تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر بلاد العراق والمشهور من مدنها

حدّه ما بين الحرن إلى السواد. فسواد الكوفة: كسكر إلى الزاب إلى عمل حلوان إلى القادسية، وسواد البصرة: الأهواز وفارس ودهشنان، وهذه كلّها من العراق. وإنّما سمّي العراق مأخوذ من عراقي الدلو وعراق القربة، والكوفة والبصرة تسمّى العراقين.

فطول أرض السّواد من حدّ أرض أثور - وهي الموصل- من قرية تسمّى العلث من طسّوج بزرجسابور وقرية تعرف بحربا من طسّوج مسكن بينهما عرض دجلة إلى آخر الكورة، وهو الموضع المعروف ببهمن أردشير، وهي من فرات البصرة حتّى تبلغ جزيرة منها متّصلة بالبحر تعرف بميان روذان، يكون ذلك بالفراسخ مائة وخمسة وعشرين [فرسخا]. وعرضه من عقبة حلوان إلى العذيب ممّا يلي البادية، وذلك بالفراسخ ثمانون فرسخا.

وقال أبو عبيدة إنّ حدّ السواد الّذي مسح عثمان بن جنيف هو من لدن تخوم الموصل مادّا إلى ساحل البحر من بلاد عبادان من شرقي دجلة طولا، وعرضه من منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسية ممّا يلي العذيب من أرض العرب. وعن الشعبي: أنّ عمر بن الخطّاب بعث عثمان بن حنيف، فمسح السّواد فوجده ستّة وثلاثين ألف ألف جريب، يعني موضع الغلّة منه.

وأمّا على تكسير الذرع الّذي ذكرناه من الطول والعرض فإنّه مائتا ألف ألف وخمسة وعشرون ألف ألف جريب يوضع منها بالتخمين آكاما وآجاما وسباخا وطرقا وصحاري وأنهارا، ومواضع المدن والقرى الثّلث، ويبقى بعد ذلك

مائة ألف ألف وخمسة وسبعون ألف ألف جريب، يزاح منها النصف لما فيها من النخيل والكرم والشجر، ويعمّر النصف وذلك خمسة وسبعون ألف ألف جريب، فيكون قيمة ما يلزم كلّ جريب من الخراج على التخمين درهمين، وذلك أقلّ من العشر على أن يضرب ما يوجد فيها من الخراج بعضه ببعض مع خراج أهل الذمّة، ويبلغ ذلك ورقا مائتي ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم.

واختلف فيما وضع عمر بن الخطّاب رضه على كلّ جريب فقيل: وضع عليه درهما واحدا وقفيزا، وقيل إنّه وضع على جريب الحنطة نصف قفيز وعلى جريب الشعير أربعة أقفزة وعلى جريب الكرم والتمر أربعة. وختم على خمسمائة ألف إنسان للجزية على الطبقات، فجبى عمر السواد من الورق مائة ألف ألف درهم وثمانية وعشرين ألف ألف درهم. وجباه عمر بن عبد العزيز مائة ألف ألف (وأربعة وعشرين ألف درهم)، وجباه الحجّاج لظلمه وعسفه ثمانية عشر ألف ألف ليس فيها مائة ألف ألف، (وأسفلهم ألفي) ألف، فحصل له ستّة عشر ألف ألف. ومنع أهل السواد من ذبح البقر ليكثر الحرث والزرع. فقال الشاعر في ذلك:

شكونا إليه خراج السّوادفحرّم فينا لحوم البقر
وكان كما قال من قبلناأريها الشمس وتريني القمر

قال عمرو بن بحر: قال أبو الحسن وأبو عبيدة: بصّرت البصرة سنة أربع عشرة، وكذلك قال غيره، وكوّفت الكوفة سنة سبع عشرة.

والطّسوج ترجمته الأقاليم، والأستاق ترجمته الأحواز، والسّواد الاثنتا عشرة كورة.

قالوا: وارتحل سعد من المدائن بالناس حتّى عسكر بالكوفة في المحرّم سنة سبع عشرة، وكان بين وقعة المدائن ونزول الكوفة سنة وشهران. وقيل إنّ عمر كتب إلى سعد: نبّئني ما الذي غيّر ألوان العرب ولحومهم. فكتب إليه: إنّ العرب غيّر ألوانها وخومة المدائن ودجلة. فكتب إليه أنّ العرب لا يوافقها إلّا ما يوافق إبلها من البلاد، فابعث سلمان وحذيفة- وكانا رائدي الجيش- فليرتادا منزلا برّيا بحريّا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر. فبعث سعد حذيفة وسلمان حتّى أتيا الأنبار، فسار سلمان في غربيّ الفرات لا يرضى شيئا حتّى أتى الكوفة، وسار حذيفة في شرقيّه حتّى أتى الكوفة. فأتيا عليها وفيها ديارات ثلاثة: دير حرقة ودير أمّ عمرو ودير سلسلة وقصاص خلال ذلك. فأعجبتهما البقعة فنزلا وصلّيا وقال كلّ واحد منهما: اللهمّ ربّ السماوات وما أظلّت وربّ الأرضين وما أقلّت وربّ الرياح وما أذرّت وربّ النجوم وما هوّت والبحار وما جرّت، بارك لنا في هذه الكوفة واجعلها منزل ثبات. ثمّ رجعا إلى سعد رضه بالخبر.

واستقرّ أيضا بأهل البصرة منزلهم اليوم بعد ثلاث ترحيلات في المحرّم سنة سبع عشرة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.