من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر نزول الأوس والخزرج المدينة
فأمّا نزول الأوس والخزرج المدينة فكان على ما تقدّم ذكره عند ذكر سيل العرم. فلمّا نزلوا يثرب ورأوا الآطام والأموال والعدد والقوّة لليهود (سألوهم حلفا وجوارا، يأمن به بعضهم من بعض ويمتنعون عمّن سواهم)، فتعاهدوا وتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زمانا طويلا. ثمّ إنّ الأوس والخزرج صارت لهم ثروة من المال والعدد وامتنع جانبهم وعلا أمرهم، فخافتهم يهود على ديارهم وأموالهم فقطعوا الحلف بينهم. وكانت اليهود أعدّ وأكثر وكانت العدد والشدّة منهم في الكاهنين، وهما قريظة والنضير، وإيّاهما عنى قيس بن الحطيم (بشعره حيث قال):
كنّا إذا رامنا قوم بمظلمةشدّت لنا الكاهنان الخيل واعتزموا
نسوا الرّهون وأنسونا بأنفسهمبنو الصّريخ فقد عفوا وقد كرموا
فلمّا قطعت اليهود حلف الأوس والخزرج بقوا معهم حتّى لجم فيهم مالك بن العجلان أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج وسوّده الحيّان، فبعث إلى من بالشّام من قومه يخبرهم باستذلال اليهود لهم وغلبتهم عليهم، وكان رسوله إليهم الرفق بن زيد بن إمرئ القيس أحد بني سالم بن عوف، وكان قبيحا ذميما شاعرا بليغا، فقال في خروجه إلى الشام:
أقسمت أطعم للمروق قطرةحتّى يكثر للنجاء رحيل
حتّى ألاقي معشرا مالي لهمحلّ ومالهم لنا مبذول
أرض (بها تدعى) قبائل سالمويجيب فيها ملك وبسلول
قوم أولو عزّ وعزّي عزّهمإنّ الغريب وإن أجير ذلول
ومضى الرفق حتّى قدم الشام على ملك من ملوك غسّان يقال له أبو جبيلة أحد بني جشم بن الخزرج الّذين ساروا من يثرب إلى الشام، (وقيل إنّه من ولد جفنة بن عمرو بن عامر، وكان قد أصاب ملكا بالشام وشرفا، فشكا إليه الرفق حالهم وغلبة اليهود لهم). فعجب من شعره وبلاغته مع قبحه وذمامته فقال: عسل طيّب في وعاء خبيث. فقال الرفق: أيّها الملك إنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. (قال: صدقت). فلم يرج أبو جبيلة نصرهم وخرج في جمع كثير لا يعرج على شيء وأظهر أنّه يريد اليمن، وعاهد الله ﷿ لا يرجع إلى دياره أو يخرج من يثرب يهود ويذلّلهم للأوس والخزرج.
قال علماء السّير: فلمّا قدم يثرب لقيه الأوس والخزرج، فأعلموه أنّ القوم إن عرفوا ما يريد تحصّنوا في آطامهم فلم يقدر عليهم، ولكن تدعوهم للقائك وتلطّف بهم حتّى يأمنوا ويطمئنّوا إليك فتستمكن منهم. فتصنّع لهم طعاما وأرسل إلى وجوههم ورؤسائهم فلم يبق منهم أحد إلّا أتى إليه، وجعل الرجل منهم يأتي بخاصّته وحشمه رجاء أن يحييهم الملك. وقد كان بنى لهم بناء وجعل فيه قوما وأمرهم أن يقتلوا من دخل عليهم. فلمّا فعل ذلك عزّت الأوس والخزرج وغلبت على ديارهم. وتفرّقت الأوس والخزرج في عالية المدينة، فلم يبق من اليهود إلّا أقلّهم ممّن أقام على الهون ورضي بالصغار.
قال داود بن سمكين الأنصاري (من ولد الحارث بن الصمد عن أشياخه) كانت يثرب في الجاهلية تدعى غلبة. غلبت اليهود عليها العمالقة، وغلبت الأوس والخزرج عليها اليهود، وغلب المهاجرون عليها الأوس والخزرج، وغلبت الأعاجم عليها المهاجرين. وكانت الآطام حصون المدينة وزينتها، روي أنّ النبي ﷺ نهى الأنصار أن يهدموها.
وذكر أنّه وجد في المدينة في حماء أمّ خالد قبر عليه مكتوب: أنا أسود بن سوادة رسول رسول الله عيسى بن مريم إلى أهل هذه القرية. وذكر عثمان بن
عبد الرحمن أنّه وجد قبرا في الحماء عليه مكتوب، فقرأه رجل من أهل اليمن فإذا فيه: أنا عبد الله رسول رسول الله سليمان بن داود إلى أهل يثرب.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع