تجاوز إلى المحتوى

من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

المُقَطَّمُ

بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الطاء المهملة وفتحها، وميم: وهو الجبل المشرف على القرافة مقبرة فسطاط مصر والقاهرة، وهو جبل يمتد من أسوان وبلاد الحبشة على شاطئ النيل الشرقي حتى يكون منقطعه طرف القاهرة ويسمى في كل موضع باسم وعليه مساجد وصوامع للنصارى لكنه لا نبت فيه ولا ماء غير عين صغيرة تنزّ في دير للنصارى بالصعيد، وقد ذكر قوم أنه جبل الزبرجد، والله أعلم، والذي يتصوّر عندي أن هذا اسم أعجميّ فإن كان عربيّا فهو من القطم وهو العضّ بأطراف الأسنان، والقطم: تناول الحشيش بأدنى الفم، فيجوز أن يكون المقطّم الذي قطم حشيشه أي أكل لأنه لا نبات فيه، أو يكون من قولهم فحل قطم وهو شدّة اغتلامه فشبّه بالفحل الأغلم لأنه اغتلم أي هزل فلم يبق فيه دسم، وكذلك هذا الجبل لا ماء فيه ولا مرعى، قال الهنائيّ: المقطم مأخوذ من القطم وهو القطع كأنه لما كان منقطع الشجر والنبات سمي مقطّما، قلت: وهذا شيء لم أكن وقعت عليه عند ما استخرجته وذكرته قبل، ثم وقع لي قول الهنائي فقارب ما ذهبت إليه، والله أعلم والحمد لله على التوفيق وإيّاه أسأل الهداية في جميع ما أعتمده إلى سواء الطريق، وظهر لي بعد وجه آخر حسن وهو أن هذا الجبل كان عظيما طويلا ممتدّا وله في كل موضع اسم يختصّ به فلما وصل إلى هذا الموضع قطم أي قطع عن الجبال فليس بعده إلا الفضاء، هذا من طريق اللغة، وأما أهل السير فقال القضاعي: سمي بالمقطم بن مصر ابن بيصر وكان عبدا صالحا انفرد بعبادة الله تعالى في هذا الجبل فسمي به، وليس بصحيح لأنه لا يعرف لمصر ابن اسمه المقطّم، وروى عبد الرحمن بن عبد الحكم عن الليث بن سعد قال: سأل المقوقس عمرو ابن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار فتعجّب عمرو من ذلك وقال: أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه أن سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي أرض لا تزرع ولا يستنبط فيها ماء ولا ينتفع بها؟ فقال: إنّا نجد صفتها في الكتب وأنها غراس الجنة، فكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر: إنّا لا نجد غراس الجنة إلا للمؤمنين فاقبر فيها من مات قبلك من المؤمنين ولا تبعه بشيء، فكان أول من قبر فيها رجل من المعافر يقال له عامر فقيل عمرت، فقال المقوقس لعمرو:

ما على هذا عاهدتني، فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم يدفن فيه النصارى، وقبر في مقبرة المقطم من أصحاب رسول الله، ﷺ، عمرو ابن العاص وعبد الله بن الحارث الزّبيدي وعبد الله ابن حذافة السهمي وعقبة بن عامر الجهني، وقد

روي عن كعب أنه قال: جبل مصر مقدّس وليس بمصر غيره، وقد ذكره أيمن بن خزيم في قوله يمدح بشر بن مروان:

ركبت من المقطّم في جمادى،إلى بشر بن مروان، البريدا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
ولو أعطاك بشر ألف ألفرأى حقّا عليه أن يزيدا

وقال الوزير الكامل أبو القاسم الحسين بن علي المغربي وكان الحاكم قتل أهله بمصر:

إذا كنت مشتاقا إلى الطفّ تائقاإلى كربلا فانظر عراض المقطّم
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
ترى من رجال المغربيّ عصابةمضرّجة الأوساط والصدر بالدّم

وقال أيضا يرثي أباه وعمّه وأخاه:

تركت على رغمي كراما أعزّةبقلبي وإن كانوا بسفح المقطّم
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
أراقوا دماهم ظالمين وقد دروا،وما قتلوا غير العلى والتكرّم
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
فكم تركوا محراب آي معطّلا،وكم تركوا من خيمة لم تتمّم
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال شاعر يرثي إسحاق بن يحيى بن معاذ بن مسلم الجبلي والي مصر من قبل المتوكل وكان بها في سنة:

سقى الله ما بين المقطّم فالصّفا،صفا النيل، صوب المزن حين يصوب
وما بي أن تسقى البلاد وإنماأحاول أن يسقى هناك حبيب
فإن كنت يا إسحاق غبت فلم تؤبإلينا وسفر الموت ليس يؤوب
فلا يبعدنك الله ساكن حفرةبمصر عليها جندل وجبوب

وقد ذكره المتنبي فقال يخاطب كافورا الإخشيدي:

ولو لم تكن في مصر ما سرت نحوهابقلب المشوق المستهام المتيّم
ولا نبحت خيلي كلاب قبائلكأن بها في الليل حملات ديلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
ولا اتّبعت آثارها عين قائففلم تر إلا حافرا فوق منسيم
وسمنا بها البيداء حتى تغمّرتمن النيل واستذرت بظلّ المقطّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الميم والقاف وما يليهما

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.