبانَتْ والفُؤادُ بها حَزينُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ناتْ بسعادَ عنكَ نوى شطونُ ،»

حتى أتت على قوله منها:

كذلكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ

قال: لو كان رأي قوم نوحٍ فيه كرأي هاذر ما أصابهم الغرق! فحفظت البيتين ثم نهض بي الفحل، فعدت إلى لقاحي.

وحدثنا سنيد عن حزام بن أرطاة عن أبي عبيد قال: حدثني أبو بكر المزني عن شيخٍ من أهل البصرة قال: خرجت على جملٍ لي حتى إذا كنت ببعض الطريق في ليلةٍ مقمرةٍ إذا شخصٌ مقبلٌ كهيئة الإنسان على ظهر ظليمٍ قد خطمه، فاستوحشت منه وحشةً شديدةً، فأقبل نحوي، وهو يقول في شدةٍ من صوته:

السريع

هَلْ يُبْلِغَنِّيهم إلى الصّباحْهِقْلٌ كأنَّ رأسَهُ جُمَّاحْ

فما زال يدنو حتى سكن روعي وأنست فقلت: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:

وما ذَرَفَتْ عَيناكِ إلاَّ لِتَضْربيبسَهميكِ في أَعْشارِ قلبٍ مُقَتَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فعرفت أنه يريد امرأ القيس. قال: ثم ذهب وأقبل، قلت: ثم من؟ قال: الذي يقول:

وَتَبْرُدُ بَرَدَ رِداءِ العَروسِ في الصّيفِ رَقْرَقْتَ فيهِ العَبيرَا
وتَسخُنُ لَيلَةَ لا يَستَطيعُنُباحاً بها الكَلبُ إلاّ هَريرَا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «غشيت لليلى بليل خدورا»

يريد الأعشى، ثم ذهب وأقبل، قلت: ثم من؟ قال: الذي يقول:

تَطرُدُ القُرَّ بحَرٍ صادِقٍ،وعَكِيكَ الصّيفِ إن جاءَ بِقُرّ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»

يريد طرفة. العكيك: الحر.

ويشيد هذه الأحاديث عندنا، في الجن وأخبارها وقولها الشعر على ألسن العرب، ما حدثنا به المفضل عن أبيه عن جده عن ابن إسحق عن مجاهد عن ابن عباس قال: وفد سواد بن قارب على عمر بن الخطاب، ﵁، فسلم عليه، فرد ﵇، فقال عمر: يا سواد! قال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: ما بقي من كهانتك؟ فغضب وامتلأ سحره ثم قال: يا أمير المؤمنين! ما أظنك استقبلت بهذا

الكلام غيري؛ فلما رأى عمر الكراهية في وجهه قال: يا سواد! إن الذي كنا عليه من عبادة الأوثان أعظم من الكهانة، فحدثني بحديثٍ كنت أشتهي أن أسمعه منك! قال: نعم يا أمير المؤمنين! بينما أنا في إبلي بالسراة، وكان لي نجي من الجن، إذ أتاني في ليلة، وأنا كالنائم، فركضني برجله، ثم قال: قم يا سواد، فقد ظهر بتهامة نبيٌّ يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم. قلت: تنح عني، فإني ناعسٌ! فولى عني، وهو يقول:

عَجِبْتُ للجِنِّ وتَبْكارِها،وشدِّها العِيسَ بأَكْوارِها
تَهوي إلى مكّةَ تَبغي الهُدَى،ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَكُفّارِها
فارحَلْ إلى الصّفوَةِ من هاشِمٍبَينَ روابيها وأحْجارِها

ثم لما كان في الليلة الثانية أتاني فقال مثل ذلك القول، فقلت: تنح عني، فإني ناعسٌ! فولى عني، وهو يقول:

عَجِبتُ للجِنّ وتَطْرابهاورَحْلِها العيسَ بأقتابِها
تَهوي إلى مكَّةَ تَبغي الهُدَى،ما مُؤمنو الجنِّ كَكُذّابِها
فارحلْ إلى الصّفوَةِ من هاشِمٍلَيسَ قُدَاماها كأَذنابِها

ثم أتاني في الليلة الثالثة، فقال مثل ذلك، فقلت: إني ناعسٌ، فولى عني، وهو يقول:

عَجِبتُ للجنّ وإيجاسِهاوشَدِّها العيس بأحْلاسِها
تَهوي إلى مَكَّةَ تَبغي الهُدىما مُؤْمنو الجنِّ كأَرْجاسِها
فارْحَلْ إلى الصّفوَةِ من هاشِمٍواسْمُ بعَينَيكَ إلى رأْسِها

قال سواد: فلما أصبحت يا أمير المؤمنين، أرسلت لناقة من إبلي، فشددت عليها، وأتيت النبي، ﷺ، فأسلمت، وبايعت، وأنشأت أقول:

أَتاني نَجِيِّي بَعْدَ هَدْء وَرَقْدَةٍ،ولم يَكُ فيما قَدْ عَهِدْتُ بِكاذِبِ
ثلاثَ لَيالٍ قوْلُه كلَّ لَيلَةٍ:أَتاكَ رسولٌ من لؤيِّ بنِ غالبِ
فَشَمَّرْتُ عَنْ ذيلي الإزارَ، وَأَرْقَلَتْبيَ الدِّعلبُ الوجناءُ عَبْرَ السّباسبِ
فأشهَدُ أنَّ اللَّهَ لا رَبَّ غَيرَه،وأنَّكَ مَأْمونٌ على كلِّ غائِبِ
وأنِّكَ أدنَى المُرسَليِنَ وَسيلَةًإلى اللَّهِ، يا ابنَ الأكرَمِينَ الأطايبِ
فَمُرْني بما أَحْبَبْتَ، يا خيرَ مُرْسَلٍوإنْ كان فيما قلتُ شِيْبُ الذّوائبِ
وكنْ لي شفيعاً يومَ لا ذُو شَفاعَةٍسِوَاكَ، بِمُغْنٍ عن سَوادِ بنِ قارِبِ

وأخبرني المفضل عن أبيه عن جده قال: أخبرني العلاء بن ميمون الآمدي عن أبيه قال: ركبت بحر الخزر أريد ناجورا حتى إذا ما كنت منها غير بعيد لجج مركبنا، فاستاقته ريح الشمال شهراً في اللجة، ثم انكسر بنا، فوقعت أنا ورجلٌ من قريشٍ إلى جزيرة في البحر ليس بها أنيس، فجعلنا نطوف، ونطمع في النجاة إذ أشرفنا على هوةٍ، وإذا بشيخٍ مستندٍ إلى شجرة عظيمة، فلما رآنا تحشحش، وأناف إلينا، ففزعنا منه، ثم دنونا منه، وقلنا: السلام عليك أيها

الشيخ! قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فأنسنا به، فقال: ما خطبكما؟ فأخبرناه، فضحك وقال: ما وطىء هذا الموضع أحدٌ من ولد آدم قط، فمن أنتما؟ قلنا: من العرب! قال: بأبي وأمي العرب؛ فمن أيها؟ قلت: أما أنا فرجل من خزاعة، وأما صاحبي فمن قريش. قال: بأبي قريش وأحمدها! ثم قال: يا أخا خزاعة هل تدري من القائل:

كأنْ لم يَكُنْ بينَ الحَجُون إلى الصَّفَاأَنِيْسٌ، وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامرُ
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
بلى! نَحْنُ كنَّا أَهلَها، فأبادَناصُرُوفُ اللّيالي والجُدُودُ العَواثِرُ
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

قلت: نعم! ذلك الحرث بن مضاض الجرهمي. قال: ذلك مؤديها، وأنا قائلها في الحرب التي كانت بينكم، معشر خزاعة، وبين جرهم. يا أخا قريش! أولد عبد المطلب بن هاشم؟ قلت: أين يذهب بك، رحمك الله! فربا وعظم وقال: أرى زماناً قد تقارب إبانه، أفولد إبنه عبد الله؟ قلنا: وأين يذهب بك؟ إنك لتسألنا مسألة من كان في الموتى. قال: فتزايد ثم قال: فابنه محمد الهادي؟ قلت: هيهات! مات رسول الله، ﷺ، منذ أربعين سنة! قال: فشهق حتى ظننا أن نفسه قد خرجت، وانخفض حتى صار كالفرخ، وأنشأ يقول:

ولَرُبَّ راجٍ حِيْلَ دونَ رَجائهِوَمُؤمِّلٍ ذَهَبَتْ بِهِ الآمالُ

ثم جعل ينوح ويبكي حتى بل دمعه لحيته، فبكينا لبكائه، ثم قال: ويحكما! فمن ولي الأمر بعده؟ قلنا: أبو بكر الصديق، وهو رجل من خير أصحابه، [من

قريش] قال: ثم من؟ قلنا: عمر بن الخطاب، قال: أفمن قومه؟ قلنا: نعم. قال: أما إن العرب لا تزال بخيرٍ ما فعلت ذلك. قلنا: أيها الشيخ قد سألتنا فأخبرناك، فأخبرنا من أنت وما شأنك؟ فقال: أنا السفاح بن الرقراق الجني لم أزل مؤمناً بالله وبرسله ومصدقاً، وكنت أعرف التوراة والإنجيل، وكنت أرجو أن أرى محمداً، ﷺ، فلما تفرقت الجن وأطلقت الطوالق المقيدة من وقت سليمان، ﵇، إختبأت نفسي في هذه الجزيرة لعبادة الله تعالى وتوحيده وانتظار نبيه محمد، ﷺ، وآليت على نفسي أن لا أبراح ههنا حتى أسمع بخروجه، ولقد تقاصرت أعمار الآدميين، وإنما صرت فيها منذ أربعمائة سنةٍ، وعبد منافٍ إذ ذاك غلامٌ يفعةٌ ما ظننت أنه ولد له ولد، وذلك أنا نجد علم الأحداث، ولا يعلم الآجال إلا الله تعالى، والخير بيده، وأما أنتما أيها الرجلان، فبينكما وبين الآدميين من الغامر مسيرة أكثر من سنة، ولكن خذا هذا العود، فاكتفلا به كالدابة إذا نام الناس، فإنه يؤديكما إلى بلدكما، واقرئا محمداً مني السلام، فإني طامع بجوار قبره. قال: ففعلنا ما أمرنا به، فأصبحنا في مصلى آمد.

وقد روي أن عبيد بن الأبرص خرج في ركبٍ فبينما هم يسيرون إذا بشجاع قد احترق جنباه من الرمضاء، فقال له بعض أصحابه: دونك الشجاع يا عبيد فاقتله! قال عبيد: هو إلى غير القتل أحوج، فأخذ إدواةً من ماءٍ، فصبها عليه، فانساب الشجاع ودخل في جحره، وسار القوم، فقضوا حوائجهم، ثم أقبلوا حتى صاروا إلى ذلك الموضع الذي فيه الشجاع، قال: فتأخر عبيد لقضاء حوائجه، فانلفت بكره، وقيل بل حسر عليه، فسار القوم، وبقي عبيد متحيراً، فإذا بهاتفٍ من عدوة الوادي، وهو يقول:

يا صاحبَ البكرِ المُضِلِّ مَرْكَبَهْدونَكَ هذا البكرَ مِنَّا فاركبَه
ما دونَه من ذي الرّشادِ تَصحَبُهوبكْرُكَ الآخرُ أَيضاً تجنُبُه
حتى إذا اللّيلُ تَجَلّى غَيهَبُهفَحُطَّ عَنْهُ رَحلَهُ وسَيّبَه
إذا بَدَا الصّبحُ ولاحَ كَوكَبُهوقد حمدتَ عنهُ ذاكَ مَصحبَه

قال: فالتفت عبيد، فإذا هو ببكره، وبكرٍ إلى جنبه، فركبه، حتى إذا صار إلى دار قومه أرسل البكر، وأنشأ يقول:

يا صاحبَ البكرِ قَدْ أُنقِذْتَ من بَلَدٍيَحارُ في حافَتَيها المُدلِجُ الهادِيْ
هَلاَّ أَبَنْتَ لَنا بالحَقّ نَعرفُهُ،مَن ذا الذي جادَ بالمَعروفِ في الوادي
إرجِعْ حميداً، فقَد أبلَغتَ مَأْمَنَنابُوْرِكتَ من ذي سَنامٍ رائحٍ غادي

فأجابه هاتف يقول:

أنا الشّجاعُ الذي أَلفَيتَهُ رَمِضاًفي رَملَةٍ ذاتِ دكداكٍ وأعقاد
فَجُدْتَ بالماءِ لمَّا ضَنَّ حَامِلُهُ،جُوداً عليَّ ولم تَبْخَل بإنجادي
هذا جَزاؤكَ منِّي لا أَمُنُّ بهِ،فارْجِعْ حميداً رعاكَ اللَّهُ من غادي
الخَيرُ أبقَى، وإنْ طالَ الزَّمانُ به،والشرُّ أَخبَثُ ما أَوْعَيتَ من زادِ
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة

وذكر جماعةٌ من أهل العلم: أن الحرث بن ذي شداد الحميري كان ملكاً في الجاهلية الجهلاء، وهو أول من دخل أرض الأعاجم ودوخها، ثم إنه

وضع يده، بقتل رؤساء قومه، ثم إنه خاف رجلاً منهم، فطلبه، فأعجزه، وهرب الرجل ترفعه أرضٌ وتخفضه أخرى، إذ جنه الليل، فاستضاف إلى كهفٍ في جبلٍ، فأخذته عينه، فإذا هو بآتٍ قد أتاه فقعد عند رأسه، وأنشأ يقول:

ألدّهرُ يأتيكَ بالعَجائبِ إنَّ الدّهرَ فيهِ لَدَيْكَ مُعتَبَرُ
بَينا تَرَى الشَّملَ فيهِ مُجتَمعاًفَرَّقَه من صُروفِه القَدَرُ
لا تَنفَعُ المَرءَ فيهِ حيلَتُهُ،ممّا سيَلقى يوماًن ولا الحَذَرُ
إنّي زَعيمٌ بقصّةٍ عجَبٍعندي لمن يَستَزيدُها الخبَرُ
تأتي بتَصديِقها اللّيالي، والأيّامُ، إنَّ القضاء يُنْتَظرُ
يكونُ في الإِنسِ مَرّةً رجلٌليسَ له في مُلوكِهِمْ خَطَرُ
مَولِدُه في قُرى ظواهرِ همدانَ بتلكَ التي إسمُها خَمَرُ
يَقهَرُ أَصْحابَه على حَدَثِ السِّنِّ، ويُجْفى فيهمْ ويُحتَقَرُ
حتّى إذا أَمكَنَتهُ صولَتُهُوليسَ يَدري بشأْنِهِ بشَرُ
أَصبحَ في هَتومٍ على وَجَلٍ،وَأَهلُهُ غافِلونَ ما شَعَرُوا
رأَوا غُلاماً بالأمسِ عندَهمُأَزْرَى لَدَيهم جَهْلاً بهِ الصِّغَرُ
لم يَفقدِوهُ، لا دَرَّ دَرَّهُمُ،لو عَلِمُوا العلمَ فيهِ لا فتَخَرُوا
حتّى إذا أدْرَكَتْهُ رَوْعَتُهُبينَ ثلاثٍ، وقَلبُهُ حَذِرُ
جاءتْ إليه الكُبرى بأَشقِيَةٍشَتَّى، وفي بَعضِها دَمٌ كَدِرُ
قال لها: ذاكَ إذَنْ أَشْرَبُهُ؟قالتْ لهُ: ذَرْهُ! قال: لا أَذَر

ُ

فَناوَلَتهُ، فَما توَرَّعَ عَنْأَقْصاهُ حتّى أَهَارَهُ السّكُرُ
قالتْ لَهُ: هذه مَراكِبُنا،فاركبْ، وشرُّ المراكبِ الحُمُرُ
فنَهنَهتهُ الوُسطَى، فثارَ لهاكأَنَّهُ اللَّيثُ هاجَهُ الذّعُر
فقالَ: حَقاً صَدَقْتِ، ثمَّ سمافوقَ ضَميرٍ قَدْ زانَهُ الضُّمُر
فَصَدَّ لما عَلاهُ مِنْ أَذَنٍومِنْ جِراحٍ مِنها بِهِ أَثَرُ
ثمّ أَتَتهُ الصُغرَى تُمَرِّضُهُ،فوقَ الحَشايا، ودَمْعُها دِرَرُ
فحالَ منها لمَضجَعٍ ضَجِراً،ولا تَساوى الوِطاءُ والوُعُرُ

كأَنَّ إذ ذاكَ بعدَ صَرعَته، مِنْ شِدَّةِ الجُهدِ تحتَهُ الإِبَرُ

فقُلنَ لمّا رأينَ صَرعَتَهُ:أَسعِدْ فأنتَ الذي لك الظّفَرُ
في كلِّ ما وجهةٍ تَوَجَّهُها،وأنتَ يَشقَى بِحَربِكَ البَشَرُ
وأنتَ للسَّيفِ واللّسانِ وللأبدانِ تَبدو كأنَّها الشّرَرُ
وأنتَ أنتَ المُهْرِيقُ كلّ دَمٍإذا تَرامَى بشَخصِكَ السَّفَرُ
فارْشِدْ ولا تَسْكُنَنّ في خَمَرٍورِدْ ظَفاراً، فإنّها الظّفَرُ
فلَستَ تَلتَذُّ عيشَةً أبداً،وللأَعادي عَينٌ، ولا أَثَرُ
نحنُ مِنَ الجِنّ، يا أَبا كَرَبٍيا تُبّعَ الخَيرِ هاجَنا الذّعُرُ
فيما بلَوناهُ فيكَ من تَلَفٍ،عن عَمْدِ عينٍ وأنتَ مُصطبرُ
ثمّ أتَى أَهلَهُ، فَأَخْبَرَهُمْبِكُلِّ ما قَدْ رَأَى فما اعتَبَرُوا
فسارَ عَنهمْ، من بَعْدِ تاسِعَةٍ،نحوَ ظَفارٍ، وشأْنُهُ الفِكَرُ
فَحَلَّ فيها، والدّهرُ يَرفَعُهُفي عِظَمِ الشّأْنِ وهوَ يشتَهرُ
حتّى أتَتهُ مِنَ المَدينَةِ تَشكو الظّلم شَمطاءُ قَومُها غُدُرُ
أَدلَتْ إلَيهِ منهمْ ظُلامَتَها،ترجو بهِ ثَأْرَها، وتَنتَصرُ
فأَعْمَلَ الرأيَ في الذي طَلبتْتلكَ، وكلُّ بذاكَ يأْتَمِرُ
فعَبّأ الجَيشَ، ثم سارَ بهِمثلَ الدَّبا في البلادِ يَنتشِرُ
قد ملأ الخافقينِ عَسْكَرُهُ،كأنهُ الليلُ حينَ يَعْتَكِرُ
تأتَمُّ أَعداءَهُ كَتائِبُهُ،فليسَ يُبقي منهمْ، ولا يَذرُ
حتّى قضىَ منهُمُ لُبانَتَهُ،وفازَ بالنَّصْرِ ثَمَّ مَنْ نُصِرُوا
إنَّا وَجَدْنا هذا يكونُ مَعاًفي عِلمِنا، والمَليكُ مُقتَدِرُ
والحمدُ للَّهِ والبَقاءُ لَهُ،كلٌّ إلى ذي الجَلالِ مُفتَقِرُ

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.