من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
فلنذكر الآن ما ورد في مدح بغداد
ومن عجيب ذلك ما ذكره أبو سهل بن نوبخت قال:
أمرني المنصور لما أراد بناء بغداد بأخذ الطالع، ففعلت فإذا الطالع في الشمس وهي في القوس، فخبّرته بما تدلّ النجوم عليه من طول بقائها وكثرة عمارتها وفقر الناس إلى ما فيها ثم قلت: وأخبرك خلّة أخرى أسرك بها يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قلت: نجد في أدلة النجوم أنه لا يموت بها خليفة أبدا حتف أنفه، قال: فتبسم وقال الحمد لله على ذلك، هذا من فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ولذلك يقول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى:
أعاينت في طول من الأرض أو عرض،كبغداد من دار بها مسكن الخفض
صفا العيش في بغداد واخضرّ عوده،وعيش سواها غير خفض ولا غضّ
تطول بها الأعمار، إنّ غذاءهامريء، وبعض الأرض أمرأ من بعض
قضى ربّها أن لا يموت خليفةبها، إنه ما شاء في خلقه يقضي
تنام بها عين الغريب، ولا ترىغريبا بأرض الشام يطمع في الغمض
فإن جزيت بغداد منهم بقرضها،فما أسلفت إلّا الجميل من القرض
وإن رميت بالهجر منهم وبالقلى،فما أصبحت أهلا لهجر ولا بغض
وكان من أعجب العجب أن المنصور مات وهو حاجّ، والمهدي ابنه خرج إلى نواحي الجبل فمات بما سبذان بموضع يقال له الرّذّ، والهادي ابنه مات بعيساباد قرية أو محلّة بالجانب الشرقي من بغداد، والرشيد مات بطوس، والأمين أخذ في شبارته وقتل بالجانب الشرقي، والمأمون مات بالبذندون من نواحي المصّيصة بالشام، والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر وباقي الخلفاء ماتوا بسامرّا، ثم انتقل الخلفاء إلى التاج من شرقي بغداد كما ذكرناه في التاج، وتعطّلت مدينة المنصور منهم.
وفي مدح بغداد قال بعض الفضلاء: بغداد جنة الأرض ومدينة السلام وقبة الإسلام ومجمع الرافدين وغرّة البلاد وعين العراق ودار الخلافة ومجمع المحاسن والطيبات ومعدن الظرائف واللطائف، وبها أرباب الغايات في كل فنّ، وآحاد الدهر في كل نوع، وكان أبو إسحاق الزّجّاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية، وكان أبو الفرج الببغا يقول: هي مدينة السلام بل مدينة الإسلام، فإنّ الدولة النبوية والخلافة الإسلامية بها عشّشتا وفرّختا وضربتا بعروقهما وبسقتا بفروعهما، وإنّ هواءها أغذى من كل هواء وماءها أعذب من كل ماء، وإنّ نسيمها أرقّ من كل نسيم، وهي من الإقليم الاعتدالي بمنزلة المركز من الدائرة، ولم تزل بغداد موطن الأكاسرة في سالف الأزمان ومنزل الخلفاء في دولة الإسلام، وكان ابن العميد إذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلوم والآداب وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد، فإن فطن بخواصّها وتنبّه على محاسنها وأثنى عليها جعل ذلك مقدّمة فضله وعنوان عقله، ثم سأله عن الجاحظ، فإن وجد أثرا لمطالعة كتبه والاقتباس من نوره والاغتراف من بحره وبعض القيام بمسائله قضى له بأنه غرّة شادخة في أهل العلم والآداب، وإن وجده ذامّا لبغداد غفلا عما يحب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف التي يختص بها الجاحظ لم ينفعه بعد ذلك شيء من المحاسن، ولما رجع الصاحب عن بغداد سأله ابن العميد عنها، فقال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد، فجعلها مثلا في الغاية في الفضل، وقال ابن زريق الكاتب الكوفي:
سافرت أبغي لبغداد وساكنهامثلا، قد اخترت شيئا دونه الياس
هيهات بغداد، والدنيا بأجمعهاعندي، وسكان بغداد هم الناس
وقال آخر:
بغداد يا دار الملوك ومجتنىصوف المنى، يا مستقرّ المنابر
ويا جنّة الدنيا ويا مجتنى الغنى،ومنبسط الآمال عند المتاجر
وقال أبو يعلى محمد بن الهبّارية: سمعت الشيخ الزاهد أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآباذي يقول: من دخل بغداد وهو ذو عقل صحيح وطبع معتدل مات بها أو بحسرتها، وقال عمارة بن عقيل ابن بلال بن جرير:
ما مثل بغداد في الدنيا ولا الدين،على تقلّبها في كلّ ما حين
ما بين قطربّل فالكرخ نرجسةتندى، ومنبت خيريّ ونسرين
تحيا النفوس بريّاها، إذا نفحت،وخرّشت بين أوراق الرّياحين
سقيا لتلك القصور الشاهقات وماتخفي من البقر الإنسيّة العين
تستنّ دجلة فيما بينها، فترىدهم السّفين تعالى كالبراذين
مناظر ذات أبواب مفتّحة،أنيقة بزخاريف وتزيين
فيها القصور التي تهوي، بأجنحة،بالزائرين إلى القوم المزورين
من كلّ حرّاقة تعلو فقارتها،قصر من الساج عال ذو أساطين
وقدم عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس إلى بغداد فرأى كثرة الناس بها فقال: ما مررت بطريق من طرق هذه المدينة إلّا ظننت أن الناس قد نودي فيهم، ووجد على بعض الأميال بطريق مكة مكتوبا:
أيا بغداد يا أسفي عليك!متى يقضى الرجوع لنا إليك؟
قنعنا سالمين بكلّ خير،وينعم عيشنا في جانبيك
ووجد على حائط بجزيرة قبرص مكتوبا:
فهل نحو بغداد مزار، فيلتقيمشوق ويحظى بالزيارة زائر
إلى الله أشكو، لا إلى الناس، إنهعلى كشف ما ألقى من الهمّ قادر
وكان القاضي أبو محمد عبد الوهّاب بن علي بن نصر المالكي قد نبا به المقام ببغداد فرحل إلى مصر، فخرج البغداديون يودّعونه وجعلوا يتوجعون لفراقه، فقال: والله لو وجدت عندكم في كل يوم مدّا من الباقلّى ما فارقتكم، ثم قال:
سلام على بغداد من كلّ منزل،وحقّ لها منّي السلام المضاعف
فو الله ما فارقتها عن قلى لها،وإني بشطّي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليّ برحبها،ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخلّ كنت أهوى دنوّه،وأخلاقه تنأى به وتخالف
ولما حج الرشيد وبلغ زرود التفت إلى ناحية العراق وقال:
أقول وقد جزنا زرود عشيّة،وكادت مطايانا تجوز بنا نجدا
على أهل بغداد السلام، فإننيأزيد بسيري عن ديارهم بعدا
وقال ابن مجاهد المقري: رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: دعني مما فعل الله بي، من أقام ببغداد على السّنّة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة، وعن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي، ﵁: أيا يونس دخلت بغداد؟ فقلت: لا، فقال: أيا يونس ما رأيت الدنيا ولا الناس، وقال طاهر بن المظفّر بن طاهر الخازن:
سقى الله صوب الغاديات محلّةببغداد، بين الخلد والكرخ والجسر
هي البلدة الحسناء، خصّت لأهلهابأشياء لم يجمعن مذ كنّ في مصر
هواء رقيق في اعتدال وصحّة،وماء له طعم ألذّ من الخمر
ودجلتها شطّان قد نظما لنابتاج إلى تاج، وقصر إلى قصر
ثراها كمسك، والمياه كفضّة،وحصباؤها مثل اليواقيت والدّر
قال أبو بكر الخطيب: أنشدني أبو محمد الباقي قول الشاعر:
دخلنا كارهين لها، فلماألفناها خرجنا مكرهينا
فقال يوشك هذا أن يكون في بغداد، قيل وأنشد لنفسه في المعنى وضمنه البيت:
على بغداد معدن كلّ طيب،ومغنى نزهة المتنزّهينا:
سلام كلما جرحت بلحظعيون المشتهين المشتهينا
دخلنا كارهين لها، فلماألفناها خرجنا مكرهينا
وما حبّ الديار بنا، ولكنأمرّ العيش فرقة من هوينا
قال محمد بن عليّ بن حبيب الماوردي: كتب إليّ أخي من البصرة وأنا ببغداد:
طيب الهواء ببغداد يشوّقنيقدما إليها، وإن عاقت معاذير
وكيف صبري عنها، بعد ما جمعتطيب الهواءين ممدود ومقصور؟
وقلّد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر اليمن، فلما أراد الخروج قال:
أيرحل آلف ويقيم إلف،وتحيا لوعة ويموت قصف؟
على بغداد دار اللهو منّيسلام ما سجا للعين طرف
وما فارقتها لقلى، ولكنتناولني من الحدثان صرف
ألا روح ألا فرج قريب،ألا جار من الحدثان كهف
لعلّ زماننا سيعود يوما،فيرجع آلف ويسر إلف
فبلغ الوزير هذا الشعر فأعفاه، وقال شاعر يتشوق بغداد:
ولما تجاوزت المدائن سائرا،وأيقنت يا بغداد أني على بعد
علمت بأنّ الله بالغ أمره، وأن قضاء الله ينفذ في العبد وقلت، وقلبي فيه ما فيه من جوى، ودمعي جار كالجمان على خدّي: ترى الله يا بغداد يجمع بيننا فألقى الذي خلّفت فيك على العهد؟
وقال محمد بن عليّ بن خلف النيرماني:
فدى لك يا بغداد كل مدينةمن الأرض، حتى خطّتي ودياريا
فقد طفت في شرق البلاد وغربها،وسيّرت خيلي بينها وركابيا
فلم أر فيها مثل بغداد منزلا،ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرقّ شمائلا،وأعذب ألفاظا، وأحلى معانيا
وقائلة: لو كان ودّك صادقالبغداد لم ترحل، فقلت جوابيا:
يقيم الرجال الموسرون بأرضهم،وترمي النوى بالمقترين المراميا
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع