تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

فاتحة الكتاب (٢)

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله

الحمد لله المعين على المقاصد السديدة، والهادي إلى مظان الإرادات الرشيدة، والموفق لما يرام من المعارف المفيدة، والمرشد إلى الاعتبار بحوادث الدهور المبيدة. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه صلاة تضمن من الفضل مزيده، وتحصل للمثابر عليها نعما عديدة.

وبعد: فقد كنا قدمنا فيما سلف من كتابنا ذكر الشام، وتنقل بلاده في أيدي الملوك والأمراء نحن عاطفون عليه بذكر الجزيرة، ومن ملكها أولا وأخيرا إلى حين خروجها عن أيدي المسلمين إلى أيدي التتار - أنقذها الله منهم -.

ونختم بذكر الموصل وإن لم تكن من الجزيرة، وإنما ساقنا إلى ذكرها المجاورة والمصاقبة، ولأنها كانت معدودة في الولايات الجزرية في صدر الإسلام في أيام بني أمية وبعض ملوك بني العباس.

ذكر متأخرو المؤرخين المعنيين بتحديد الأسقاع أن الجزيرة تعرف بجزيرة أثور لمدينة كانت بها تسمى بهذا الاسم آثارها باقية قريبا من الموصل وإليها ينسب الملوك الآثوريين من الجرامقة، ملوك الجزيرة والموصل.

وسميت جزيرة لأنها بين نهري الفرات ودجلة وهي تشتمل عندهم على ثلاثة أسقاع: أحدها: ديار ربيعة.

والثاني: ديار مضر.

والثالث: ديار بكر.

فأما ديار ربيعة ففيها من البلاد ممايلي بلاد الموصل: بلد وأذرمة ونصيبين - وهي القصبة - ودارا والخابور ورأس العين وسنجار وجزيرة بني " عمر ".

وأما ديار مضر: فحران - وهي القصبة -، والرها والرقة وسروج.

وأما ديار بكر فأمهات بلادها: ميافارقين وأرزن وآمد، وماردين.

وفي خلل هذه البلاد " بلاد " أخر أرضبنا عن ذكرها لصغرها، وكنها لم يستبد بها ملك، وإنما كانت تنتقل في أيدي المتغلبين على الأسقاع، كما سنبين فيما يأتي إن شاء الله.

وأما من تقدم من مصنفي المسالك والممالك كابن خرداذبه وابن واضح فإنهم لم يفصلوها هذا التفصيل؛ بل جعلوها سقعا واحدا سموه: ديار ربيعة؛ إلا أن ابن واضح عد في كورها كورة " بلد " وبازبدي، وجزيرة الأكراد وأظنها - والله أعلم - جزيرة بني عمر لأن الأكراد كثيرا ماينتابونها، وينتجعونها لقضاء أوطارهم، وكورة باعر بابا وكورة سنجار وكورة كفر توثا.

وعد ابن خرداذبة فيها: برقعيد وطورعبدين وقرقيسيا.

وسبب هذا الاختلاف تداول أيدي الملوك عليها، وتغلب بعضهم على بلاد بعض. وقد رأينا أن نعول على القول الأول، فإنه أشمل وأعلم.

ونذكرها منذ فتحت، وانتقلت في أيدي الملوك بلدا بلدا، وموضعها من المعمور في الأقاليم: الرابع - حسب الاستطاعة الممنوحة من ذي القوة والحول، والإفضال والطول -.

فتحت الجزيرة على يد عياض بن غنم بن زهير ابن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب " بن ضبة " ابن الحارث بن فهر.

كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص: إن الله ﵎ فتح على المسلمين الشام والعراق فابعث من قبلك جندا من العراق إلى الجزيرة، وأمر عليه خالد بن عرفطة، أو هاشم ابن عتبة، أو عياض بن غنم. فلما انتهى إليه كتاب عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما أخر أمير المؤمنين عياض بن غنم إلا أنه له فيه رأي أن أوليه، وأنا موليه، فبعثه وبعث معه جيشا، فيه أبو موسى الأشعري وابنه عمر بن سعد، وهو غلام حدث السن، وعثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي، وذلك في سنة تسع عشرة.

فخرج عياض إلى الجزيرة، فنزل بجنده على الرها فصالحه أهلها على الجزيرة.

وصالحت حران حين صالحت الرها على مثل ذلك.

وقرأت في تاريخ ابن الأثير قال: وكان فتح الجزيرة في سنة سبع عشرة على يد عياض بن غنم " الربعي ".

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر الجزيرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.