تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

ما كان في يد الفرنج

حصن ابن عكار - وحصن الاكراد - وشقيف تيرون فأما حصن ابن عكار فطوله سبعون درجة وعشرون دقيقة، وعرضه أربع وثلاثون درجة وخمس عشرة دقيقة.

ويغلب على ظني أنه محدث البناء، لأني لم أجد له ذكراً فيما طالعته من كتب التواريخ المتقدمة في التأليف. والذي وصل علمي أليه، ووقف اطلاعي عليه، أن بانيه محرز بن عكار، ولم يزل في يد عقبة إلى أن ملكه منهم أسدُ الدولة صالح بن مرداس في سنة " ست " عشرة وأربعمائة.

ولم يزال في يده إلى أن قتل على " الأقحوانة " بالأردن في سنة عشرين وأربعمائة، فاستولى عليه متولّي أطرابلس من قبل الظاهر ابن الحاكم صاحب مصر.

ولم تزل بأيدي نواب العُبيديين إلى أن تغلبت التركُ على الشام، وملك تاج الدولة تتش دمشق، فاستولى عليه. وصار في أيديهم إلى أن سلمه ظهير الدين طغتكن الأتابك للفرنج سنة ثلاث وخمسمائة، مصانعة، بعد أن ملكوا أطرابلس وعجز عن دفعهم عن البلاد المجاورة لدمشق.

ووقعت بينهم الهدنة على أن يكن حصن مصياف وحصن الأكراد، داخلين في الموادعة، ويحمل أهلها مالا معينا في كل سنة على الفرنج فأقاموا على ذلك مدة يسيرة ثم غدروا وعادوا إلى عادتهم من العيث والفساد.

وأما حصن الأكراد فحكى منتجب الدين يحيى بن أبي طيء النجار الحلبي في تاريخه، في سبب نسبته إلى الأكراد: أن شبل الدولة نصر بن مرداس صاحب حمص أسكن فيه قوما من الأكراد في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة فنسب إليهم، وكان من قبل يسمى " حصن السفح ". طوله سبعون درجة وخمس وعشرون دقيقة، وعرضه أربع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة.

ولم أطلع بعد سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة على شيء من أخباره إلى أن كانت أيام الأتابك ظهير الدّين طغتكن بدمشق، وقعت الهدنة التي قدمنا ذكرها.

ثم خرج بعدها طنكريد صاحب إنطاكية في حشده وجنده، فنزل على حصن الأكراد، فتسلمه من أهله في بقية سنة ثلاث وخمسمائة.

ولم تزل الفرنج في هذا الحصن غير مكترثين بالجيوش، ولو كانوا في أكثر من القطر عدداً. وأغزر من البحر مدداً. يشنون منه الغارات. ويدركون الثارات. ويتوقلون منهما في الرافعة برجيْ سماء. ويتسلطون بهما على استنزال مولانا السلطان الظاهر، فأنهد إليهما عزمات تُباري الرياح الهوج. ويقصر عمّا يناله أيدي فتكاتها عوج. فأوطأ غوريهما ونجديهما رجاله وخيله. ودأب في قتالهما نهاره وليلة. حتى أخذ من فيه بالنواصي. وأنزلهم من أحسن القلاع والصياصي.

شرح الحال في ذلك: نزل - أيده الله بنصره - على حصن الأكراد، يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب، ونصب أسواره المجانيق. وكانت له ثلاث أسوار وثلاث باشورات وواصل الحصار إلى أن هدم الأسوار يوم الأربعاء العشرين من الشهر.

ثم أخذت إحدى الباشورات في الحادي والعشرين، وتأخر ما بقي منها لترادف الأمطار، إلى أن فُتحت الثانية، يوم السبت سابع شعبان، وتعرف " بالحدادية ".

ثم فُتحت يوم الأحد الخامس عشر من شعبان، على يد نقابي الملك السعيد ومباشرة ملك الأمراء بدر الدين بيليك الخزندار.

ثم دخلت العساكر الحصن بالسيف، وقتلوا من فيه من الإسبتار، وأسروا الجبلية، وعفا عن الفلاحين لعمارة البلاد.

فلما رأى أهل القلعة ما حل بأهل البلد، طلبوا الأمان، فأجيبوا. وتسلمها مولانا السلطان يوم الاثنين خامس وعشرين شعبان. وخرج من فيها إلى أطرابلس يسر الله فتحها.

ثم رحل السلطان بعد أن ترك عليه الأمير عز الدين أيبك الأفرم لعمارة أسواره، وولى فيه نائبا، ونزل على حصن ابن عكار، يوم الثلاثاء ثالث عشري شهر رمضان، وكان به قوم من الفرنج سفهاء لا يفترون عن قول القبيح فنصب عليه المجانيق، ورماه بحجارتها من يومه.

وفي اليوم الثاني من نزوله، وصل المولى الصاحب بهاء الدين، وأنا معه في خدمته من دمشق. وكان خروجه منها يوم الخميس تاسع عشري الشهر. فلما لقي السلطان سُر به، وقال له: " ببركات قدومك تفتح هذا الحصن " وأمر أن تضرب خيمتُه قريباً من خيمته.

ثم اجتمعت به وقلت له: " استعجل مولانا الصاحب في المجيء من دمشق، والقلعة حصينة يطول المقام عليها ". فقال لي: " طيبْ قلبك ما نعيد حتى يأخذها مولانا السلطان ". وتقدم السلطان للأمراء بقطع الأحطاب من الشَّعاري للنقوب، ونقل الحجارة من المجانيق. وجدّ في القتال، ودأب في النزال إلى أن رمى بالمجانيق الذي كان منصوباً، قبالة البرج الشرقي، حجارة عديدة فتحت طاقة في جانب البدنة، وذلك يوم الأحد ثاني عشري التاسع والعشرين، فخرج منهم رسول يطلب لهم الأمان ودام تردّده إلى أن استقر والقاعدة إلى أن يأمنهم من القتل ويمكنهم من الوصول إلى أطرابلس.

وتسلم مولانا السلطان الحصن ورفعت سناجقه عليه، وسألوه أن يبيتوا في القلعة، فأجابهم. وخرجوا بكرة الثلاثاء سلخ الشهر، وسيرهم السلطان بأجمعهم صحبة الأمير بدر الدين بيسري، فأوصلهم إلى أطرابلس.

ثم دخل الحصن وأشرف عليه، ورتب فيه نواباً وأمره بحمل المجانيق إلى حصن الأكراد، فحملها الأجناد على أكتافهم، لأن الأمطار ترادفت فلم يكن للجمال نهوض على الأرض خوفاً من الزلق في اللَّثَق.

وعيََّد السلطان عيد الفطر يوم الأربعاء، ثم رحل إلى " بُرج صافيتا "، حتى تكامل عسكره. وكان هذا الحصن صغيراً فلما أطلق ريدَ افرنس من الأسر سنة ثمان وأربعين، عاد إلى الساحل وطاف بلاده، فرأى هذا الحصن فاستصغره، فزاد فيه زيادة كثيرة من ناحية الجنوب، ورفع بناءه وهو على جبل يحيط به جبال مشرفة عليه، والله أعلم.

وهو بيد مولانا السلطان الملك الظاهر رُكن الدين إلى تاريخنا هذا. ثم انتقل إلى ولده الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة بحكم وفاته - قدس الله روحه -.

فلما خرج المُلْكُ عن الملك السعيد إلى أخيه الملك العادل سيف الدين سلامش ليلة الاثنين ثامن ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين، صار الملك العادل إلى أن جلس السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي العلائي على تخت الملك يوم الثلاثاء حادي شهر رجب الفرد سنة ثمان وسبعين، فاستمرّ بيده.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسمُ الثاني منَ الكِتاب في ذكر ما هُو خارج عن دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.