من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر بلاد إفرنجة
في وسط الإقليم الخامس، وهواؤها غليظ لشدّة بردها ومصيفها معتدل.
وهو بلد كثير الفاكهة غزير الأنهار المنبعثة من ذوب الثلج، ومدائنه متقنة الأسوار محكمة البناء. وآخر حدودها بحر الشام وحدّ آخر البحر المحيط، البحر
الشامي بقبليّها والبحر المحيط بجوفيّها، وتتّصل ببلاد رومة أيضا [من ناحية القبلة وتتّصل أيضا] من ناحية الجوف ببلاد الصقالبة بينهما شعراء ملتفّة مسيرة الأيّام الكثيرة، وتتّصل في الشرق أيضا بالصقالبة وتتّصل في الغرب بالبشكنس، وتتّصل أيضا ببلاد بيورة وهم الّذين يعرفون بالأمانيش ولهم كلام غير كلام الإفرنج.
وتتمادى [أعمال] إفرنجة في الطول والعرض مسيرة شهرين في شهرين مع غيرها من القبائل، ويحجز بين بلاد إفرنجة وبلاد الصقالبة في الجوف والشرق الجبل المعترض بين البحرين. فيتمادى بلد الإفرنج مع ساحل البحر القبلي الشامي حتّى يلزق بجزيرة رومة وبلد لنقبرذية. ويتمادى مع الجبل المعترض في الجوف إلى البحر المحيط. ويتّصل بالصقالبة بلاد المجوس المعروفين بالأنقلش. وسيوف إفرنجة تفوق سيوف الهند.
[ومنها يرد الرقيق من بلاد الصقالبة، ولا يكاد يرى ببلاد إفرنجة زمن ولا ذو عاهة. والزنا في غير ذوات الأزواج عند الإفرنج غير منكر، وإذا حلف أميرهم أو كبيرهم حانثا استهانوه ولم يزالوا يعيّرونه بذلك. وأبناء الأشراف عندهم يسترضعونهم في الأباعد ولا يعرف الابن أبويه حتّى يعقل، وإذا عقل ردّ إليهما فيراهما كالسيّدين ويكون لهما كالعبد. وكانت مملكتهم مجتمعة وأمرهم ملتئما حتّى ثار على رجل من ملوكهم يسمّى قارله قومس مع ملك يقال له رودبيرت، وذلك في عهد الإمام عبد الله، فحشد له قارله وزحف بعضهما إلى بعض فقتله قارله وأسر أصحاب رودبيرت قارله فمكث أسيرا أربعة أعوام، ثمّ هلك بأيديهم فافترق ملكهم واقتسم].
[ويحكى أنّ موسى بن نصير لمّا غزا الأندلس أراد أن يخرق ما بقي عليه من بلاد إفرنجة ويفتح الأرض الكبيرة حتّى يتّصل بالناس إلى الشام مؤملا أن يتّخذ مخترقة تلك الأرض طريقا مهيعا يسلكه أهل الأندلس في مسيرهم ومجيئهم من المشرق وإليه على البرّ لا يركبون بحرا، وأنّه أوغل في بلاد إفرنجة حتّى انتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار. فأصاب فيها صنما عظيما قائما كالسارية مكتوبا فيه بالنقر كتابة عربية قرئت فإذا هي: يا بني إسماعيل انتهيتم فارجعوا. فهاله ذلك فقال: ما كتب هذا إلّا بمعنى. فشاور أصحابه في الاعراض عنه وجوازه إلى ما وراءه، فاختلفوا عليه. فأخذ برأي جمهورهم وانصرف بالناس، وقد أشرفوا على قطع البلاد وتقصّي الغاية]
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع