من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
في ذمّ بغداد
قد ذكره جماعة من أهل الورع والصلاح والزهّاد والعبّاد، ووردت فيها أحاديث خبيثة، وعلّتهم في الكراهية ما عاينوه بها من الفجور والظلم والعسف، وكان الناس وقت كراهيتهم للمقام ببغداد غير ناس زماننا، فأما أهل عصرنا فأجلس خيارهم في الحشّ وأعطهم فلسا فما يبالون بعد تحصيل الحطام أين كان المقام، وقد ذكر الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ من ذلك قدرا كافيا، وكان بعض الصالحين إذا ذكرت عنده بغداد يتمثل:
قل لمن أظهر التنسّك في الناس وأمسى يعدّ في الزّهّاد:
الزم الثغر والتواضع فيه،ليس بغداد منزل العبّاد
إن بغداد للملوك محلّ،ومناخ للقارئ الصياد
ومن شائع الشعر في ذلك:
بغداد أرض لأهل المال طيّبة،وللمفاليس دار الضّنك والضيق
أصبحت فيها مضاعا بين أظهرهم،كأنني مصحف في بيت زنديق
ويروى للطاهر بن الحسين قال:
زعم الناس أن ليلك يا بغداد ليل يطيب فيه النسيم
ولعمري ما ذاك إلّا لأن خالفها، بالنهار، منك السّموم
وقليل الرّخاء يتّبع الشدة، عند الأنام، خطب عظيم
وكتب عبد الله بن المعتز إلى صديق له يمدح سرّ من رأى ويصف خرابها ويذم بغداد: كتبت من بلدة قد أنهض الله سكانها وأقعد حيطانها، فشاهد اليأس فيها ينطق وحبل الرجاء فيها يقصر، فكأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر، وقد تمزقت بأهلها الديار، فما يجب فيها حقّ جوار، فحالها تصف للعيون الشكوى، وتشير إلى ذم الدنيا، على أنها وإن جفيت معشوقة السّكنى، وحبيبة المثوى،
كوكبها يقظان، وجوّها عريان، وحصباؤها جوهر، ونسيمها معطّر، وترابها أذفر، ويومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنيء، وشرابها مريء، لا كبلدتكم الوسخة السماء، الومدة الماء والهواء، جوها غبار، وأرضها خبار، وماؤها طين، وترابها سرجين، وحيطانها نزوز، وتشرينها تموز، فكم من شمسها من محترق، وفي ظلّها من عرق، صيقة الديار، وسيئة الجوار، أهلها ذئاب، وكلامهم سباب، وسائلهم محروم، وما لهم مكتوم، ولا يجوز إنفاقه، ولا يحل خناقه، حشوشهم مسايل، وطرقهم مزابل، وحيطانهم أخصاص، وبيوتهم أقفاص، ولكل مكروه أجل، وللبقاع دول، والدهر يسير بالمقيم، ويمزج البؤس بالنعيم، وله من قصيدة:
كيف نومي وقد حللت ببغداد، مقيما في أرضها، لا أريم
ببلاد فيها الركايا، عليهن أكاليل من بعوض تحوم
جوها في الشتاء والصيف دخّان كثيف، وماؤها محموم
ويح دار الملك التي تنفح المسك، إذا ما جرى عليه النسيم
كيف قد أقفرت وحاربها الدّهر، وعين الحياة فيها البوم
نحن كنا سكانها، فانقضى ذالك عنا، وأي شيء يدوم
وقال أيضا:
أطال الهمّ في بغداد ليلي،وقد يشقى المسافر أو يفوز
ظللت بها، على رغمي، مقيماكعنّين تعانقه عجوز
وقال محمد بن أحمد بن شميعة البغدادي شاعر عصري فيها:
ودّ أهل الزوراء زور، فلاتغترر بالوداد من ساكنيها
هي دار السلام حسب، فلا يطمع منها، إلّا بما قيل فيها
وكان المعتصم قد سأل أبا العيناء عن بغداد وكان سيّء الرأي فيها، فقال: هي يا أمير المؤمنين كما قال عمارة بن عقيل:
ما أنت يا بغداد إلّا سلح،إذا اعتراك مطر أو نفح،
وإن جففت فتراب برح
وكما قال آخر:
هل الله من بغداد، يا صاح، مخرجي،فأصبح لا تبدو لعيني قصورها
وميدانها المذري علينا ترابهاإذا شحجت أبغالها وحميرها
وقال آخر:
أذمّ بغداد والمقام بها،من بعد ما خبرة وتجريب
ما عند سكّانها لمختبطخير، ولا فرجة لمكروب
يحتاج باغي المقام بينهمإلى ثلاث من بعد تثريب:
كنوز قارون أن تكون له،وعمر نوح وصبر أيوب
قوم مواعيدهم مزخرفةبزخرف القول والأكاذيب
خلّوا سبيل العلى لغيرهم،ونافسوا في الفسوق والحوب
وقال بعض الأعراب:
لقد طال في بغداد ليلي، ومن يبتببغداد يصبح ليله غير راقد
بلاد، إذا ولّى النهار، تنافرتبراغيثها من بين مثنى وواحد
ديازجة شهب البطون، كأنهابغال بريد أرسلت في مذاود
وقرأت بخط عبيد الله بن أحمد بن جخجخ قال أبو العالية:
ترحّل فما بغداد دار إقامة،ولا عند من يرجى ببغداد طائل
محلّ ملوك سمتهم في أديمهم،فكلهم من حلية المجد عاطل
سوى معشر جلّوا، وجلّ قليلهميضاف إلى بذل النّدى، وهو باخل
ولا غروان شلّت يد الجود والندىوقلّ سماح من رجال ونائل
إذا غطمط البحر الغطامط ماؤهفليس عجيبا أن تفيض الجداول
وقال آخر:
كفى حزنا، والحمد لله أنّنيببغداد قد أعيت عليّ مذاهبي
أصاحب قوما لا ألذّ صحابهم،وآلف قوما لست فيهم براغب
ولم أثو في بغداد حبّا لأهلها،ولا أنّ فيها مستفادا لطالب
سأرحل عنها قاليا لسراتها،وأتركها ترك الملول المجانب
فإن ألجأتني الحادثات إليهمفأير حمار في حرامّ النوائب
وقال بعضهم يمدح بغداد ويذمّ أهلها:
سقيا لبغداد ورعيا لها،ولا سقى صوب الحيا أهلها
يا عجبا من سفل مثلهم،كيف أبيحوا جنّة مثلها
وقال آخر:
اخلع ببغداد العذارا،ودع التنسّك والوقارا
فلقد بليت بعصبةما إن يرون العار عارا
لا مسلمين ولا يهود ولا مجوس ولا نصارى
وقدم بعض الهجريّين بغداد فاستوبأها وقال:
أرى الريف يدنو كل يوم وليلة،وأزداد من نجد وساكنه بعدا
ألا إن بغدادا بلاد بغيضةإليّ، وإن أمست معيشتها رغدا
بلاد ترى الأرواح فيها مريضة،وتزداد نتنا حين تمطر أو تندى
وقال أعرابيّ مثل ذلك:
ألا يا غراب البين ما لك ثاوياببغداد لا تمضي، وأنت صحيح؟
ألا إنما بغداد دار بليّة،هل الله من سجن البلاد مريح؟
وقال أبو يعلى بن الهبّارية أنشدني جدّي أبو الفضل محمد بن محمد لنفسه:
إذا سقى الله أرضا صوب غادية،فلا سقى الله غيثا أرض بغداد
أرض بها الحرّ معدوم، كأنّ لهاقد قيل في مثل: لا حرّ بالوادي
بل كلّ ما شئت من علق وزانيةومستحدّ وصفعان وقوّاد
وقال أيضا أبو يعلى بن الهبارية: أنشدني معدان التغلبي لنفسه:
بغداد دار، طيبها آخذنسيمه مني بأنفاسي
تصلح للموسر لا لامرئيبيت في فقر وإفلاس
لو حلّها قارون ربّ الغنى،أصبح ذا همّ ووسواس
هي التي توعد، لكنهاعاجلة للطاعم الكاسي
حور وولدان ومن كلّ ماتطلبه فيها، سوى الناس
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع