تجاوز إلى المحتوى

من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الباب الخامس في جمل من أخبار البلدان

قال الحجّاج لزادان فرّوخ: أخبرني عن العرب والأمصار. فقال: أصلح الله الأمير، أنا بالعجم أبصر منّي بالعرب. قال: لتخبرني. قال: سلني عمّا بدا لك. قال: أخبرني عن أهل الكوفة. قال:

نزلوا بحضرة أهل السواد، فأخذوا من مناقبهم ومن سماحتهم. قال: فأهل البصرة؟ قال: نزلوا بحضرة الخوز فأخذوا من مكرهم وبخلهم. قال: فأهل الحجاز؟ قال: نزلوا بحضرة السّودان فأخذوا من خفّة عقولهم وطربهم. فغضب الحجاج، فقال: أعزّك الله، لست منهم حجازيّا، أنت رجل من أهل الشام. قال: أخبرني عن أهل الشام. قال: نزلوا بحضرة أهل الروم فأخذوا من ترفّقهم وصناعتهم وشجاعتهم. وسأل معاوية ابن الكوّاء عن أهل الكوفة، فقال: أبحث الناس عن صغيرة، وأضيعهم لكبيرة. قال: فأهل البصرة؟ قال: غنم وردن جميعا وصدرن شتّى. قال: فأهل الحجاز؟

قال: أسرع الناس إلى فتنة وأضعفهم فيها. قال: فأهل مصر؟ قال: أجدّاء أحدّاء أشدّاء أكلة من غلب. قال: فأهل الموصل؟ قال: قلادة أمّة فيها من كل خرزة. قال: فأهل الجزيرة؟

قال: كناسة بين المصرين. ثم سكت. قال ابن الكوّاء: سلني. فسكت. قال: لتسأل أو لأخبرك عمّا عنه تحيد. قال: أخبرني عن أهل الشام. قال: أطوع الناس لمخلوق، وأعصاهم لخالق.

وقد جعلت القدماء ملوك الأرض طبقات، فأقرّت، فيما زعموا، جميع الملوك لملك بابل بالتعظيم، وأنه أول ملوك العالم، ومنزلته فيها كمنزلة القمر في الكواكب، لأن إقليمه أشرف الأقاليم، ولأنه أكثر الملوك مالا، وأحسنهم طبعا، وأكثرهم سياسة وحزما، وكانت ملوكه يلقّبونه بشاهنشاه، ومعناه ملك الملوك، ومنزلته من العالم كمنزلة القلب من الجسد والواسطة من القلادة.

ثم يتلوه في العظمة، ملك الهند، وهو ملك الحكمة، وملك الغلبة، لأن عند الملوك الأكابر:

الحكمة من الهند. ثم يتلوا ملك الهند في الرتبة، ملك الصين، وهو ملك الرعاية والسياسة وإتقان الصنعة، وليس في ملوك العالم أكثر رعاية وتفقّدا من ملك الصين في رعيّته وجنده وأعوانه، وهو ذو بأس شديد، وقوّة ومنعة، له الجنود المستعدّة، والكراع والسلاح، وجنده ذو أرزاق مثل ملك بابل. ثم يتلوه ملك الترك، صاحب مدينة كوشان، وهو ملك التغزغز، ويدعى ملك السباع، وملك الخيل، إذ ليس في ملوك العالم أشدّ من رجاله، ولا أجرأ منه على سفك الدماء، ولا أكثر

خيلا منه، ومملكته ما بين بلاد الصين ومفاوز خراسان، ويدعى بالاسم الأعمّ، وهو إيرخان. وكان للترك ملوك كثيرة وأجناس مختلفة أولو بأس وشدّة، لا يدينون لأحد من الملوك، إلا أنه ليس فيهم من يداري ملكه. ثم ملك الروم، ويدعى ملك الرجال، وليس في ملوك العالم أصبح من رجاله.

ثم تتساوى الملوك بعد هؤلاء في الترتيب، وقال بعض الشعراء:

الدار داران: إيوان، وغمدان،والملك ملكان: ساسان وقحطان
والأرض فارس، والإقليم بابل، والإسلام مكّة، والدنيا خراسان
والجانبان العلندان اللّذا حسنامنها: بخارا، وبلخ الشاه، توران
والبيلقان، وطبرستان، فأزرهما،واللّكز شروانها، والجيل جيلان
قد رتّب الناس جمّ في مراتبهم:فمرزبان، وبطريق، وطرخان
في الفرس كسرى، وفي الروم القياصر، واحبش النّجاشيّ، والأَتراك خاقان

روي أن عمر بن الخطاب، ﵁، سأل كعب الأحبار عن البلاد وأحوالها، فقال:

يا أمير المؤمنين، لما خلق الله، ﷾، الأشياء ألحق كلّ شيء بشيء، فقال العقل: أنا لاحق بالعراق، فقال العلم: أنا معك. فقال المال: أنا لاحق بالشام، فقالت الفتن: وأنا معك. فقال الفقر: أنا لاحق بالحجاز، فقال القنوع: وأنا معك. فقالت القساوة: أنا لاحقة بالمغرب، فقال سوء الخلق: وأنا معك. فقالت الصباحة: أنا لاحقه بالمشرق، فقال حسن الخلق: وأنا معك. فقال الشقاء: أنا لاحق بالبداوي، فقالت الصحّة: وأنا معك. انتهى كلام كعب الأحبار، والله الموفّق للصواب وإليه المرجع والمآب.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.