من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر الخزر
وتسير من بلاد البجاناكية إلى بلاد الخزر عشرة أيّام في مشاجر ومفاوز على غير طرق مسلوكة إلى بلاد الخزر، وهي بلاد عريضة ويتّصل بها من إحدى جنباتها جبل عظيم يمدّ إلى بلاد تفليس، وتفليس أوّل (حدّ أرمينية).
وأغنامهم تضع في العام مرّتين.
والخزر اسم الإقليم ومدينتهم العظمى قطعتان على الشرقي والغربي من نهر (إثل، وهو نهر) يخرج إليهم من الروس ويفيض في بحر الخزر، وهتان المدينتان تسمّى إحداهما بارغيش والأخرى حثلغ والغربية أكبرهما.
ويحيط بالمدينتين سور واحد ولهما أربعة أبواب. ولهم حمّامات وأسواق ومساجد وأئمّة ومؤذّنون. وجملة الخزر مسلمون ونصارى وفيهم عبدة الأوثان، وأقلّ الفرق منهم اليهود (وملكهم على دين اليهودية)، ومسكنه في قصر على البعد من النهر. وإنّما كان سبب تهوّد ملك الخزر- وكان
مجوسيّا- أنّه تنصّر فرأى فساد ما هو عليه، فأخذ فيما غمّه من ذلك مع بعض مرازبته فقال له: أيّها الملك، إنّ أصحاب الكتب ثلاث طوائف، فارسل إليهم واستخبر أمرهم واتبع صاحب الحقّ منهم. فأرسل إلى النصارى في أسقف، وكان عنده رجل من اليهود ذو جدال فناظره، فقال له: ما تقول في موسى بن عمران والتوراة المنزّلة عليه؟ قال له: موسى نبيّ والتوراة حقّ. فقال اليهودي للملك: أيّها الملك، قد أقرّ بحقيقة ما أنا عليه، فسله عمّا يعتقد. فسأله الملك فقال له: أقول إنّ المسيح عيسى بن مريم هو الكلمة، وإنّه المبيّن عن الله ﷿ بالسرائر. فقال اليهودي لملك الخزر: إنّه يدّعي دعوى لا أعلمها وهو مقرّ (بما عندي)، فلم يكن للأسقف كبير حجّة. وأرسل إلى المسلمين فأرسلوا إليه رجلا عالما عاقلا عارفا بالجدل، فدسّ اليهودي عليه من سمّه في طريقه فمات، فاستمال اليهودي الملك إلى ملّته فتهوّد.
ولا يكون مقامهم في المدن إلّا في الشتاء، وفي سائر العام يكونون في المزارع والبساتين، ولهم فواكه ونعم كثيرة.
وللخزر جمال فائق وحسن ظاهر، والّذي يقع من رقيق الخزر هم أهل الأوثان الّذين يستجيزون بيع أولادهم واسترقاق بعضهم بعضا. وليس لملكهم من طاعتهم إلّا الدعوة، ومدار أمرهم على إيران شاه وهو الّذي يقود جيوشهم، ويملك طاعتهم، وإذا خرجوا في وجهه خرجوا بأسلحة كاملة ودروع حصينة وجواشن محكمة وأعلام رفيعة، ولا يخرج أحد من أهل عسكرهم إلّا ومعه عدّة أوتاد طول كلّ وتد ذراعان، فإذا نزلوا غرز كلّ واحد منهم بحياله تلك الأوتاد وشدّوا إليها الأترسة فيصير حول العسكر في ساعة واحدة جدار من التراس. والغالب على قوتهم الأرزّ والسمك، ولباسهم القواطن
والأقبية]. ولسان الخزر غير لسان الترك والفرس وهي لغة لا تشاركها لغة من لغات الأمم. وللملك سبعة حكّام من اليهود والنصارى والمسلمين وأهل الأوثان، وهم ينتهون في مشتبهات أمورهم إلى عظيمهم المسمّى خاقان خزر وهو أجلّ عندهم قدرا من الملك.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع