من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)
صفة هذه الأعمال (٢)
مساكن شداد وعاد والتبابعة والجبابرة، بناؤهم بالحجر والرخام والرصاص وشيء منها نقر في الجبال كما قال الله ﷿: (وتنحتون من الجبال بيوتا آمنين). ويقال إنّه كان يلين لهم الحجر في العام شهر زمان والأصح عشرة أيام ففي هذه المدة كانوا يعلمون منه ما أرادوا، فلما كفروا بنعمة الله ﷿ خسف بهم وتفرق شملهم وتشتتوا في أقاصي الربع المسكون وأدنى البحر المعمور شرقا وغربا وشمالاً وجنوبا. كما قال أبو نواس الحسن بن هانئ المعروف بالمذحجي في ذلك:
في فتية كالسيوف هزهمشرخ شباب وزانهم أدب
لمّا أراب الزمان فاقتسمواأيدي سبأ في البلاد فأنشعبوا
لم يخلف الدهر مثلهم أبداًعلى هناتٍ لشأنهم عجب
لمّا تيقنت إنّ روحهمليس لها ما حييت منقلب
أبليت صبرا لم يبله أحدوأقسمتني مأرب شعب
فرجعت الدور قبور والمساكن مساكن فاردمت بعضها على بعض. وتقلعت النخيل والأشجار وطلع بدله العشر والأراك وسكنت البدوان ببيوتها الشعر وصارت الإبل ترعى بين عامر الخراب وتشرب ظباؤها من الندا، والسراب لبئس الشراب، وساءت مرتفقاً كما قال بعضهم في المعنى:
يا صاحبي قفا المطي قليلايشفي العليل من الديار غليلا
هذهي طلولهم اطعن صبابتيوتركن قلبي من عراي طلولا
ولئن خلت منهم مرابعهم فقدغادرن قلبي بالغرام أهيلا
لو أن عبسهم غداة رحيلهمحملن وجدي ما أطقن رحيلا
إنّ الظعائن يوم جزع مفحشأبقين لي جزاع بها وعويلا
من كل رثم لا عديل لحسنهارحلت فكانوا للفؤاد عليلا
كالبدر وجها والغزال سوالفاوالرمل ردفا والقناة ذبولا
ولآخر يقول:
يا قلب هل منك إن سليت سلوانأم أنت في غمرات الحب ولهان
ولله ما طاب لي عيش أسر بهحتى يعود أصحابي كما كانوا
هيهات بانوا فلا والله ما طمعتنفسي بقربكم من بعد ما بانوا
يا لهف نفسي على عيش نعمت بهأيام لي فيه أوطار وأوطان
أقسمت ما سر قلبي بعد فرقتهمخلق ولا لاح للإنسان إنسان
يسمى هذا الإقليم إقليم العواهل وهو بالطول من نجران إلى بيجان وبالعرض من روضة نسر إلى حضر موت.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع