من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
جبال المدينة
جبل أحد وجبل عرايات وجبل حيش وجبل عيد وجبل سلع وجبل يحت وجبل المرعا وجبل القدوم وجبل الأصفر، والحرّة تحيط بها كلّها.
ذكر مسجد رسول الله ﷺ الّذي قبره- كرّمه الله- فيه
روى أبو داود عن ابن عمر أنّ المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيّا باللّبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، لكنّه
تخرّب في خلافته فبناه على حاله (بجريد النخل)، وتخرّب في خلافة عمر فبناه كذلك (وزاد فيه)، وتخرّب في خلافة عثمان بن عفّان فزاد فيه زيادة كثيرة وبناه بالحجارة المنقوشة والفضّة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقّفه بالسّاج.
وروي أنّه قيل للنّبي ﷺ: سدّه أي أصلحه. فقال عريش كعريش موسى، ولم يكن في عهده على سقفه طين، ولو كان كذلك ما هطل الماء، وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين. ثمّ إنّ الوليد بن عبد الملك هدّمه سنة ثمان وثمانين وزاد فيه فأتقنه. قال الواقدي والطبري: وكان قد بعث إلى صاحب الروم يعلمه أنّه أمر بتجديد مسجد رسول الله ﷺ والتوسعة فيه ويسأله أن يبعث إليه بأهل الحرف والرفق من البناة، فبعث إليه الطاغية بمائة ألف مثقال ومائة بنّاء وبأربعين حملا من فسيفساء، وأمر الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز بهدم المسجد وإدخال حجر أزواج النّبي ﷺ في المسجد، وأمره أن يشتري ما في مؤخّره ونواحيه حتّى يكون مائتي ذراع في مثلها، وكتب إليه أن يقدّم القبلة إن قدر. وعلى ذلك من أبى من بيع داره أمره بتقويمها قيمة عدل، ثمّ دفع الأثمان فيها وهدّمها، وقال: إنّ لك في ذلك صدق عمر وعثمان ﵄. فأقرأ عمر بن عبد العزيز كتاب الوليد على من حضره من قريش وغيرهم، فأجابوه إلى البيع فقبضوا ثمن ما أعطاهم إيّاه. وقد كان عبد الله بن عبد الله بن عمر أبى من بيع بيت حفصة وقال لعمر: لو خرقت سقفه وملأته لي من ذهب ما بعته. فأخبر بذلك الوليد وكتب إليه الوليد:
المسجد أحقّ به فخذه. وقال عبد الله عند ذلك: فدع لي طريقي. فترك له الخوخة مكان ما أخذ. ثمّ أخذ عمر في هدم البيت والسوق وقدم عليه
الصّنّاع والفعلة من عند الوليد، فأسّسوا أساس المسجد. واستعمل عمر ﵀ على هدمه وبنائه صالح بن كيسان بداية في صفر سنة ثمان وثمانين حتّى كمل على أفخم هيئة وأحسن بنية وأتمّ إتقان.
قال عبد الله بن مسلم: ثمّ وسّعه المهدي سنة ستّين ومائة، وزاد فيه المأمون زيادة كثيرة ووسّعه. قال: وقرأت على موضع زيادة المأمون: أمر عبد الله عبيد الله بعمارة مسجد رسول الله ﷺ سنة اثنتين ومائتين يطلب ثواب الله (وطلب كرامة الله)، فإنّ الله عنده حسن الثواب وكان الله سميعا بصيرا. أمر عبد الله عبيد الله بتقوى الله ومراقبته وصلة الرحم والعمل بكتاب الله وسنّة رسوله وتعظيم ما صغر الجبابرة من حقوق الله وإحياء لما أماتوا من العدل وتصغير ما عظّموا من العدوان والجور، وأن يطاع من أطاع الله ويعصى من عصى الله، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، وأمر بالتسوية بينهم في فيئهم ووضع الأخماس مواضعها. قال غيره: وفي سنة عشرة وثلاثمائة أمر المقتدر فركبت أبواب السّاج على مسجد رسول الله ﷺ.
قال ابن شيبة: قال أبو غسّان: ذرع عرض مسجد رسول الله ﷺ من مقدّمة من المشرق إلى المغرب (مائة وخمس وستّون ذراعا، وذرع عرضه من مؤخّره من المشرق إلى المغرب) مائة ذراع وثلاثون ذراعا، (وارتفاع سمك المسجد ... ويقصر مؤخّره عن مقدّمه خمسا وثلاثين ذراعا).
وطول المسجد من ناحية اليمن (إلى الشام) مائتان وأربعون ذراعا،
وخالص طول رحبته من اليمن إلى الشّام مائة وخمسون ذراعا (وخالص عرض رحبته من المشرق إلى المغرب ...). وفيه من الأساطين مائتان وستّ وتسعون، وفي حظير القبر منها ثلاث. وعن شرقيّ المنبر منها أربع وعن غربيّه أربع. وعدد أبواب المسجد عشرون: في الشرق ثمانية وفي الغرب ثمانية وفي الشرق الشّامي أربعة أبواب، وهذه الأبواب سوى خوخة آل عمر الّتي تحت المقصورة وسوى الخوخة الّتي (إلى دار مروان، يخرج منها الولاة إلى المقصورة، وسوى الخوخة الّتي) في غربيّ المقصورة.
(وللمسجد ثلاث صوامع: اثنتان في الشرق وواحدة في الغرب، وطول الغربية ثلاث وخمسون ذراعا، وطول إحدى الشرقيتين خمسون ذراعا والأخرى خمس وخمسون ذراعا، وتربيع كلّ واحدة منها ثماني أذرع في مثلها).
وارتفاع منبر رسول الله ﷺ (دون الزيادة ذراعان وأربعة عشر إصبعا، وهو ثلاث أذرع بالمقعد، والدرجتان شبران في شبر والمقعد ذراعان في مثلها.
والمنبر الّذي زاده مروان فيه طوله أربع أذرع وفي عرضه) ذراعان ونصف، وعرض الرخام الّذي حول المنبر ثماني عشرة ذراعا (وطوله ...) بين ستّ أساطين، قدام المنبر منها أسطوانتان.
وذرع ما بين القبر والمنبر (ثلاث وخمسون ذراعا وشبر، وذرع ما بين
المنبر) ومقام النبي ﷺ الّذي كان يصلّي فيه حتّى توفّي رسول الله ﷺ أربع عشرة ذراعا وشبر. وذرع ما بين مصلّاه الأوّل وبين الأسطوانة المعروفة بأسطوانة التوبة تسع عشرة [ذراعا]. وذرع ما بين جدار القبلة اليوم إلى أسطوانة التوبة عشرون [ذراعا].
(وعلى رأس محراب المسجد من خارج في الجدار مرآة مربّعة. وعدد قناديل المسجد مائتا قنديل وتسعون قنديلا).
وفي صحن المسجد بيت هي خزانة المسجد، وأمام البيت أسطوانة قد رسّمت في أعلاها بلاطة لمعرفة أوقات الظهر والعصر في جميع أيّام العام.
وممّا يلي مؤخّر المسجد حائط فيه نخل كثير، وهو الحائط الّذي كان لأبي طلحة الأنصاري المعروف بيبرحا (؟).
فأمّا حدّ المسجد على عهد رسول الله ﷺ فإنّ مالكا قال: كان جدار المسجد الشرقي يمنى القناديل الّتي (تلي خوخة آل عمر، يعني القناديل الّتي) فوق الخوخة المواجهة للمنبر، ومنتهى ذلك إذا كنت واقفا عند القبر ثلاث أساطين عن يسارك إلى ناحية القبر، وهو آخر المسجد الأوّل (شرقا، وثلاث أساطين عن يمينك أخره غربا، فأمّا آخر المسجد الأوّل) فهو العضادة السفلى من الباب الّذي يقال له باب عثمان. فأمّا الجدار القبلي فإنّ حدّه معلوم بالمنبر والروضة. وكان عمر بن الخطّاب رضه قد قدّمه إلى موضع المقصورة، ثمّ قدّمه عثمان إلى موضعه الّذي هو فيه الآن، فلم يقدّم بعد إلّا ما زيد فيه يمينا وشمالا.
وصلّى الله على أكرم الأنبياء وخيرة الأصفياء وخاتم الأتقياء، الّذي اختاره الله من أهل الأرض والسّماء، محمّد بن عبد الله النبي الأمّي الهاشمي المدني المكّي، وعلى آله وأزواجه وذرّيته إلى يوم الدّين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وسلام الله على سائر الصالحين.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع