من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)
صفة صنعاء
صفة شرب أهل صنعاء من غيل البرمكي وقد تقدم ذكره موافق لمن شربه. واهويتها بارة تشبه اهوية خرسان موافق لجميع البضائع لم يضر شيئا وخاصة الزعفران تبقى فيها ما شاء الله. ويوجد بها من جميع الأثمار والتفاح والمشمش والأجاص والسفرجل والعنب والتين والكمثرى والورد والنرجس والياسمين وسائر المشمومات والرياحين والبقول.
حدّثني قيصر مولى جمال الدين والدولة جوهر إنّه يباع بها الفجل مشقق أربع، قلت: ولم؟ قال: لأنّه وجد امرأة تستعمله فلم بشرح حالها والي المدينة فأمر إنّ لا يباع الفجل إلا مشقق وأسسوها سنة. ويجمد بها الماء، حدثني سليمان بن منصور قال: إنّ الماء يجمد على الورا والكرابي ولم يبان من أبدانهم سوى رءوسهم، فحينئذ يأتي درين وهو الثعلب علي الجليد يقطع رءوس الطيور. قال أبن المجاور: وهذا شيء لان كل بدن فيه الروح لم يجمد عليه شيء لان حرارة الغريزة تغلب البرودة ولم يجمد الماء إلا على شيء مات لان طبع الحياة حار لين وطبع الموت بارد يابس، فإذا كان الأمر على ذلك لم يستقم قوله ولا يستعين فعل درين. وأهلها من نسل العجم خرجوا من الحبوس والقيود في دولة يزدجرد بن شهريار بن بهرام ويقال كسرى بن قباد مع سيف بن ذي يزن لاستفتاح اليمن من الحبوش، وحكايتهم مشهورة مذكورة في كتاب مسطور. وليس بجميع اليمن مدينة اكبر ولا اكثر موافقة وأهلاً من صنعاء، وهو بلد في حدّ الاستواء سواء وهو من الاعتدال في الهوى بحيث لا يترك الإنسان من مكان واحد طول عمره صيف وشتاء، وتتقارب ساعات الشتاء والصيف. وكان لها بالأعظم خرب.
فصل خرج أهل اليمن في أيام سعد الخزاعي وهو من جملة التبابعة لاستفتاح المغرب فلما استفتحوها طابت لهم سكناها، ومن جملتها مدينة صنهاجة. ولمّا كسر النبي (الأصنام من الكعبة سرقت بنو مقبل لمناة ادخلوه الهند وتفرقوا بأعمال البلد سكنوها. وتنصرت بنو جفنة في أيام أمير المؤمنين عمر أبن الخطاب ﵁ لأجل لطمة دخل بعضهم إلى القسطنطينية وإلى بلاد الادعوان وهم مناجمين أهل المغرب. وفيهم قال أبو تمام، ولمّا دعا اسحق بن إبراهيم ﵇ لولده يعقوب بالنبوة اغتاظ العبص دخل حرز الافرنج مع جماعة من بني إسرائيل توطنوها فولد الإفرنج منهم. وبنو عجل أخرجهم ربيعة والأصح المرقعة اسكنوها خراسان. وصار ملك خوزستان على الرعية انتقلوا إلى أعمال الكر سكنوها. وخرج جيش عرب من بني تميم في أيام عمر بن عبد العزيز بن مروان استفحلوا السند فلما طابت لهم سكنوها فظهر منهم الكوكر والحمت والسه وحاجر. وخرج جيش من إنطاكية في أيام عبد الملك بن مروان إلى المغرب فلما طابت لهم سكنوها ظهر منهم الملئمين، ويقال انهم من نسل مظلوم بن الصحصاح بن جندب الكلابي في الترجمة وهم من أخيار وكبار خوارزم أخذهم السلطان محمود بن سبكتكين نفاهم إلى أرض الهند فلما طابت لهم سكنوها. ولمّا خرجت الاباضية على علي بن أبي طالب بأرض اليمن من أعمال العراق ولوا الأدبار ولا زال السيف ورائهم إلى إنّ عبرهم البحر سكنوا إقليم عمان. وأهل طرابلس المغرب وتحولوا في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ إلى باري وتولية. وبنو كنانة اخرجوا الإفرنج من عسقلان وسكنوها فلما تخربت تفرقوا في أكناف البلاد. وبنو حية خرجوا من الشام في أيام دولة الإمام أبي عبد الله جعفر المنصور وسكنوا المغرب. ولمّا غزا بخت نصر بني إسرائيل الشام سكنوا اليهود نهر السبت مما يلي ظهر الحجاز. ولمّا قويت صلة السلطان معز الدنيا والدين أبو المظفر محمد بن سالم على الخوارزمية نزل من نيسابور ألف رجل مكتفين الأيدي مكشفين الرؤوس حفاة مشنقين في حبال المنجنيقات شتت شملهم ومزق جمعهم في أقاصي إقليم الهند. ولمّا قويت شوكة السلطان علاء الدين أبو الفتح محمد بن تكش على الخطأ والتتار ساق منهم من أراد وأسكنهم أعمال كرمسل. ولمّا قويت شوكت الترك على السلطان علاء الدين محمد نقلوا المسلمين من خراسان إلى بغداد وأوراق الشجر والقصران إلى أن عبرهم سيحون. شعر:
خليلي نومي عن جفوني مسهدوقل اصطباري بعدهم والتجلدُ
فقلبي عن الأحباب لا يقبل العزاوجفني قريح بالدمع مسهدُ
وإني حزين كلما مر ذكرهمبنو لكم بعضي وبعضي مفردُ
لئن جمعت بيني الليالي وبينكموعاد زمان الوصل بالوصل مسعدُ
أصوم لوجه الله دهري تطوعاوألصق وجهي بالتراب وأسجدُ
وبعض أهل صنعاء وجميع أهل المشرق على مذهب الزيدية وهو مذهب الأمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وينسلخ من الزيدية المخترعة والمطرقة وهم الذين يقال لهم الصالحية والجارودية لبسهم الخام لبرودة البلاد ولبس شبابهم الفتوحى والله اعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع