تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الطريق من مدينة النبي ﵇ إلى مصر على الجادّة

من المدينة إلى نقى ذي خشب، إلى السّويداء، إلى المروة، إلى سيقي يزيد، إلى بدا يعقوب، إلى ضبا، إلى الثبك والصّلا، إلى عينونة، إلى مدين، إلى أشراف البعل، إلى وادي الغراب، إلى حقل، إلى مدينة أيلة، إلى بطن نجد، إلى قبر أبي حميد- وهي القباب، إلى القلزم، إلى جبّ عميرة، إلى مصر.

وضبا مرسى للسفن مأمونة وفيه آبار عذبة وشجر المقل فيه كثير، وبين ضبا ومدين جبال شامخة متكابرة. وبقرب مدين البئر الّتي استسقى منها موسى ﵇ قد بني عليها بيت من صخر فيه قناديل معلّقة، وبها كهف

يسمّى كهف شعيب، وهو الّذي كان يؤوي إليه غنمه فيما ذكروا. وفي الجبل الّذي بين ضبا ومدين بيوت منقورة في صخر قد حفر في البيوت قبور، وفي تلك القبور عظام نخرة كأمثال عظام الإبل كبرا، مقدار كلّ بيت عشرون ذراعا أو نحوها، ولتلك البيوت روائح خبيثة لا يدخل الداخل فيها أو يمسك بأنفه من شدّة النتن، يقال إنّه لمّا أخذهم العذاب يوم الظلّة دخلوا فيها فهلكوا. وبقرب هذه البيوت وما يليها تلال تراب عظيمة قيل إنّها كانت مواضع عامرة فخسف بها.

ومع يهود مدين كتاب يزعمون أنّ النبي ﷺ كتبه لهم وهم يظهرونه للناس حتّى الآن، وهو في قطعة من أدم قد اسودّت لطول الزمان إلّا أنّ خطّها بيّن وفي آخرها: وكتب علي بن أبي طالب غيره. وقيل إنّه بخطّ معاوية بن أبي سفيان.

وتستمرّ من مدين في جبال شاهقة حتّى تفضي إلى جبل شامخ عن يمين الطريق فيه كوة منقورة في الصخر حيث لا يصل واصل ولا يرقى راق، وتزعم أعراب تلك الناحية أنّه كان بيتا لساحرة كانت تأوي إليه. فلا تزال تسير والجبال عن يمينك والبحر عن يسارك حتّى تفضي إلى فرجة كالباب تسير إلى أيلة، وهي قرية كبيرة فيها أسواق ومساجد وفيها كثير من يهود.

(ويزعمون أنّ عندهم برد النبي ﷺ وأنّه وجّه به إليهم أمانا لهم، وهم

يظهرونه بردا عدنيا ملفوفا بالثياب قد أبرز منه قدر شبر لئلّا تدنّسه الأيدي). وروى أبو حميد الساعدي في خبر غزوة تبوك أنّ صاحب أيلة أهدى للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساء وبردا وكتب لهم يخبرهم بأمانهم.

ثمّ تسير من أيلة فتلقى العقبة التي لا يصعد فيها راكب لصعوبتها ولا تقطع إلّا في طول اليوم لطولها. ثمّ تسير مرحلتين في فحص التيه الّذي تاه فيه بنو إسرائيل حتّى ترى في ساحل البحر موضعا يقال له بحر فاران، وهو الّذي غرق فيه فرعون. ومن هنا إلى القلزم مرحلة، وإنّما نسب هذا البحر إلى فاران، وهي مدينة من مدائن العماليق على تلّ بين جبلين، وفيه ثقوب كثيرة لا تحصى مملوءة أمواتا.

وفي صفح أحدهما بيعة للنصارى وحصن عليه سور من حجارة وشرّافات وأبواب حديد، داخلة عين ماء عذب، وعلى العين درابزين من نحاس لئلّا يسقط فيه أحد، وقد أجري ماؤها في قنى رصاص إلى ما حوالي الدير من الكروم والأشجار. ويقال إنّ على هذه العين شجر العلّيق الّذي أنس موسى ﵇ عنده النار. وعلى خطوات من هذا الدير أوّل العقبة الّتي يصعد منها إلى رأس طور سينا، وهي ستّة آلاف وستّمائة وستّون مرقاة قد نحتت درجات في الصخر، فإذا قطعت تلك المراقي صرت إلى مستو من الأرض فيه أشجار وماء عذب. وهناك كنيسة على اسم إيليا النبي

- ﷺ، وهناك مغارة يزعمون أنّ إيليا استخفى فيها من أزقيل الملك. ثمّ تستمرّ في الارتقاء حتّى تنتهي إلى قنّة الجبل وهناك كنيسة متقنة البناء تنسب إلى موسى ﵇ بأساطين رخام، وحيطانها مزخرفة بالفسيفساء وأبوابها ملبّسة بالصفر وسقفها من خشب الصنوبر، وأعلاها أطباق رصاص قد أحكمت غاية الإحكام، وليس فيها إلّا سادن واحد يقيمها (ويقوم عليها) ويخدمها ويسرج قناديلها، وقد اتّخذ هذا الراهب لنفسه بيتا صغيرا خارجا عن الكنيسة يأوي إليه وينام فيه، ولا يمكن أحد أن ينام في الكنيسة، (ولا يدخل عينيه فيها غمض. وهذه الكنيسة) بنيت بالمكان الّذي كلّم الله ﷿ فيه موسى تكليما. ويزعمون أنّه كان في السالف حول دير الغور هذا وحول (دير رأسه) ستّة عشر ألف قلايا للرهبان والمتعبّدين، وليس اليوم بهذه القلايات أحد إلّا نحو سبعين راهبا.

وعلى مقربة من القلزم جزيرة في البحر المالح يقال لها البعوق فيها قبر مالك بن الحارث النخعي الأشتر. وللقلزم جسر على البحر المالح مقدار علوّه ...

يسلك عليه الحاج في البرّ إلى مكّة. وذكر سيف بن عمر قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى أمراء الأمصار يستمدّهم ويستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها، فكان أوّل من قدم عليه أبو عبيدة بن الجرّاح بأربعة آلاف راجلة من طعام فولّاه قسمتها، وجاءه كتاب عمرو بن العاص من مصر جواب كتابه:

إنّ البحر الشامي حفر لمبعث رسول الله ﷺ حفرا يصبّ في بحر الغرب فسدّه الروم والقبط، فإن أحببت أن يكون سعر الطعام بالمدينة كسعره

بمصر حفرت لهم نهرا أو بنيت لهم قناطر. فكتب إليه عمر أن افعل ذلك وعجّل ذلك. فقال له أهل مصر: خراجك راخ وأميرك راض، وإن تمّ هذا انكسر الخراج. فكتب بذلك عمرو إلى عمر فجاوبه عمر: (اعجل فيه وعجّل إليه) لخراب خراج مصر في عمران المدينة وصلاحها.

فعاجله عمرو وهو القلزم، فكان سعر المدينة كسعر مصر ولم يزد بذلك مصر إلّا صلاحا.

والتيه مقدار أربعين فرسخا (في مثلها) وقيل إنّه تسعة فراسخ في مثلها.

وأوّل حدّه ما بين قبر أبي حميد وبطن نجد، وفيه مات موسى وهارون ﵉.

وبطن نجد قرية ليس فيها نخل ولا شجر يسكنها نفر من الناس، ويقال له أيضا بطن نخل لسوافي تسفي على الناس فيه ترابا رقيقا كأنما نخل بمنخل.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.