تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر البصرة

واختطّت البصرة في موضعها اليوم على اختلاف الناس في وقت ذلك كما

تقدّم في ذكر الكوفة، فبنوا بالقصب ومكثوا كذلك يسيرا حتّى أذن لهم عمر في البناء باللبن.

[وكان عمر رضه كتب إلى سعد رضه أن: ابعث عتبة بن غزوان إلى فرج الهند يرتاد موضعا يمصّره وابعث معه ثمانين من أصحاب رسول الله ﷺ.

فخرج عتبة من المدائن في ربيع سنة ستّ عشرة من الهجرة في سبع مائة حتّى نزل على شاطئ دجلة بحيال جزيرة العرب، فبنى البصرة ولم يبدأ بأوّل من المسجد فاختطّوه حتّى رموا من حواليه كلّه بأسهم، واختطّوا ما وراء منتهاها على حسب ما فعلوه بمسجد الكوفة].

وأوّل ما بني بالبصرة سبع دساكر [منها الخريبة اثنتان والزابوقة واحدة، وفي بني سليم اثنتان وفي الأزد اثنتان، وبني مسجدها بالقصب، ثمّ بناه ابن عامر] باللبن [لعثمان بن عفّان رضه، ثمّ بناه زياد بالآجر لمعاوية رضه، وبنى جنبتيه وأتمّه عبيد الله بن زياد. ويذكر أنّ المسجد الحرام أكبر من مسجد البصرة ببضع عشرة ذراعا].

وكسّرت البصرة أيّام خالد (بن عبد الله) القسري، فوجد طولها فرسخين في مثلهما، والكوفة مثل ثلثي البصرة.

وأوّل مولود ولد فيها عبد الرحمن بن أبي بكرة، فنحر يومئذ جزورا فأطعم أهلها وكانوا نحو ثلاثمائة.

ولأهل البصرة ثلاثة أشياء ليس لأحد من أهل البلدان أن يدّعيها عليهم ولا يشاركهم فيها وهي: النخل والشاء والحمام الهدى. فأمّا النخل فهم أعلم قوم به وأحذقهم بتربيته وإصلاحه، [وإصلاح عللها وأدوائها،

وأعرفهم بأحوالها من حين تغرس إلى أن تكمل وتستوي، وأبصرهم بالتمر وخرصه وتمييزه وجزره وخزنه]، وهي تجاراتهم العظمى وغلّتهم الكبرى. وفي البصرة من أنواع النخل ما ليس في بلد من بلاد الدنيا.

وأمّا الشاء فإنّها عندهم العبدية المنسوبة إلى عبد القيس. وذكروا أنّ رجلا (من وفد عبد القيس) يقال له عبادة بن عمرو الشني قال للنبي ﷺ عند وفادتهم عليه ودعائه لهم: يا رسول الله إنّي رجل أحبّ الشاء.

فدفع إليه رسول الله ﷺ فحلا فحيلا جليلا من المعز وقبض بيده على أصل (أذن ذلك الفحل حتّى استدارت أصابعه فصار في) أذنه كالسمة، فقدم به عبادة بلاده فأطرقه شياهه، فجاءت بالشاء العبدية حملها أهل البصرة من البحرين. فهم يذكرون أنّ (ما من) شاة موصوفة كريمة منها إلّا وفي أصل أذنها حلقة كالسمة، فإذا وجدوها كذلك رغبوا فيها وغالوا فيها حتّى تبلغ الشاة منها خمسين دينارا، وإذا كانت في التّيس مثل ذلك تنوفس فيه وبلغ عدّة دنانير. قال: وأخبرني يحيى بن الفضيل أنّه رأى تيسا بالبصرة عظيما قد حملت عليه مزادة ماء، وهي الّتي تسمّيها العامّة الراوية الّتي تحملها البغال، فبلغ بها منزل صاحبه فاشتري بأربعمائة دينار. [وللشاء عندهم أنساب معروفة] (ويستشهد على ذلك) العدول في الصحف فتقول:

شاة بني فلان أمّها الفلانة [شاة آل فلان] وأبوها تيس آل فلان وجدّتها الفلانة، ويوصف مقدار ما تحلب من اللبن بالغداة والعشي. فأمّا الحمام فإنّ الأمر بالبصرة (فيه جلل) وتجاوز الحدّ، وبلغت الحمام عندهم في الهداة أن جاءت من أقاصي بلاد الروم ومن مصر إلى البصرة وتنافسوا في اقتنائها ولهجوا به حتّى بلغ ثمن الطائر منها سبعمائة دينار. وهذا ما حضرته ورأيته وشهدته، وقيل إنّه بلغ بالبصرة ثمن طائر منها جاء من خليج

القسطنطينية ألف دينار، وكانت تباع البيضة من الطائر المشهور بعشرين دينارا، وعندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب.

[وكان لا يمتنع الرجل الجليل ولا الفقيه العدل من اتّخاذ الحمام والمنافسة فيها والإخبار عنها والوصف لأمرها والنعت لمشهورها حتّى وجّه أهل البصرة إلى بكّار بن قتيبة البكراني قاضي مصر وهو منهم، وكان في فضله وعقله ودينه وورعه على ما لم يكن عليه قاض، بحمامات لهم مع قوم ثقات، وكتبوا إليه يسألونه أن يتولّى إرسالها بنفسه ففعل. وكان الحمام عندهم متجرا من التجارات لا يرون بذلك بأسا].

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.