تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر بغداد

قال أحمد: بعث المنصور رجالا سنة خمس وأربعين ومائة يطلبون له موضعا يبني فيه مدينة، فطلبوا فلم يرضوا موضعا حتّى جاء فنزل على البئر الّذي بالصراة فقال: هذا موضع أرضاه تأتيه الميرة من الفرات ودجلة والصراة. [وكان أبو جعفر هذا- وهو عبد الله بن علي بن عبد الله بن العبّاس- بنى مدينة بين الكوفة والحيرة سمّاها الهاشمية، فأقام بها مدّة إلى أن عزم على توجيه ابنه محمّد المهدي لغزو الصقالبة في سنة أربعين ومائة، فصار إلى بغداد فوقف بها وقال: ما اسم هذا الموضع؟ فقيل بغداد. فقال: هذه والله المدينة الّتي أعلمني أبي محمّد بن علي أنّي أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي من بعدي، ولقد غفلت عنها الملوك في الجاهلية والإسلام حتّى يتمّ تدبير الله تعالى وحكمه فيّ وتصحّ الروايات وتبيّن الدلالات والعلامات، تأتيها الميرة في دجلة والفرات من واسط والأبلّة والأهواز وفارس وعمان واليمامة وما يتّصل بذلك، وكذلك

ما يأتي من الموصل وديار ربيعة وآذربيجان وأرمينية والرقّة والشام والثغور ومصر والمغرب وإصفهان وكور خراسان. فالحمد لله الّذي ذخرها لي وأغفل عنها كلّ من تقدّمني، والله لأبنينّها ثمّ أسكنها أيّام حياتي ويسكنها ولدي من بعدي، ثمّ لتكوننّ أعمر مدينة في الدنيا، ثمّ لأبنينّ بعدها أربع مدن لا تخرب واحدة منهنّ أبدا. فبناها وهى: الرافقة ولم يسمّها، وبنى ملطية والمصيصة والمنصورة].

قال: ووجّه المنصور في حشر الصنّاع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة وأمر باختيار قوم من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، وكان فيمن أحضر الحجّاج بن أرطاة وأبو حنيفة، فكان أوّل من ابتدئ ببنيانها في سنة خمس وأربعين ومائة. [ثمّ قسم الأرض أربعة أقسام وقلّد القيام بكلّ ربع رجلا من قواده ورجلا من مواليه ورجلا من المهندسين].

قال أحمد بن أبي الطاهر: وحدّثني أبو محمّد عبد الله بن إسماعيل بن أبي سهل (بن يشجب) عن جدّه قال: لمّا أراد المنصور بناء بغداد أمرني أن آخذ الطالع، فنظرنا في طالعها فكان المشتري في القوس، فأخبرته بما تدلّ عليه النجوم من طول ثباتها وكثرة عمارتها وانصباب الدنيا إليها، ثمّ قلت: يا أمير المؤمنين وخلة أخرى نجدها فيها على ما تدلّ عليه النجوم: لا يموت فيها خليفة. فرأيته يبتسم وقال: الحمد لله، ذلك فضل

الله يؤتيه من يشاء. ولذلك قال بعض شعرائهم (وقد مدح المنصور وهنّأه حلول قصر مدينة السّلام):

إنّ خير القصور قصر السّلامإذ به حلّ سائس الإسلام
منزل لا يزال من حلّ فيهآمنا من حوادث الأيّام

[ولهذا قالوا: نزل بغداد سبعة خلفاء: المنصور والمهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد ومحمّد الأمين وعبد الله المأمون والمعتصم، ولم يمت بها واحد منهم إلّا محمّد الأمين، فإنّه قتل خارج باب الأنبار عند بستان طاهر، وانتقل المعتصم سنة ثلاث وعشرين ومائتين إلى سرّ من رأى. فهذا مصداق ما دلّت عليه النجوم].

(واسمها الأوّل عند النّاس الزوراء)، وكان سفيان يكره أن يقال مدينة السّلام، وسمّيت مدينة السّلام لأنّ دجلة كان يقال لها وادي السّلام، فلمّا بنيت عليه سمّيت به.

[وقال رجل من أهل البصرة: مررت ببغداد في السحر، فأعجبني كثرة الأذان فيها فهتف بي هاتف: ما الّذي يعجبك منها؟ لقد فجر بها البارحة سبعون ألفا. ورأى أبو بكر الهذلي سفيان بن عيينة ببغداد فقال: بأيّ ذنوبك دخلتها؟] (وقيل لرجل: كيف رأيت بغداد؟ قال: الأرض كلّها بادية وبغداد حاضرتها).

[وقال آخر: لو أنّ الدنيا خربت وخرج أهل بغداد لعمّروها.

وكان فراغ المنصور من بنائها ونقل الخزائن إليها والدواوين وبيوت الأموال سنة

ستّ وأربعين ومائة، وكان استتمامه لجميع أمر المدينة سنة تسع وأربعين].

قال أحمد: قال الهيثم بن عدي (عن أبي عياش): لمّا جلس المنصور في قصره بباب الذهب أذن لرسل الملوك فدخلوا عليه، فقال لرسول ملك الروم: هل ترى عيبا؟ قال: نعم عيوبا ثلاثة، قال: ما هي؟ قال:

النفس خضراء فلا خضرة عندك، والحياة في الماء ولا ماء عندك، وعدوّك مخالطك ومطّلع على سرّك. قال: أمّا الماء فحسبي منه ما بلغ الشفة، وأمّا الخضرة فللجدّ خلقت لا للّعب، وأمّا السّوق فما أبالي علم سرّي رعيّتي أو ولدي وخاصّتي. فأمسك الرّومي عن الكلام.

ثمّ تعقّب أبو جعفر الرأي، فرأى أنّ القول ما قال فاتّخذ العبّاسية وأجرى (الماء في) القناة من دجلة وأخرج السوق عن المدينة. وعن الربيع قال:

لمّا نقل أبو جعفر السوق عن المدينة وجلس في قصره بالخلد فنظر إلى التجّار من البزّازة والصيرفي والقصّاب وطبقات السوقة، تمثّل بهذين البيتين:

كما قال الحمار لسهم راملقد جمّعت من شتّى لأمر
جمعت حديدة وجمعت نصلاومن عقب البعير وريش نسر

ثمّ قال: يا ربيع إنّ هذه العامّة تجمعها الكلمة وترأسها السفلة، فلا أرينّك معرضا عنها، فإنّ إصلاحها يسير وإصلاحها بعد فسادها عسير فاجمعها بالرهبة واملأ قلوبها بالهيبة وما استطعت من الرفق بها وإحسان إليها فافعل.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.