تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

استئذان عمر رضه في البنيان

ثمّ إنّ القوم استأذنوا عمر رضه في بنيان القصب فقال: العسكر أجدّ لحربكم وأذكى لكم، وما أحبّ أن أخالفكم وما القصب؟ قالوا: العنقر إذا روى أخصب فصار قصبا. قال: فشأنكم. فابتنى أهل المصرين بالقصب، ثمّ إنّ الحريق وقع بالكوفة والبصرة وكان أشدّهما حريقا الكوفة، احترق فيها ثمانون عريشا ولم يبق فيها قصبة. فبعث سعد إلى عمر منهم نفرا يستأذنونه في البناء باللبن ويخبرونه عن الحريق، فأذن لهم وقال: ولا يزيدنّ أحدكم على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البنيان وألزموا السنّة تلزمكم الدولة. وعهد عمر إلى الناس وتقدّم إلى الوفد أن لا يرفعوا بنيانا فوق القدر.

قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد. فكان على تنزّل الكوفة أبو الهياج بن مالك وعلى تنزّل البصرة أبو الجرباء عاصم بن الدّلف.

وكتب عمر أن يكون الطريق أربعين ذراعا وما بين ذلك عشرين، والأزقّة سبع أذرع وليس دون ذلك شيء، والقطائع ستّين ذراعا. فاجتمع أهل الرأي في التقدير حتّى إذا أجمعوا على شيء قسم أبو الهياج عليه. فأوّل شيء خطّ بالكوفة المسجد، فوضع في موضع التّمارين من السّوق. ثمّ قام رجل في وسطه رام شديد النزع، فرمى عن يمينه وعن يساره وبين يديه ومن خلفه، وأمر من شاء أن يبني وراء موقع السهام وترك المسجد في مربّعة غلوتين في غلوتين وبنى في مقدّمته (ظلّة من) مائتي ذراع على

أساطين من رخام، وكانت للأكاسرة سماؤها كأسمية الكنائس الرومية. قال أبو عبيدة: لمّا بلغ عمر بن الخطّاب رضه أنّ سعدا وأصحابه قد بنوا بالمدر قال: قد كنت أكره لكم ذلك فأمّا إذ فعلتم فعرّضوا الحيطان وأطيلوا السمك وقاربوا الخشب.

وقصر سندار بظهر الكوفة، وهو الّذي ذكره الأسود بن يعفر.

قال اليعقوبي: أهل الكوفة على قلّة أموالهم أهل تحمّل وتستّر وكفاف وعفاف، ليس في أهل البلدان أشدّ عفافا منهم ولا أشدّ تحمّلا. وهي طيّبة الهواء عذبة المياه، وهي دار العرب ومادّة الإسلام وهي معدن العلم وفقهاؤها الفقهاء الّذين عليهم المعتمد، وهم أهل العلم بالعربية وفصيح اللغة، لأنّ أهلها عرب كلّهم لم يخالطهم الأنباط ولا الفرس ولا الخزر ولا السند ولا الهند ولا تناكحوا فيهم. ومن رواتهم ساروا إلى أهل البصرة وغيرها لأنّ أهل الحيرة كانوا أوّل من دوّن الشّعر وكتبه في أيّام آل المنذر اللّخميّين ملوكها، وكانت شعراء الجاهلية تفد عليهم مثل الأعشى والنّابغة وعبيد بن الأبرص وبشر بن أبي حازم وعمرو بن كلثوم (والحارث بن حلّزة والمتلمّس) وطرفة وغيرهم. وكان آل المنذر يأمرون كتّابهم من أهل الحيرة أن يكتبوا أشعارهم، فأخذها النّاس عنهم.

وخصّت الكوفة بصنعة الوشي الرفيع الّذي يبلغ ثمنه ما لا يبلغه ثوب من ثياب الدّنيا لجودة صنعته والدقّة والإتقان وصحّة تأليف عيونه. وربّما بلغ الثوب منه عشرة آلاف دينار، ولا يكون فيه ذهب ولا حجارة، فأمّا ما يباع بألف

دينار فمن لبس العوامّ. وخصّت بالأدهان الجيّدة ما لم يخصّ به بلد لا سيّما دهن البنفسج (ودهن الخيري) ودهن البان الخالص الّذي يقال له دهن الغالية، وهو الدهن الّذي لا أفاويه فيه.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.