تجاوز إلى المحتوى

من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)

ذكر قصر غمدان

أوّل من ابتدأ في بنائه سام بن نوح ﵇ لمّا بنى صنعاء، ويقال سليمان بن داود ﵉ لمّا دخل اليمن يتزوج بلقيس. وكانت التبابعة من ملوك اليمن لهم رغبة نفيسة وهمة عالية في عمارته وكل ملك تولى منهم كان يعلى قصرا على قصر حتى ارتفعت تلك القصور اثنين وسبعين سقفا ويقال ثلاثة وتسعين سقفا. وآخر من بني به اسعد الكامل ويقال اسعد الخزاعي قصر من الزجاج وهو الخاتمة. وأنشدني عبد الله بن داري بن أبي بكر العنبري ليلة الأحد الخامس من صفر سنة ثلاث وعشرين وستمائة:

لا يأخذ الثأر إلا كابن ذي يزنإذ صير البحر للأعداء أحوالا
إني هرقلاً وقد شالت نعامتهفلم يجد عنده النصر الذي سال
ثم أثني نحوي كسرى بعد سابعةمن السنين يهين النفس والمالا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمهمتخالفهم فوق متن الأرض أجبالا
للشاعر أبو الصلت الثقفي، اقرأ القصيدة
غلب أساورة بيض مزاربةأسد تربب في غيطان أشبالا
لله درهم من عصب صبرما إنّ رأيت لهم في الناس أمثالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقدأضحى وشيكهم في الأرض فلالا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن»
فالطط بمسك إذا شالت نعامتهموأسبل اليوم في برديك إسبالا
واشرب هنيئاً عليك التاج مترفقاًفي رأس غمدان دارا منك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبنشيئاً بماء فعاد بعد أبوالا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن»

حدثني قاضي الجبل من آل الصليحي قال: حدثني رجل سمع من لفظ أبي محمد عبد الله بن حمزة الحسيني قال: إنّ أواخر في قصر غمدان كان يصل إلى وادي الظهر قلت: كم يكون بينهم من مسافة؟ قال: مثل من زبيد إلى الزريبة ومن زبيدة إلى الزريبة مقدار فرسخ زائد لا ناقص. قال أبن المجاور: ولا شك إنّه كان يصل في القصر إلى وادي إذا قربت الشمس للغروب لان في مثل ذلك الحين يكون الظل والفيء إلى أن يرجع مثل الشيء ثلاثة أربع مرات كما يقال بنيانه بل ضياء سرجه كان ينظر من المدائن وقيل إلى مدينة. وبقي القصر على حاله إلى أيام خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قعد بعض الليالي بظاهر المدينة إذ نظر في الجو شيئا يضيء سبه كوكب درى فسال عنه فقال بعض من حضر مجلس أمير المؤمنين وفي خدمته: إنّ ضوء هذا ضوء شمعة تشعل على أعلى قصر غمدان بصنعاء فأمر بهدمه فهدم. فالآن بقي تل عظيم وقد بني موضع القصر بدر الدين حسن بن علي بن رسول قيصر عظيم الهيكل سنة ثمان عشرة وستمائة. حدّثني يحيى بن علي بن عبد الرحمن الزراد قال: ما بنى قصر غمدان إلا امرأة تسمى الزباء وأمرت أن يجعل فوق كل قصر قصر طويل كل قصر أربعين ذراعا بالعمرى في عرض مثله في ارتفاع مثله. قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد اللغوي الازدي في ذلك:

واستنزل الزباء قصراً وهي منعقاب لوح الجو أعلى منتما
وسيف استعملت به همتهحتى رمى ابعد شأو المرتمى
فخرج الاحوش سما نافعاواحتل من غمدان محراب الدما

وقد ذكر المسعود في كتاب مروج الذهب إنّ قصر غمدان يعمر ثانية احسن مما كان في الأول.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر أسماء مكة وصفاتها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.