من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر نزول اليهود يثرب وما حولها ومن معهم من العرب قبل الأوس والخزرج
قد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب أنّ أمّة من العماليق تسمّى داسما نزلوا الحجاز، وكان ملكهم يقيما ويقال له الأرقم ابن أبي الأرقم، كذلك روي عن عروة بن الزّبير وغيره، فسكنوا مكّة والمدينة والحجاز كلّه وعتوا عتوّا كبيرا.
فلمّا أظهر الله ﷿ موسى على فرعون وأهلكه وجنوده وطئ الشّام وأهله وأقام بها، وبعث بعثا من بني اسرائيل إلى الحجاز وأمرهم أن لا يستبقوا منهم أحدا. فوجدوا الأرقم بن أبي الأرقم فقتلوه وأصابوا ابنا له شابّا من أحسن الناس صورة، فلم يقتلوه وقالوا: نستحييه حتّى نقدم به على رسول الله ﷺ - يعنون موسى- فيرى فيه رأيه. فأقبلوا، فقبض الله ﷿ موسى قبل قدوم الجيش. ولمّا سمع بقدومهم بنو إسرائيل خرجوا إليهم وتلقّوهم وسألوهم، فأخبروهم بأمر الصّبي وقالوا لهم: قد خالفتم وعصيتم أمر نبيّكم، ومنعوهم دخول بلدهم وحالوا بينهم وبين الشام. وكان الحجاز إذ ذاك أكثر بلاد الله شجرا وأظهرها ماء. (فكان هذا أوّل سكنى اليهود
الحجاز)، وكانوا بزمهرة، وهي بين الشام والحرّة، ونزل جمهورهم بمكان يقال له يثرب بمجتمع السّيول، سيل بطحان والعقيق وسيل قناة ممّا يلي زغابة.
قال محمّد بن كعب القرظي: وخرجت قريظة وإخوتهم (بنو هدل) وبنو عمرو بن الخزرج بن الصريح وبنو النّضير بن النحام بن الخزرج بن الصريح، وهم كلّهم من ولد هارون بن عمران، فتبعوا آثار هؤلاء فنزلوا بالعالية على وادين يقال لهما مذينب ومهزور، نزلت بنو النّضير على مذينب واتّخذوا عليها الأموال، (ونزلت قريظة وهدل على مهزور) واتّخذوا هناك الآطام والمنازل، ونزل بعض قبائل العرب عليهم. فذكر توبة بن الحسن بن السائب بن أبي لبابة عن أبيه عن جدّه قال: كان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل، وكان قد نزلها عليهم أحياء من العرب، فكانوا معهم وابتنوا الآطام والمنازل قبل نزول الأوس والخزرج عليهم. وقال (شاعر بني أنيفة):
ولو نطقت يوما قباء لخبرتبأنّا نزلنا قبل عاد وتبّع
وآطامنا عادية مشمخرةتلوح فتبقى من تعادي وتبع
وإنّما سمّيت قباء بالبئر الّذي في دار توبة بن الحسن بن السائب بن أبي لبابة يقال لها قباء. (ومن آطامهم بلحان. قال الشّاعر:
من سرّه رطب وماء باردفليأت أهل المجد من بلحان
ومن آطامهم أطم في المال الّذي يقال له خنافة، وكان رجل منهم عدا على رجل فقطع يده فقال لهم المقطوع: أعطوني خنافة عقلا بيدي. فأبوا وحفر الّذي قطعه كوة في جدار من جدر خنافة، وأخرج يده من وراء الجدار وقال: أقطعوا. (فقال حين قطعت يده):
الآن قد طابت لنا خنافةطابت فلا جوع ولا مخافة
ولهم (الأطم المرّ الّذي) عند مشربة ماريا أمّ إبراهيم بن النبي ﷺ.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع