من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)
ذكر حصن الهجوم
حدثني أبو علي أحمد بن علي بن آدم البزلي قال: كان حصن الهجوم جبل مدور في وسط قاع صفصف فجاء الأنباط وهم من نسل اليونانيين النصارى ويقال الروم وقد بقى من تذاكيرهم طي القنوات ومجاري الأعين وحجر الطواحين التي يطحن عليها القرظ لأجل دباغة الأديم. قال الراوي: ودور كل حجر منها ثمانية أذرع في الارتفاع إلى سبعة أذرع. وليس هذا من عمل العرب لأنهم لا يتدبر لهم فيه عمل ولا يستدبر لهم في أيديهم ولا يتصور في خواطرهم بل هذا وما أشبهه من عمل الجبابرة وحكمة الأوائل. وما ذكرت ذلك الأحكام إلا لما نذكره من بناء الحصن وذلك أن الأنباط جاءوا وبنوا حول الجبل الحجر المنقوش المربع طول كل حجر منه سبعة أذرع في عرض ثلاثة أذرع ولا زال القوم في بنائه إلى أن حاذى البناء ذروة الجبل، فلما استتم البناء به على حسب المراد بما أراد الفكر بنوا بعده الأسوار والأبراج وهو على وضع ما تقدم ذكره. وركب عليه باب واحد وحفر في داخل القلعة بئر عظيم فظهر في البئر مع تمام الحصن الوافر ماء يحاكي الشهد في حلاوته والماء ورد في رائحته وعين الحيوة في صفاته. فلما دار الدهور بالسنين والشهور ارتدم ما بين الأمة من التقارب والاتصال تقاربت بهم الآجل وتباعدت عنهم الأحوال إلى أن أظهر الله ﷿ الإسلام ففتحها النبي (بالسيف. وبقى الحصن على حاله إلى أن وصل ملك الحجاز إلى الأمير عز الدين أبي قتادة بن إدريس فأمر بهدم الحصن فهدم خوف أن لا يعصيه فيه أحد من الأعراب ويبقى الحصن خراب إلى الآن خراب إلى الآن ويسمى عند أهلها حصن الغراب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع