من «الرسالة المصرية» لأبي الصلت أمية بن عبد العزيز (ت ٥٢٩هـ)
الرسالة المصرية
﷽
قال الشيخ أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت رحمه الله تعالى:
كنت إبان عصر الشباب مونق، وغصن الصّبا مورق.
إذ لمتي مسودةولماء وجهي رونق
ممن سامحه الدهر بغفلة من غفلاته، وتجافى له عن غفوة من غفواته، فعاش آمن السرب، سائغ الشرب، لا يتفرغ من أدب يرود رياضه، ويرد حياضه، إلا إلى طرب يعمر ميدانه؟؟؟، ويسحب ذيوله وأردانه. ثم تلون فقلب لي ظهر مجنه، وسقاني دردى دنه، فتدارك ما أغفله، واسترد ما بذله، واضطررت إلى مفارقة الوطن، والخروج عن العطن، فتماسكت إشفاقاً من مفارقة أول أرض مس جلدي ترابها، وشدت على التمائم بها. وجاءت أمور لا تطاق كبار، فلما لم يمكن القرار، ولم يبق إلا الفرار، قلت: ليس لي إلا أن أرمي بنفسي كل مرمى، وأطرحها كل مطرح.
لأبلغ عذرا أو أنالَ رغيبةومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وسكت إلى البيت المشهور:
تلقى بكل بلاد إن حللت بهاأهلاً بأهل وأوطاناً بأوطان
وإن كان يقول العامة: ليس بين بلد وبلد نسب، فخير البلاد ما حملك - فجعلت أستقري البلاد لأتيمم أوفقها للمقام، وأعونها على مقارعة الأيام، فكانت مصر مما وقع عليه إختياري، وصدقت حسن ظني قبل اختباري، وسرت قاصداً إليها أعتسف المجاهل والتنائف، وأخوض المهالك والمتالف، فطوراً أمتطي كل حالكة الإهاب، مسودة الجلباب، ثابتة كصبغة الشباب، قد فسح ميدانها، ووضع براحة الريح عنانها، فجرت جري الطرف الجموح، وفاتت مدى الطرف الطموح؛ وطوراً كل نقب الأياطل، كالهياطل، سبط المشافر جعد الأشعار، أحتذى العقيق، أو الصنو الشقيق، إن علاقات ظليم خاضب، وإن هوى قلت شهاب ثاقب، يصل الذميل بالوخاد، وبلتهم التهائم والنجاد. فكم جزع واد جزعته، وجلباب ليل أدرعته، وكم بر خرقت مخارمه وفجاجه، وبحر شققت غواربه وأمواجه، وليس لي غير مصر مقصد، ولا وراءها مذهب، ولا دونها للغنى متطلب.
وكم في الأرض من بلد ولكنعليك لشقوتي وقع اختياري
فلما تغمّرت ركابي من النيل، واستذرت بظل المقطم، ألقيت عصا التسيار، واستقرت بي النوى، وخفت ظهورهن من الرحال، وأرحتهن من الحل والترحال، وقلت: ضالتي المنشودة، وبغيتي المقصودة، هاهنا ألبث وأقيم،
فلا أبرح ولا أريم، «بلذة طيبة ورب غفور». وحيث التفت فروضه وغدير، وخورنق وسدير، وظل ظليل، ونسيم عليل.
وكم تمنيت أن ألقى بها أحداًيسلى من الهم أو يعدى على النوب
فما وجدت سوى قوم إذا صدقواكانت مواعيدهم كالآل في الكذب
وكان لي سبب قد كنت أحسبنيأحظى به فإذا دائي من السبب
فما مقلم أظفاري سوى قلميولا كتائب أعدائي سوى كتبي
ولم تطل مدة اللبث حتى تبينت بما شاهدته أنى فيها مبخوس البضاعة، موكوس الصناعة، مخصوص بالإهانة والإضاعة؛ وأن عيشها الرغد، مقصور على الوغد، وعقابها المر، موقوف على الحر، فلو تقدمت فعلمت ذلك لخف عنها مركبي وصرفت إلى سواها وجه مطلبي، ولكان لي في الأرض مرمى شاسع، ومنتاب واسع، بل تثبطت، حتى تورطت، حتى عوملت بما يعامل به ذوو الجرائر والذنوب، وجرعت من المذلة بأوفى ذنوب. هذا مع ما حبرته من المدح التي اشتهرت شهرة الصباح، وهبت هبوب الرياح، ولهج بها الحادي والملاح.
فسار بها من لا يسير مشمراًوغنى بها من لا يغني مغرداً
إلا أن الله جلت آلاؤه، وقدست أسماؤه، تدارك برحمته فأزال تلك المحنة بالمنحة، ونسخ تلك النقمة بالنعمة، وختم بالوصول إلى حضرة الملك الأجل أبي الطاهر يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، الذي لم تزل حضرته مصاد
العناة، ومراد العفاة، ومجتمع الفضائل، ومنتجع الأفاضل، ومشرع الجود، ومشعر الوفود. فلما استترت بجناحه، واستظهرت باستماحه، أعذب لي بسماحة الدهر جناه، واعتذر لي مما جناه، فكف دوني كفه، وصرف عني صرفه.
كريم رفضت الناس لما بلغتهكأنهم ما خف من زاد قادم
فكنت فيما مضيت عليه، وآلت حالي إليه، من إشراقها بعد الأفول، وإيراقها بعد الذبول، كنصل أهمل أمره، من جهل قدره، ولما وقع إلى الخبير به صان صفحته وحده، وحلى حمائله وغمده، ثم ادخره فيما يدخر وأعده، فإن انتضاه، يوماً ارتضاه، وإن جرده، أحمده، وإن هزه، سره في الضريبة حزه.
ولكن أبى الله أن يكون الفضل إلا لمن نشأ في مغارسه، ونجم في منابته، وربى في جحره، وغذى بدره.
فلم أستسغ إلا نداه فلم يكنليعدل عندي ذا الجناب جناب
فما كل إنعام يخف احتمالهوإن هطلت منه علىّ رباب
ولكن أجلّ الصنع ما جىّ ربهولم يأت باب دونه وحجاب
وما شئت إلا أن أدل عواذليعلى أن رأيي في هواك صواب
وأعلم قوماً خالفوني فشرقواوغربت أني قد ظفرت وخابوا
والأولى أن أضرب عما سلف، وأترك ما فرط، وآخذ فيما أجريت إليه وقصدته، ونحوته واعتمدته، مما آثرت به الحضرة السامية - أدام الله
سموها - من وصف ما عانيته من أرض مصر وعاينته، والاقتصار على الذي رأيته دون ما رويته، فليس من يقول: علمت هذا من طريق العلم والسماع، كمن يقول: تحققته بالمشاهدة والاطلاع، فإن ذا اللب الأمين لا ينخدع بمحال، ولا يرضى بانتحال.
وأنا أبتدئ بذكر هذه البلاد وموقعها في المعمورة ومجرى النيل منها، وغنائه فيها، وأشفع ذلك بنبذ من ذكر أحوال أهلها في أخلاقهم، وسيرهم وعاداتهم، وما يتصل بذلك وينجرّ معه، ويجيء بسببه، ويدخل في تضاعيفه.
وها أنا ذا آخذ في ذلك، وبالله أستعين، وعليه التوكل.
أرض مصر بأسرها واقعة من المعمورة في قسمي الإقليم الثاني والإقليم الثالث، ومعظمها في الثالث.
وحكى المعتنون بأخبارها وتواريخها أن حدها في الطول من مدينة برقة التي في جنوب البحر الرومي، إلى أيلة من ساحل الخليج الخارج من بحر الحبشة والزنج والهند والصين. ومسافة ذلك قريب من أربعين يوما.
قالوا: وحدها في العرض من مدينة أسوان وما سامتها من الصعيد الأعلى المتاخم لأرض النوبة، إلى رشيد وما حاذاها من مساقط النيل في البحر الرومي، ومسافة ذلك قريب من ثلاثين يوماً. ويكتنفها من مبدئها في العرض إلى منتهاها جبلان [أحدهما في الضفة الشرقية من النيل، وهو المقطم، والآخر في الضفة الغربية منه. والنيل منسرب فيما بينهما. وهما] أجردان غير شامخين، يتقاربان
جداَ في وضعيهما، من لدن مدينة أسوان إلى أن ينتهي إلى الفسطاط، فثم تتسع مسافة ما بينهما وتنفرج قليلاً، ويأخذ المقطم منهما مشرقاً والآخر مغرباً على وراب في أخذيهما وتفريج في مسلكيهما، فتتسع أرض مصر من الفسطاط إلى ساحل البحر الرومي الذي عليه الفرماء وتنيس ودمياط ورشيد والاسكندرية، وهناك تنقطع في عرضها الذي هو مسافة [ما بين] أوغلها في الجنوب و [أوغلها] في الغرب والشمال. وإذا ما مسحت بالطريق البرهانية في طريق هذه المسافة [من الأميال] لم تبلغ ثلاثين ميلاً، بل تنقص عنها نقصاً ما له قدر، وذلك لأن فضل ما بين عرض أسوان التي هي أوغلها في الجنوب وعرض مدينة تنيس التي هي أوغلها في الشمال، تسعة أجزاء ونحو سدس جزء من الأجزاء التي بها تحيط الدائرة العظمى، [وهي] ثلاثمائة وستون جزءاً. وليس بين طوليهما فضل يقع بسببه في هذا الحساب ماله قدر يعتد به. فإذا ضاعفنا هذا العدد بما يخص الدرجة الواحدة من محاذاة ذلك من الأميال، وذلك ستة وخمسون ميلاً وثلثا ميل على ما دل علية البرهان، كان ذلك نحو خمسمائة وعشرين ميلاً بالتقريب، وذلك مسافة سير عشرين يوماً أو قريب من ذلك. وفي هذه المدة من الزمان يقطع السفار أبدا ما بين هذين البلدين بالسير المعتدل في أكثر من ذلك قليلاً، لما في الطريق من التعريج وعدم الاستقامة.
وليس تشتمل أرض مصر بعد الفسطاط الذي هو مقر الملك وكرسي الدولة، على مدائن لها قدر في كثرتها ولا فخامتها، لكن أجل مدائنها وأفخرها أما في الجهة الشمالية من الفسطاط فالاسكندرية وتنيس ودمياط، وأما في الجهة الجنوبية إلى أقصى الصعيد فقوص وقفط. فهذه صفة أرض مصر على الجملة.
وأما النيل فينبوعه من وراء خط الاستواء، من جبل هناك يعرف بجبل القمر، فإنه يبتدئ بالتزيد في شهر أبيب، الذي هو بالرومية يولية.
والمصريون يقولون: «إذا دخل أبيب، كان للماء دبيب». وعند ابتدائه في التزيد تتغير جميع كيفياته وتفسد، والسبب الموجب لذلك مروره بنقائع مياه آجنة يخالطها فيجتلبها، ويستخرجها معه ويستصحبها، إلى غير ذلك مما يحتمل. فتصير مثل الحال التي وصفه بها الأمير تميم بن المعز لدين الله:
أما ترى الرعد بكى فاشتكىوالبرق قد أومض فاستضحكا
فاشرب على غيم كصبغ الدجىأضحك وجه الأرض لما بكى
[وقد حكى العود أنين الهوىلكنّه جوّد فيما حكى]
وانظر لماء النيل في مدهكأنما صندل أو مسكا
أو كما قال غيره من أهل العصر، من قصيدة يصف فيها أرض مصر:
ولله مجرى النيل منها إذا الصّباأرتنا به في مرها عسكراً مجرا
فشط يهز السمهرية ذبلاوموج يهز البيض هندية تبرا
إذا مدّ حاكى الورد غضا وإن صفاحكى ماءه لونا ولم يعده نشرا
وهذا نظير ما أنشدنيه عبد الله بن سرية لنفسه:
راقني النهر صفاءبعد شوقي لصفائه
كان مثل الورد غضاثم قد صار كمائه
ولأبي بكر الصنوبري في مثل هذا المعنى:
ولقد طربت إلى الفرات بكل ذي كرم ومجد
والشمس عند غروبهاصفراء مذهبة الفرند
والماء حاشيتاهخضراوان من آس ورند
تحبوه أيدي الريح إنهبت على قرب وبعد
بطرائف من فضةوطرائف من لازورد
والسفن كالطير انبرتفي الجو من مثنى وفرد
حتى إذا جزر الفرات مضى وأعقبه بمدّ
أبصرته وكأنهملقى عليه رداء ورد
متململاً كالصب أوذن من أحبته بصد
وكأنما بحشاه مابحشاي من قلق ووجد
وقال تميم المعز، وأحسن التشبيه:
يوم لنا بالنيل مختصروبكل يوم مسرة قصر
والسفن تصعد كالخيول بنافيه وجيش الماء ينحدر
فكأنما أمواجه غرفوكأنما داراته سرر
وقال محمد بن الحسن:
النهر مكسو من الأزهاربرداً أنيقاً مثل ثوب …
يجري بمسك أو بذوب نضار
وإذا استقام رأيت صفحة منصلوإذا استدار رأيت عطف سوار
وقال أبو الحسن محمد بن الوزير، في تدرج زيادة الماء إصبعاً إصبعاً، ومنفعة ذلك التدرج:
أرى أبداً كثيراً من قليلوبدراً في الحقيقة من هلال
فلا تعجب فكل قليل ماءبمصر مسبب لخليج مال
زيادة إصبع في كل يومزيادة أذرع في حسن حال
فإذا كان في الخامس عشر ذراعاً وزاد من السادس عشر إصبعاً واحدة كسر الخليج.
ولكسره يوم معدود، ومقام مشهود، ومجتمع غاص، يحضره العام والخاص. وإذا كسر فتحت التّرع - وهي فوّهات الخلجان - ففاض الماء
وساح، وعم الغيطان والبطاح، وانضم الناس إلى أعلى مساكنهم من الضياع والمنازل، وهي على آكام وربى لا ينتهي إليها الماء، ولا يتسلط السيل عليها، فتعود عند ذلك أرض مصر بأسرها بحراً غامراً لما بين جبليها المكتنفين لها.
وتثبت على هذه الحال ريثما يبلغ الحد المحدود، في مشيئة الرب المعبود. وأكثر ذلك يحوم حول ثمانية عشر ذراعاً، ثم يأخذ عائداً في منصبه، إلى مجرى النيل [ومسربه، فينضب أولاً عما كان] من الأرض مشرفا عاليا، وبصير فيما كان منها متطامناً، فيترك كل قرارة كالدرهم، ويغادر كل تلعة كالبرد المسهم. وفي هذا الوقت من السنة تكون أرض مصر أحسن شيء منظراً، ولا سيما متنزهاتها المشهورة، ودياراتها المطروقة، كالجزيرة، وبركة الحبش وما جرى مجراها من المواضع التي يطرقها أهل الخلاعة، وينتابها ذو والأدب والطرب.
واتفق أن خرجنا في مثل هذا الزمان إلى بركة الحبش، فافترشنا من زهرها أحسن بساط، واستظللنا من دوحها بأوفى رواق، وطلعت علينا من زجاجات الأقداح شموس في خلع البدور، ونجوم بالصفاء تنور، إلى أن جرى ذهب الأصيل على لجين الماء، ونشبت نار الشفق بفحمة الظلماء، فقال في ذلك بعضنا
لله يومي ببركة الحبشوالأفق بين الضياء والغبش
والنيل تحت الرياح مضطربكصارم في يمين مرتعش
قد نسجتها يد الغمام لنافنحن من نسجها على فرش
ونحن في روضة مفوفةدبج بالنور عطفها ووشى
فعاطني الراح، إن تاركهامن سورة الهم غير منتعش
وسقني بالكبار مترعةفهن أروى لشدة العطش
فأثقل الناس كلهم رجلدعاه داعي الصبا فلم يطش
وقال أيضاً:
علل فؤادك باللذات والطّربوباكر الرّاح بالغايات والنخب
أما ترى البركة الغناء لابسةوشياً من النّور حاكته يد السّحب
وأصبحت من جديد النبت في حللقد أبرز القطر منها كل محتجب
من سوسن شرق بالطل محجرهوأقحوان شهى الظلم والشنب
وانظر إلى الورد يحكى خد محتشممن نرجس ظل يبدي لحظ مرتقب
والياسمين وقد أربى على درروالراح من درر تطفو على ذهب
كم مرة قد شفينا فيه غلتنابجاحم من فم الإبريق ملتهب
شمس من الراح حيانا بها قمرموف على غصن يهتز في كثب
أرخى ذوائبه، وانهز منعطفاًكصعدة الرمح، في مسودة العذب
فاطرب ودونكها فاشرب فقد نغبتعلى التصابي دواعي اللهو والطرب
ومما يتعلق بوصف النيل من أبيات له كتبها إلى الأفضل ليلة المهرجان:
أبدعت للناس منظرا عجبالا زلت تحيى السرور والطربا
ألّفت بين الضّدّين مقتدرافمن رأى الماء خالط اللهبا
كأنّما النيل والشموع بهأفق سماء تألّقت شهبا
قد كان من فضّة فصار سماوتحسب النار فوقه ذهبا
وقد تعاور الشعراء ..... شعاع على صبح [¬*]. ومن مليح ما قيل فى ذلك قول بعض أهل العصر، وهو أبو الحسن على بن أبى البشر الكاتب:
شربنا مع غروب الشمس شمسامشعشعة إلى وقت الطلوع
وضوء الشمع فوق النيل بادكأطراف الأسنة فى الدّروع
وأنشد أبو منصور الثعالبى (فى يتيمة الدهر) لمنصور بن كيغلغ:
قام الغلام يديرها فى كفهفحسبت بدر التّمّ يحمل كوكبا
والبدر يجنح للأفول كأنهقد سلّ فوق الشطّ سيفا مذهبا
وأنشد فيه للقاضى أبى القاسم على بن إبراهيم بن أبى الفهم التنوخى:
أحسن بدجلة والدّجى متصوّبوالبدر فى أفق السماء مغرّب
فكأنها فيه بساط أزرقوكأنه فيها طراز مذهب
وقال ابن وكيع التّنّيسى:
غدير يدرّج أمواجههبوب الشمال ومرّ الصّبا
إذا الشمس من فوقه أشرقتتوهّمته جوشنا مذهبا
وقال بعض أهل العصر من قصيدة:
باطى نهر كان الروهو اللجين به ذوبا
إذا حمشته الصبا رأيتهكأنه زردا مذهبا [¬*]
وقال أبو عبادة البحترىّ يصف بركة:
إذا علتها الصبا أبدت بها حبكامثل الجواشن مصقولا حواشيها
إذا النّجوم تراءت فى جوانبهاليلا حسبت سماء ركّبت فيها
وقد أحسن عبد الله بن المعتز فى قوله:
وتبدّى لهن بالنّجف المقفر ماء صافى الجمام غرىّ
فإذا قابلته درّة شمسخلته كسّرت عليه الحلىّ
وقال ابن التّمّار الواسطى يصف ضوء القمر على دجلة:
قف فانتصف من صروف الدهر والنّوبواجمع بكأسك شمل اللهو والطّرب
أما ترى الليل قد ولّت عسا كرهمهزومة وجيوش اللهو فى الطلب
والبدر فى الأفق الغربىّ تحسبهقد مدّ جسرا على الشّطّين من ذهب
وقال محمد بن عبد الله السّلامى:
ونهر تمرح الأمواج فيهمراح الخيل فى رهج الغبار
إذا اصفرّت عليه الشمس خلنانمير الماء يمزج بالعقار
وأمّا سكّان أرض مصر فأخلاط من الناس مختلفة الأصناف: من قبط وروم وعرب وبربر وأكراد وديلم وحبشان وأرمن، وغير ذلك من
الأصناف والأجناس على حسب اختلافاتهم، وقالوا: إن السبب فى اختلافهم، والموجب لاختلاطهم، اختلاط المالكين لها، والمتغلّبين عليها، من العمالقة واليونانيين والروم والعرب وغيرهم، فلهذا اختلطت أنسابهم فاقتصروا من التعريف بأنفسهم على الانتساب إلى مواضعهم، والانتماء إلى مساقطهم ومواقعهم.
وحكى جماعة من المؤرّخين أنهم كانوا فى الزمن السالف عبّاد أصنام، ومدبرى هياكل، إلى أن ظهر دين النّصرانية وغلب على أرض مصر فتنصّروا، وبقوا على ذلك إلى أن فتحها المسلمون فى أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فأسلم بعضهم وبقى بعض على دين النصرانية، ومذهبهم مذهب اليعاقبة.
وأما أخلاقهم فالغالب عليهم اتّباع الشهوات، والانهماك فى اللذات، والاشتغال بالتّرّهات، والتصديق بالمحالات، وضعف المرائر والعزمات، إلى غير ذلك مما حكاه أبو الحسين على بن رضوان فى ذلك واقتصّه، وأورده من الأمور الطبيعية وموجبه، وكفى به حكما منصفا، وشاهدا عدلا.
وحكى الوصيفىّ فى كتابه الذى ألّفه فى أخبار مصر أنّ أهلها فى الزمن السابق كانوا يعتقدون أنّ هذا العالم، الذى هو عالم الكون والفساد أقام برهة من الدهر خاليا من نوع الإنسان، عامرا بأنواع أخر غير الإنسان، وأن تلك الأنواع مختلفة على خلق فاذّة، وهيئات شاذّة، ثم حدث نوع الإنسان فنازع تلك الأنواع فغلبها واستولى عليها، وأفنى أكثرها قتلا، وشرّد ما بقى منها إلى القفار، وأن تلك المشرّدة هى الغيلان والسّعالى وغير ذلك، مما حكاه من اعتقاداتهم المستحيلة، وتصوّراتهم الفاسدة، وتوهّماتهم النافرة. إلا أنّه يظهر من
أمرهم أنه كان فيهم طائفة من ذوي المعارف والعلوم، خصوصاً بعلم الهندسة والنجوم. ويدل على ذلك ما خلفوه من الأشغال البديعة المعجزة، كالأهرام والبرابي، فإنها من الآثار التي حيرت الأذهان [الثاقبة، واستعجزت الأفكار الراجحة]، وتركت لها شغلاً بالتعجب منها، والتفكر فيها. وفي مثلها يقول أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري في قصيدته التي يرثي بها أباه:
تضلّ العقول الهبر زيّات رشدهاولا يسلم الرأي القويم من الأفن
وقد كان أرباب الفصاحة كلمارأوا حسناً عدّوه من صنعة الجن
وأي شيء أعجب وأغرب بعد مقدورات الله ومصنوعاته، من القدرة على بناء جسم [جسيم] من أعظم الحجارة، مربع القاعدة مخروط الشكل، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع ونحو سبعة عشر ذراعاً يحيط به أربعة سطوح مثلثات متساويات الأضلاع، طول كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعاً وهو مع هذا العظم، من إحكام الصنعة وإتقانها، في غاية من حسن التقدير بحيث لم يتأثر إلى هلم جرا بعصف الرياح وهطل السحاب،
وزعزعة الزلازل. وهذه صفة كل واحد من الهرمين المحاذيين للفسطاط من الجانب الغربي، على ما شاهدناه منهما.
وقال بعضهم وقد ذكر عجائب مصر: «وما على وجه الأرض بنية إلا وأنا أرثي لها من الليل والنهار، إلا الهرمين فإني أرثى لليل والنهار منهما».
وهذان الهرمان لهما إشراف على أرض مصر وإطلال [على] بطائحها، وإصعاد على ذراها. وهما اللذان أراد أبو الطيب المتنبي بقوله:
أين الذي الهرمان من بنيانهما قومه، ما يومه، ما المصرع
كنا نظن دياره مملوءةذهباً فمات وكل دار بلقع
تتخلف الآثار عن أربابهاحيناً ويدركها الخراب فتتبع
واتفق أن خرجنا يوماً إليهما، فلما أطفنا بهما واستدرنا حولهما كثر تعجبنا منهما، فتعاطينا القول فيهما، فقال بعضنا:
بعيشك هل أبصرت أعجب منظراًعلى طول ما أبصرت من هرمي مصر
[أنافا عناناً للسماء وأشرفاعلى الجوّ إشراف السّماك أو النّسر
وقد وافياً نشزاً من الأرض عالياًكأنهما نهدان قاما على صدر
وزعم قوم أن الأهرام قبور ملوك عظام، آثروا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم، كما تميزوا عنهم في حياتهم، وتوخوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور، وتراخي العصور.
ولما وصل الخليفة المأمون إلى مصر أمر بنقبها، فنقب أحد الهرمين المحاذيين للفسطاط بعد جهد شديد، وعناء طويل، فوجدوا داخله مهاوي ومراقي يهول أمرها، ويعسر السلوك فيها، ووجدوا في أعلاها بيتاً مكعباً، طول كل من أضلاعه نحو من ثمانية أذرع، وفي وسطه حوض رخام مطبق، فلما كشف غطاؤه لم يجدوا فيه غير رمة بالية، قد أتت عليها العصور الخالية، فعند ذلك أمر المأمون بالكف عن نقب ما سواه. ويقال: إن النفقة على نقبه كانت عظيمة، والمئونة شديدة.
ومن الناس من زعم أن هرمس الأول، المدعو بالمثلث بالنبوة والملك والحكمة، وهو الذي يسميه العبرانيون خنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇ وهو إدريس ﵇ استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان يعم الأرض، فأكثر من بنيان الأهرام، وإيداعها الأموال وصحائف العلوم، وما يشفق عليه من الذهاب والدروس، حفظاً لها، واحتياطاً عليها. ويقال: إن الذي بناها ملك اسمه سوريد بن سهلوق بن سرياق. وقال آخرون: إن الذي بنى الهرمين المحاذيين للفسطاط شداد بن عاد، لرؤيا رآها. والقبط تنكر دخول العمالقة بلد مصر،
وتحقق أن بانيهما سوريد، لرؤيا رآها، وهي أن آفة تنزل من السماء، وهي الطوفان. وقالوا إنه بناهما في مدة ستة أشهر، وغشاهما بالديباج الملون، وكتب عليهما:
«قد بنيناهما في ستة أشهر، قل لمن يأتي من بعدنا يهدمهما في ستمائة سنة، فالهدم أيسر من البنيان، وكسوناهما الديباج الملون فليكسهما حصراً، فالحصر أهون من الديباج».
ورأينا سطوح كل واحد من هذين الهرمين مخطوطة من أعلاها إلى أسفلها بسطور متضايقة متوازية، من كتابة بانيها، لا تعرف اليوم أحرفها، ولا تفهم معانيها. وبالجملة الأمر فيها عجيب، حتى إن غاية الوصف لها والإغراق في العبارة عن حقيقة الموصوف منها، بخلاف ما قاله على] بن العباس الرومي، وإن تباعد الموصوفان، وتباين المقصودان، إذ يقول:
إذا ما وصفت امرأ لا مرئفلا تغل في وصفه واقصد
فإنّك إن تغل تغل الظنون فيه إلى الغرض الأبعد
فيصغر من حيث عظمتهلفضل المغيب على المشهد
وكذلك أمر البرابى، كبربا إخميم، وبربا سمنود، وبربا دندرا، فإن فيها من الإحكام وجودة الشكل وحسن التصوير، ما يدل على أن عمّارها
ذوو عقول راجحة، وأنه قد كانت لهم بالحكمة عناية بالغة، لا سيما بصناعتى الهندسة والنجوم.
وقال بعض أهل العناية بأخبار الأمم وتواريخهم: كان بمصر بعد الطوفان علماء بضروب الحكمة، من العلوم الرياضيّة والطبيعية ولإلهيّة، ومتحقّقون بعلم المرايا المحرقة، وبالطّلّسمات والنّير نجيات وغير ذلك.
والملك بمصر من قديم الزمان بمدينة منف، وهي في غربي النيل، على مسافة اثني عشر ميلاً من الفسطاط. ولما بنى الإسكندر مدينة (الإسكندرية) منذ نحو ألف سنة وأربعمائة سنة وأربعين سنة، رغب الناس في عمارتها، وكانت دار العلم، ومقر الحكمة، إلى أن تغلّب عليها المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب، رضوان الله عليه، واختط عمرو بن العاص مدينته المعروفة (بالفسطاط) فانسرب أهل مصر وغيرهم من العرب والعجم إلى سكناها، فصارت قاعدة ديار مصر ومركزها إلى وقتنا هذا.
فيقال إن من قدماء أهل العلم بها هرمس الثالث، وكان فيلسوفاً جوالاً في البلاد، طوافاً في المدائن، عالماً بنصبتها، وطوالعها وطبائع أهلها، وله تصانيف جليلة مفيدة في فنون من الحكمة.
ومنهم دبوفنطس صاحب المقالات الموضوعة في علم العدد وخواصه على طريق الجبر والمقابلة.
ومنهم الإسكندراني صنف كتاب الأفلاك، وكتاب القانون في تقويم الكواكب.
ومنهم روسم صاحب التصانيف في الكيميا.
ومنهم أنقلاؤس الإسكندري وأصحابه، الذين اختصروا كتب جالينوس في صناعة الطب، وألفوها على طريق المسألة والجواب، يدل حسن اختصارهم لها على وفور علمهم، وفضل معرفتهم.
ومنهم واليس صاحب الكتاب المعروف بالبريدج الرومي، المصنف في المواليد وما يتقدمها من المدخل إلى علم أحكام النجوم. ويقال إنه الذي استخرج بطول التحري ومواصلة العناء، جدود المصريين.
فهؤلاء هم المشهورون من أهل الحكمة بمصر في ذلك الزمان. وأما زماننا هذا فقد دثر منها كل علم وامحي رسمه، وجهل اسمه، ولم يبق إلا رعاع وغثاء وجهلة دهماء، وعامة عمياء، وجلهم أهل رعانة ولهم خبرة بالكيد والمكر،
وفيهم بالفطرة قوة عليه وتلطف فيه وهداية إليه، لما في أخلاقهم من الملق والسياسة التي أربوا فيها على كل من تقدم وتأخر، وخصوا بالإفراط فيها دون جميع الأمم، حتى صار أمرهم في ذلك مشهوراً، والمثل بهم مضروباً.
وفي خبثهم ومكرهم يقول أبو نواس:
محضتكم يا أهل مصر نصيحتيألا فخذوا من ناصح بنصيب
رما كم أمير المؤمنين بحيةأكول لحيات البلاد شروب
[ولا تثبوا وثب السفاة فتركبواعلى حد] حامي الظهر غير ركوب
فإن يك باقي إفك فرعون فيكمفإن عصا موسى بكف خصيب
وأما حال المنتسبين إلى العلم منهم فأنا ذاكر منها ما وقفت عليه، وكشفت بالمحنة عنه. كنت في أول جلوسي بها شديد العناية بكتب جالينوس وبقراط، باحثاً عن مشكلها، فاحصاً عن مستغلقها، فحرصت كل الحرص، وجهدت كل الجهد على أن أجد من أهل هذه الصناعة من أستفيد منه وأستزيد بمذاكرته وأقدح خاطري بمفاوضته، فلم أجد غير قوم طبع الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم، وطمس أفهامهم، وحال بين الحكمة وبينهم، فكانوا وإياي، كما قال الشاعر:
قوم إذا جالستهمصدئت بقربهم العقول
لا يفهموني قولهمويدق عنهم ما أقول
فهم كثير بي كماأنّى بجمعهم قليل
وقد تخلقوا بكثرة الخلاف، وقلة الإنصاف، ولزموا البهت والمعاندة، والشغب والمكابرة، وجهلهم بصناعة الكتب وخلوهم من أداتها، وعدمهم لعددها وآلاتها، وإهمالهم لشرائطها، وإغفالهم للوازمها، وقصور أذهانهم عن إدراك دقائقها، وبعد عقولهم عن تصور حقائقها، ولم يعلموا أن الطبيب محتاج إلى أشياء تعينه في صناعته، وتفتح له مغالقها، وتوضح مشكلها، وتشرح مشتبهها، وتبين له مستعجمها، وتذيقه برد اليقين، وتجلو عن عين بصيرته ظلم الشكوك والظنون، وهي العلوم الطبيعية التي تعرفه مبادئها وأوائلها، وتعطيه استقصّاتها وعناصرها، والقوانين القياسية التي تسدد ذهنه نحو الصواب فيما يلتمس علمه، ويتطلب فهمه، وتعرفه كيف يحيل مطلوباتها إليه، ويبنى قياساته عليها، وكيف يتطرق من جليها إلى خفيها، ويستدل بظاهرها على غائبها، ويأمن الزلل، ووقوع الخطل والخلل، ويحقّق الأسباب والعلل.
ولا بدّ لمن أراد أن يكون طبيباً كاملاً، وحكيماً فاضلاً، من النظر في العلوم الرياضية، ولا سيما النجومية منها والموسيقاوية. وأولى الناس بأن يكون على هذه الصفة أطباء الملك التبعى الألمعى، الذي إنما يستعمل الطبيب والمنجم على جهة الاستظهار، لا على جهة الافتقار والاضطرار. وكيف ونظره الأعلى، وقدحه المعلى، وسهمه الأسد، وباعه الأمد. ومن كان مثله - ولا مثل له في تطبيق المفاصل، وإصابة الشواكل - فخليق به أن يختار، ولا يختار، ويستبد، ولا يستمدّ.
هيهات أن يأتي الزمان بمثلهإن الزمان بمثله لبخيل
فلما [لم] يأخذوا نفوسهم بالإتقان لما قد سلف تعديده، بل استطالوه، واستبعدوا الأمد إليه، ورأوا أن غرضهم من صناعة الطب الذي هو عندهم وبحسب رأيهم، التكسب بما يتم لهم بأقرب مما شرطه الأوائل متناولاً، وأسهل مراماً، لم يحفظوا غير أسماء أدوية قليلة العدد يصرفونها في مداواة كل مرض دون إعمال فكرهم في حقيقة نوعه وسببه، ومقتضيه وموجبه.
وقد ذم جالينوس من فرق الطب الثلاث الفرقة الجبلية، لحذقها جميع لوازم الصناعة الطبية، واقتصارها في المداواة على النظر في المرض، هل من جنس الاستفراغ فيقابل بالإمساك، أو من جنس الإمساك فيقابل بالاستفراغ، دون الفحص عن أمر المزاج والسن والسجية، والبلد والعادة والماهية. فما ظنك بجالينوس لو شاهد هؤلاء الذين لا يثبتون على نحلة، ولا ينتسبون إلى فرقة، فإن برئ على أيديهم عليل فبرؤه على جهة الاتفاق، وإن هلك فبالواجب والاستحقاق، وهم كما قال الشاعر في مثلهم:
وطبيب مجرب ما له بالنجح في كل ما يجرب عادة
مر يوماً على عليل فقلناقر عيناً فقد رزقت الشهادة
وكما قال الآخر في بعض حكمائنا المشهورين عند العوام بالحذق والتقدم:
قل للوبا أنت وابن زهرقد جزتما الحد والنهاية
ترفقا بالورى قليلاًفي واحد منكما كفاية
أو كما قال بعض أهل العصر أيضاً فيهم:
وطبيب مشعبذيمزج الطب بالرّقى
ما رأيناه قط طبّ عليلا فوفّقا
بل عدم الصّحّة فى الجسم والقلب والبقا
ذو صفات تغادر الجسم مما به لقى
عادما للحراك والحسّ والخفّة والنقا
قد سقاه بها الحمام ولم يدر ما سقى
وقال آخر:
ما خطر النبض على بالهيوما ولا يعرف ما الماء
بل ظنّ أن الطبّ درّاعةولحية كالقطن بيضاء [¬*]
ومن ظريف ما سمعته أنّه كان بمصر منذ عهد قريب رجل ملازم للمارستان يستدعى للمرضى كما تستدعى الأطبّاء، فيدخل على المريض فيحكى له حكايات مضحكة، وخرافات مسلّية، ويخرج له وجوها مضحكة، وكان مع ذلك لطيفا فى إضحاكه وبه خبيرا، وعليه قديرا؛ فإذا انشرح صدر المريض وعادت إليه قوّته تركه وانصرف، فإن احتاج إلى معاودة المريض عاده إلى أن يبرأ، أو يكون منه ما شاء الله.
فليت أطبّاء عصرنا هذا بأسرهم قدروا على مثل هذا العلاج الذى لا مضرّة فيه ولا غائلة له، بل أمره على العليل هيّن، ونفعه ظاهر بيّن؛ كيف لا وهو ينشّط النفس ويبسط الحرارة الغريزية، ويقوّى القوى الطبيعية، ويقوّى البدن على دفع الأخلاط الرديّة المؤذية والفضول، مع الاستظهار بحفظ الأصول.
وأكثر أطبائها المبرزين نصارى ويهود، وفى ذلك يقول بعضهم:
أقول المسلمين طراًتبغون في طبنا اشتهاراً
هيهات حاولتم محالاكونوا إذا هوداً أو نصارى
وأشبه من رأيته منهم وأدخله في عداد الأطباء، رجل من اليهود يدعى أبا الخير سلامة بن رحمون، فإنّه لقى أبا الوفاء المبشر بن فاتك، فأخذ عنه شيئاً من صناعة المنطق تخصص به وتميز عن أضرابه، وأدرك أبا كثير بن الزفان تلميذ أبي الحسن علي بن رضوان، وقرأ عليه بعض كتب جالينوس، ثم نصب نفسه لتدريس جميع كتب المنطق، وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية، وشرح بزعمه وفسر ولخص، ولم يكن بذاك في تحصيله وتحقيقه، واستقصائه عن لطيف العلم ودقيقه، بل كان يكثر كلامه فيضل، ويسرع جوابه فيزل. ولقد سألته في أول لقائي واجتماعي به، عن مسائل استفتحت مباحثته بها مما يمكن أن يفهمها من لم يمتد بعد في العلم باعه، ولم يكثر تبحره واتساعه، فأجاب عنها بما أبان عن تقصيره ونطق بعجزه، وأعرب عن سوء
تصوره وفهمه. وكان مثله في عظم دعاويه، وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه كقول الشاعر:
يشمر للج عن ساقهويغمره الموج في الساحل
أو كما قال آخر:
تمنيتم مائتي فارسفردكم فارس واحد
وكان بمصر طبيب من أهل أنطاكية يسمى «جرجس»، ويلقب بالفيلسوف، على نحو ما قيل في الغراب: أبو البيضاء، وفي اللديغ: سليم، وقد تفرغ للتولع [بأبي الخير سلامة بن رحمون اليهودي الطبيب المصري] والإزراء عليه، وكان يزور فصولا طبية وفلسفية يبرزها في معارض ألفاظ القوم، وهي محال لا معنى لها، وفارغة لا فائدة فيها، ثم ينفذها إلى من يسأله عن معانيها، ويستوضحه أغراضها، فيتكلم عليها ويشرحها بزعمه دون تيقظ و [لا] تحفظ، بل باسترسال واستعجال، وقلة اكتراث وسوء اهتبال، فيؤخذ منه ما يضحك منه ويشرح الصّدر.
[وأنشدت] لجرجس هذا فيه، وهو من أحسن ما سمعته في هجو طبيب مشئوم، وأنا متّهم له فيه:
إنّ أبا الخير على جهلهيخفّ فى كفّته الفاضل
عليله المسكين من شومهفى بحر هلك ما له ساحل
ثلاثة تدخل فى دفعةطلعته والنعش والغاسل
ولبعضهم:
لأبى الخير فى العلاج يد ما تقصّر
كلّ من يستطبّهبعد يومين يقبر
والذى غاب عنكموشهدناه أكثر
ومما قيل فيه:
جنون أبى الخير الجنون بعينهوكلّ جنون عنده غاية العقل
خذوه فغلّوه وشدّوا وثاقهفما عاقل من يستهين بمختلّ
وقد كان يؤذى الناس بالقول وحدهفقد صار يؤذى الناس بالقول والفعل [¬*]
وأما المنجّمون الآن بمصر فهم وأطباؤهم كما قد الشّراك من الجلد، بل كما حذيت النّعل بالنعل، لا يتعلّق أمثلهم من علم النجوم بأكثر من زايجة يرسمها ومراكز يقوّمها. فأما الإمعان والتبحّر فى معرفة الأسباب والعلل، والمبادى
الأول، فليس منهم من يرقى إلى هذه الدرجة، ويسمو إلى هذه المرتبة، ولا يحلق في هذا الجوّ، ويستضيء بهذا الضو إلا أبو الحسن علي بن النضر المعروف بالأديب، ﵁، من أهل صعيد مصر الأعلى، فإنه كان من الأفاضل [الأعيان]، المعدودين من حسنات هذا الزمان. وسنذكره فيما نستأنفه إن شاء الله تعالى.
وأما الطائفة المقلدة التي حظّها من المعارف القشور دون اللبوب، والظواهر دون البواطن، والأشباح دون الأرواح، فأمثل من بها منهم الآن رجل يعرف برزق الله النحاس، فإن له في فروع هذه الصناعة بعض دربه وتجربة، وبتجريباتها بعض خبرة، وهو أكبر المنجمين بها وكبيرهم الذي علمهم، وأميرهم الذي يلوذون به، فجميعهم إليه منسوب، وفي جريدته مكتوب، وبفضله معترف، ومن بحره مغترف، وهو شيخ مطبوع يتطايب ويتخالع.
ومن حكاياته الظريفة عن نفسه قال: سألتني امرأة مصرية أن أنظر لها في مسألة جملية تخصها، فأخذت ارتفاع الشمس للوقت، وحققت درجة الطالع والبيوت الإثني عشر ومركز الكواكب، ورسمت ذلك كلّه بين يدىّ
في تخت الحساب، وجعلت أتكلم على بيتٍ بيت منها على العادة، وأنا في خلال ذلك أتحسس أمرها وهي ساكتة لا تنبس، فوجمت لذلك وأدركتني فترة عظيمة، وألقت إلى درهما. قال: فعاودت الكلام وقلت: أرى عليك قطعاً في بيت مالك فاحتفظي واحترزي! فقالت: الآن أصبت وصدقت، قد كان والله ما ذكرت. قلت: وهل ضاع لك شيء؟ قالت: نعم، الدرهم الذي ألقيته إليك! وتركتني وانصرفت.
والمصريون أكثر الناس استعمالاً لأحكام النجوم وتصديقاً لها وتعويلاً عليها، وشغفاً بها وسكوناً إليها، حتى إنه قد بلغ من زيادة أمرهم في ذلك إلى أن لا يتحرك واحدٌ منهم حركةً من الحركات الجزئية التي لا تُحصر فنونها ولا تحصل أجزاؤها وأنحاؤها، ولا تضبط جهاتها، ولا تقيّد غاياتها، ولا تعد ضروبها إلا في طوالع يختارونها، [ونصب يعتمدونها].
ولقد شهدت يوماً رجلاً من الوقّادين في أتون الحمام، يسأل رزق الله المذكور عن ساعة حميدة لقص أظفاره، فتعجبت من سمو همته على خساسة قدره ووضاعة مهنته.
ومن الحكايات العجيبة في فرط استعمالهم لأحكام النجوم وعنايتهم بها،
ما شهدت بالصعيد الأعلى. وذلك أن بعض الولاة حبس رجلاً من [بعض] أهل تلك الناحية كان ينظر في علم النجوم، وشفع إليه فيه من يكرم عليه، فشفعه فيه، وأمر بإطلاقه وكان من الحبس في عذاب واصب، وجهد ناصب، فلما أتوه وقالوا له: انطلق لشأنك، أخرج من كمه أصطرلاباً فنظر فيه ثم أخذ طالع الوقت فنظر فيه، فوجده مذموما، فسألهم أن يتركوه مكانه إلى أن يتفق وقت يصلح للخروج من السجن، فعادوا إلى الوالي فأخبروه يخبره، فضحك منه وتعجب من جهله، وفساد عقله، وأجابه إلى سؤاله، وتركه على حاله، وأطال مدة اعتقاله.
وفيما أوردته من أخبار الأطباء والمنجمين الآن بمصر كفاية وبلاغ، إلى أن أنتصب له انتصاباً ثانياُ، فأقول فيه قولاً شافياً.
وأما الآن فإني ذاكر على الشرط من لقيته من أدبائها وظرفائها، وفضلائها في الأدب وعلمائها.
وأولاهم بالتقديم، وأحقهم بالحظ الأوفر من التعظيم «القاضي أبو الحسن علي ابن النضر» المعروف بالأديب، ذو الأدب الجم والعلم الواسع، والفضل البارع. وله في سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى، والرتبة الأولى. وقد كان ورد الفسطاط يلتمس من وزيرها الملقب الأفضل تصرفا وخدمة فخاب فيه أمله،
وضاع رجاؤه، وأخفق سعيه، فقال من قصيدة يعاتب فيها الزمان، ويشكو الخيبة والحرمان:
بين التعززِ والتذللِ مسلكٌبادى المنار لعين كلَّ موفقِ
فاسلكه في كل المواطن واجتنبكبر الأبيّ وذلةَ المتملقِ
ولقد جلبتُ من البضائع خيرهالأجلَّ مختار وأكرم متقِ
ورجوتُ خفض العيش تحت رواقهلا بد إن نفقت وإن لم تنفق
ظناً شبيهاً باليقين ولم أخلْأن الزمان بما سقاني مشرقي
ولعائبي بالحرص قول بينلو كنتَ شمتَ سحابةُ لم تطرق
ما ارتدتً إلا خيرَ مرتادٍ ولمأصلِ الرجاءَ بحبل غير الأوثق
وإذا أبى الرزقَ القضاءُ على امرئلم تغنِ فيه حيلةُ المسترزق
ولعمرُ عاديةِ الخطوب وإنْ رمتشملي بسهم تشتّت وتفرّق
لأقارعنّ الدهرَ دون مروءَتيوحرمتُ عزَّ النًصرِ إن لم أصدق
وله في سفرته هذه وقد قوى يأسه من بلوغ أمله ونيل بغيته، وعزم على الصدر عن الفسطاط إلى مستقره، يحض على الزّهادة، ويحرّض على القناعة
ويذمّ الضّراعة، ويتأسّف على إذالة خدّه، وإراقة ماء وجهه:
لهفى لملك قناعةٍ لو أننيمتعت فيه بعزه المتملكِ
ولكنزِ يأسٍ كنتُ قد أحرزتُهلو لم تعثْ فيه الخطوبُ وتفتكِ
آليتُ أجعلُ ماء وجهي بعدهكدمٍ يهلُّ به الحجيجُ بمنسك
وأخٍ من الصبر الجميل قطعتهفي طاعة الأمل الذي لم يدرك
يا قاتلَ الله الضرورة حالةًأيَّ المسالكِ بالفتى لم تسلك
كم بات مشكوّ إليه [تحيفتحلقاته قرعا] براحةِ ممسك
وفمٍ على قدم رمت، ونواظركحلت محاجرها بموطئ سنبك
ومسربل بالصبر والتقوى دعتفأجامها في معرض المتنسك
ظلت تصرفه كتصريف العصارأسَ البعير لمبرك عن مبرك
وله إلى رئيس كان يكلفه زيارته ويقعد عن ذلك تعاظما وتكبراً:
أكبرتَ نفسك أن تسعى مصادفةًوسمتنيه لقد كلفتني شططا
لا تكذبنَّ فما كنّا لنوجب منحقٍ وأنت تراه عنك قد سقطا
لو بعتك النفس بيعاً كنت تملكهابه لكان عليك العدل مشترطاً
فهل سبيلٌ إلى أن لا تواصلنيولا تكلف مثلى هذه الخططا
عسى صحيفةُ ما بيني وبينك أنتطوى وما ضمّنت غير الذي فرطا
وله في صدر رسالة:
أتى كتابك عن سخط فآنسنىبما تضمن أنس العين بالوسنِ
قرأته فجرت في كلّ جارحةمنّى معانيه جرى الماء في الغصن
فما أقول بعثتَ الروح فيه إلىقلبي ولكن بعثتَ الروح في بدني
وله في شدة أصابته:
يا مستجيبَ دعاء المستجير بهويا مفرج ليلِ الكربة الداجي
قد أرتجت دوننا الأبوابُ وامتنعتوجلَّ بابك عن منعٍ وإرتاج
تخافُ عدلك أن يجري القضاءُ بهونرتجيك فكن للخائف الراجي
ومن شعرائها المشهورين أبو الطاهر بن إسماعيل بن محمد المعروف بابن مكنسة، وهو شاعر كثير التصرف، قليل التكلف، مفتن في وشي جد القريض وهزله، وضارب بسهم في رقيقه وجزله. وكان في ريعان شبيبته، وعنفوان حداثته، يعشق غلاماً من أبناء عسكرية المصريين، يدعى عز الدولة فائق، وهو الآن بمصر من رجال دولتها المعدودين وأكابرها المقدمين. ولم يزل مقيما على عشقه له، وغرامه به إلى أن محا محاسنه الشعر، وغير معالمه الدهر. ولم يزل معز الدولة هذا متعهّدا له محسنا إليه، مشتملا عليه، إلى أن فرق الدهر بينهما. وكان في أيام أمير الجيوش بدر الجمالي منقطعاً إلى عامل من النصارى يعرف بأبى مليح،
وأكثر أشعاره فيه، فلما انتقل الأمر إلى الأفضل تعرّض لامتداحه، فلم يقبله ولم يقبل عليه، وكان سبب حرمانه ما سبق لأبي مليح ومراثيه ميتا، لا سيما قوله:
طويت سماء المكرماتِ وكورت شمسُ المديحِ
ما كان بالنكس الدني من الرجال ولا الشحيح
كفر النصارى بعد ماعقدوا به دين المسيح
وكفله عز الدولة بن فائق، وقام بحالة إلى أن مات.
ولم يقبل الأفضل على أحد من الشعراء كإقباله على رجل من أهل معرة النعمان يدعى أبا الحسن علي بن جعفر بن النون فإنه أفاض عليه سحائب إحسانه، وأدر له حلوبة إنعامه، ولقبه بأمين [الملك] وأدناه واستخلصه، ولم يكن شعره هناك بل كان متكلفاً متعسفاً، ولست أعرف أحداً من أهل تلك البلاد يروي له بيتاً واحداً فما فوقه، لمنافرة الطباع كلامه، ونبو الأسماع عن طريقته. وقد كان أمره الأفضل يوماً أن يصف مجلساً عبّيت فيه فواكه ورياحين، فقال من مزدوجته يصف الأترج المصبع:
كأنما أترجه المصبعُأيدي جناة من زنود تقطع
فغلط ولم يفطن، وأساء أدبه ولم يشعر؛ لأنه قصد مدح الأترجّ فقذر نفس الملك منه وصرفها عنه، ولو قصد ذمة لما زاد على ما وصف به من الأيدي المقطوعة من زنودها.
والبليغ الحاذق من إذا وصف شيئاً أعطاه حقه، ووفاه شرطه، ووصفه بما
يناسبه في حالتي مدحه وذمه، ووضع كل شيء في مكانه في نثره ونظمه.
فأين هذا الشاعر في أدبه وحذقه بالصناعة وفطنته، من أبي علي الحسن ابن رشيق، وقد أمره المعز بن باديس أن يصف أترجه [مصبّعة] كانت بين يديه، فقال مرتجلاً على البديهة:
أترجّة سبطة الأطراف ناعمةتلقى العيونَ بحسنٍ غير مبخوسِ
كأنها بسطت كفا لخالقهاتدعو بطول بقاء لابن باديس
ولو أن ابن الرومي قصد مدح الورد بقوله:
يا مادحَ الورد ما ينفك من غلطهأما تأملته في كفِّ ملتقطه
كأنه سرم بغلٍ حين يبرزهعند الخراء وباقي الروث في وسطه
لكان غالطاً أو جاهلاً أو غافلاً، بل قال ذلك حين قصد ذمه وأراد تخسيسه.
فانظر هذا التشبيه الذي لم يسمع أعجب منه. فلعن اللّه شيطانه!
وكذلك عبد الله بن المعتز في قوله يصف القمر من أبيات:
وبات كما سَرّ حسادهإذا رام قرباً من النوم شذّ
تفزّزه سروات البعوضِفي قمر مثل ظهر الجرذ
وقول ابن المعتز في القمر من أبيات:
يا سارقَ الأنوارٍ من شمس الضحىيا مثكلى طيب الكرى ومنغّصى
أمّا ضياء الشمس فيك فناقصٌوأرى حرارة نارها لم تنقص
لم يظفر التشبيهُ فيك بطائلمتسلخاً بهقاً كجلد الأبرص
وهذا باب لو استقصيناه لطال واتسع، فلنتركه ولنصل من حبلنا ما انقطع.
وقال إسماعيل بن مكنسة من قصيدة:
أعاذلُ ما هبت رياحُ ملامةٍبنار هوىَ إلا وزادت تضرّما
فكلنى إلى عين إذا جفّ ماؤهارأت من حقوق الحبّ أن تذرف الدّما
فكم عبرة أعطت غرامي زمامهاعشيةَ أعملن المطيَّ المزمما
وعين حماها أن يلمّ بها الكرىأحاديث أيام تقضين بالحمى
ولله قلبٌ قارعته همومهفلم يبق حدٌّ منه إلا تثلما
وله من أخرى:
دقت معاقد خصره فكأنهامشتقة من عهده وتجلدي
وتجعدت أصداغه فكأنهامسروقة من خلقه المتجعّد
[ومنها]:
ما باله يجفو وقد زعم الورىأنّ الندى يختصّ بالوجه الندي
لا يخدعنك وجنةٌ محمرّةرقّت ففي الياقوت طبع الجلمد
وله من قصيدة:
وعسكرىّ أبداً حيثماتلقاه يلقاكَ بكلِّ السلاح
حاجبه قوس وأجفانهنبلٌ وعطفاه تثنى الرماح
[راح وفعل الراح فيه كمايفعل بالغصن نسيم الرياح
أغار في هذا البيت الأخير على خالد الكاتب في قوله:
رأت منه عيني منظرينِ كما رأتمن الشمس والبدر المنيرِ على الأرضِ
عشيةَ حياني بوردٍ كأنهخدودٌ أضيفت بعضهن إلى بعض
[وناولني كأساً كأنَّ مزاجهادموعيَ لما صدَّ عن مقلتي الغمض]
وراح وفعل الراح في حركاتهكفعل نسيم الريح في الغصن الغضِّ
وأما البيت الذي قبله فقد تداوله الشعراء. ومن مليح ما وقع فيه قول بعض أهل العصر:
بي من بني الأصفر ريمٌ رمىقلبي بسهم الحور الصائب
سهمٌ من اللحظ رمتني بهمن كثب قوسٌ من الحاجب
كأنما مقلته في الحشىسيفٌ علىّ بن أبي طالب
وله في ورق كاغد أهدى إليه:
أهدي لنا ورقاً أرقَّ من الشراب المستحيل
خلقا تمزقه الخطوط كأنه عرض البخيل
لا بالصبيغ ولا الصقيل ولا العريض ولا الطويل
إلا بياضاً خلتهوضحاً على جسم نحيل
وقد استوفى بعض أهل العصر هذا المعنى، فقال يذكر رزمة كاغد أخرجت إليه من خزانة السلطان، تستعمل في ديوان الإنشاء، وكان بعض كتاب الديوان يسرق الكاغد، فسلمت تلك الرزمة منه لدمامتها وخسة ثمنها:
وكاغدٍ يشبه حالاتنافي كلّ معنى ويحاكيها
جنّس للخطّ به صورةلا شيء في القبح يدانيها
ينفذ في صفحته كلُّ ماترسمهُ أقلامنا فيها
نودعه مكنون أسرارناوهو إلى الألحاظ يفشيها
مختلف الأجزاء مستخشنتلمسه الكفُّ فيدميها
كجلدة الأبرصِ في لونهوصفاً على الحق وتشبيها
لو كان خلقاً كان مستبشعاًأو كان خلقاً كان تشويها
يعثر الأقلام حتى ترىمفلولة فيه مواضيها
يتركها تشبه أعجازهافي عدم البرى هواديها
من بعد ما ضاهى بأطرافهاأطراف سمر الخطّ باريها
وتفعل الأنملُ في جريهاكالبرق … يها
وكم غدا يسلبها جاهداًمن كان بالنفس يفديها
يقول من يبصر أطباقهشلت يدٌ باتت تعبيها
قد عبث السوس بأوساطهاوقرض الفأرُ حواشيها
لو عرضت رزمتهُ لم تجدمشترياً في الخلق يشريها
لو بذل الفلس بها غالطاًأوسع تضييعاً وتسفيها
لا يرزأ السارقُ منها ولايغتالها من حيلة فيها
تحصى الحصى مستوفيا عدّهمن قبل أن تحصى مساويها
من ذم ذا نقصٍ وذا خسةٍفهو بذاك الذم يعنيها
وقال أبو الطاهر:
قلت إذ عقربَ الدلالُ على خده الشعر
هذه آيةٌ بهاظهر الحسنُ وانتشر
ما رئى قبلَ صدغهعقربٌ حلت القمر
هذا معنى مليح ولكنه سرقه من بيتين أنشدنيهما بمصر رجل يسمى أبا محمد التكريتي، من تلاميذ أبي حامد الغزالي، لأبي حامد، ولم أسمعها من غيره:
حلت عقارب صدغه في خدهقمراً فجلّ بها عن التشبيه
ولقد عهدناه يحلُّ ببرجهافمن العجائب كيف حلت فيه
وقال أبو الطاهر أيضاً من قصيدة وقد عزم عليه بعض الأمراء في الخروج معه إلى الشام لقتال الغز، أولها:
غير عاصٍ عليك تقويم عوديفانقصى من ملامتي أو فزيدي
قل لمولاي إذ دعاني لأمرقمت فيه له مقامَ العبيد
ضعفت حيلتي وقل غنائيودنت غايتي ورثّ جديدى
أنا ما لي وللشآم وإنيلأرى نار حربها في وقود
بلد جنّه عفارية الغزَّ وأرضٌ وحوشها من أسود
والجفار التي تقول إذا ماقيل هلا امتلأت: هل من مزيد
وكأن بي على بعيرٍ ترانيآخر الناس في لفيف الحشود
أسود الوجه ناظرا في أمورمعضلات من الحوادث سود
وإذا قيل في غدٍ يلتقي الناس فلا تنسَ فهو بيت القصيد
حيث لا ناظرى تراه حديداحين يبدو له بريق الحديد
حيث لا يتّقى لساني ولا يثنى عنان المغير عنّى نشيدى
إن رأيي إذا يسدد نحويسهم رامٍ لغير رأي سديد
فإذا ما قتلتُ كنت خليقاًبدخولي جهنما وخلودي
فاقلني عثارها وابقَ للمجد وكبتِ العدى وغيظِ الحسود
وقال من قصيدة في طريقة أبي الشمقمق:
أنا الذي حدّثكمعنه أبو الشمقمق
وقال عني إننيكنت نديم المتقى
وكنت كنت كنت كنت من رماة البندق
حتى متى ألفي كذاتيساً طويل العنق
بلحية سابلةوشارب محلّق
[يا ليتها قد خلقتمن وجه شيخ حلقى]
وقال من أخرى:
عشت خمسين بل تزيد رقيعا كما ترى
أحسبُ المقل بندقاًوكذا الملحَ سكراً
وأظنُّ الطويل منكل شيء مدورا
قد كبر بر ببر ببرت وعقلي إلى ورا
عجباً كيف كلُّ شيءٍ أراه تغيرا
لا أرى البيض صار يؤكل إلا مقشرا
وإذا دق بالحجار زجاجٌ تكسرا
وإذا مات ميتلا يشمنّ عنبرا
ومن شعراء المصريين زماننا هذا من يقول - وهو أبو مشرف الدجر جاوى، وهو منسوب إلى دجرجا، وهي ضيعة بالصعيد الأعلى:
قاضٍ إذا انفصل الخصمان ردهماإلى الخصام بحكم غير منفصل
يبدي الزهادةَ في الدنيا وزخرفهاجهراً ويقبل سراً بعرةَ الجمل
ومنهم من يقول، وهو أبو الحسن علي بن البرقي، من أهل قوص:
رماني الدهرُ منه بكلِّ سهمٍوفاجأني ببين بعد بين
وجمع في فؤادي كلَّ حزنٍوفرق بين أحبابي وبيني
ففي قلبي حرارةُ كلَّ قلبوفي عيني مدامعُ كل عين
وله من أبيات:
ولي سنةٌ لم أدر ما سنةُ الكرىكأن جفوني مسمعي والكرى العذل
ومنهم من يقول، وهو أبو محمد عبد الله بن الطباخ الكاتب، يهجو رجلاً أوقص. أنشدتهما لأبي الحسن [علي بن] الصوفي الحنبلي:
قصرت أخادعه وغاض قذالهفكأنه متوقع أن يصفعا
وكأنه قد ذاق أول درةوأحس ثانية لها فتجمعا
ومنهم من يقول، وهو أبو عبد الله محمد بن مسلم الكاتب:
تعسّفها الحادي وقد هجر الفلاومرّ عليها الخمسُ يتبعه العشر
وأنحلها لفحُ الهجير كأنّههوى وهو قلب قد أضرّ به الهجر
ومنهم من يقول، ولا أتحقّق إسمه، في رجل يلقب بالرشيد:
شتان ما بين الرشيد وبين هارونَ الرشيد
هذا يعزّر بالجلود وذا يعزز بالجنود
ومنهم من يقول، وهو محمود بن ناصر الإسكندري كاتب القاضي ابن حديد، في طبيب أعلم مشوه الخلق:
صديقنا المستطبُّ نادرةٌقد أخذت منه أعينُ الناس
أنياب غول ومشفرا جملٍورأس بغل وذقن نسناس
ومنهم من يقول، وهو أبو نصر ظافر بن قاسم المعروف بالحداد من أهل الإسكندرية، وكتب إلىّ بها في رسالة:
وما طائرٌ قصَّ الزمانُ جناحهفأعدمه وكراً وأفقده إلفا
تذكر زغباً بين أفنانِ أيكةٍخوافي الخوافي ما يطرن بها ضعفا
إذا التحف الظلماءَ ناجى همومهلترجيع لحنٍ كاد من رقّة يخفى
بأشوق منى إذ أطاعت بكَ النوىهوائيةٌ مائيةٌ تسبق الطرفا
تولت وفيها منك ما لو أقيسهبما هي فيه كان في فضله أوفى
وقال أيضا:
رحلوا فلولا أنّنىأرجو اللّقا لقضيت نحبي
والله ما فارقتكملكنني فارقت قلبي
ومنهم من يقول، وهو أبو القاسم بن رشد المصري:
وكم قائلٍ ليَ سافر إلىبلاد العراق تقع في الرخاء
لعمري لقد صدقوا قد وقعت وسط الرخاء بتقديم خاء
ومنهم من يقول - وهو الناجي المصري - يهجو حماما:
إن حمامنا الذي نحنُ فيههو في حاجةٍ إلى حمامِ
قد دخلنا ونحن أولاد سامٍوخرجنا ونحن أولاد حامِ
وقال بعض أهل العصر في هذا المعنى:
حمامنا هذا أشد ضرورةممن يحلُّ به إلى حمامِ
تبيضُّ ألوان الورى في غيرهويعيرها هذا ثيابَ سخام
قد كنتُ من سامٍ فحين دخلتهلشقاء جدي ردني من حام
ومنهم من يقول، وهو أبو الحسن مروان بن عثمان:
تمكّن منى السّقم حثّى كأننيتوهّم معنى في خفىّ سؤال
[ولو سامحت عيناه عينيَّ في الكرىلأشكل من طيف الخيال خيالي]
سمحت بروحي وهي عندي عزيزةٌوجدت بقلبي وهو عنديَ غالي
وقد خفتُ أن تقضى علىّ منيتيولم أقضِ أوطاري بيوم وصال
وهونَ ما ألقي من الوجد أنهصدودُ دلال لا صدودُ ملال
فلو كان ذاك الصدُّ منه ملالةشددت عن الدنيا مطىّ رحالى
هذا من قول العباس بن الأحنف:
لو كنتِ عاتبةً لسكن لوعتيأملي رضاك وزرتُ غير [مراقب
لكن صددتِ فلم تكن ليَ حيلةصدُّ الملول خلاف صدّ العاتب
ولمروان:
ما بالِ قلبك يستكينُأبه غرام أم جنونُ
برحَ الخفاء بما تجنُ، فأذهب الشك اليقين
حتى متى بين الجوانح والضلوع هوىً دفين
وإلى متى قلبُ المتيم في يد البلوى رهين
يا ماطلى بديونِ قلبي آنَ أن تقضي الديون
شخصت له فيك العيونُ وقسمت فيك الظنون
وسلبتَ ألباب الورىبلواحظٍ فيها فتون
وقوام أغصان الرياض وأين تدركك الغصون
الحسن في الأغصانفنّ وهو في هذا فنون
من أين للأغصان ذاك الغنجُ والسحر المبين
أم ذلك الورد الجني بخده والياسمين
ومنهم من يقول، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن الأشعث]:
إذا حل محمودٌ بأرضٍ فإنهيفجر فيها من ندى كفه عينا
فتنبت نوراً مشبهاً لهباتهِيرى ورقاً بعض وبعض يرى عينا
وله في غلام مليح أسمر:
يا ذا الذي ينفق أموالهفي حبِّ هذا الرشا الفائق
ما الذهب الصامت مستكثراًإذهابه في الذهب الناطق
ومنهم من يقول في معشوق له تمتام، وهو محمود بن إسماعيل بن حميد الدّمياطى:
تمتمة تمّ غرامى بهاوعارضٌ عرضني للسقام
ووفرةٌ همي بها وافروحاجب حجب عنّى المنام
وله من أبيات يصف الخمر:
وبتّ ليلي أرى النار التي سجدتلها المجوس من الإبريق تسجد لي
هذا - أطال الله بقاء الحضرة السامية - ما أملاه الخلد، على اليد، في مدة متقاربة الطرفين، ضيقة ما بين الحاشيتين. فإن تراخت المدة استدركت الفائت واستلحقت الناقص، إن شاء اللّه تعالى.
نجزت يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي القعدة عام بأدرنة.
النص من طبعة مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر (١٣٩٣هـ)، ضمن «نوادر المخطوطات» بتحقيق عبد السلام هارون، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع