تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

سعيد بن العاصي وابنه عمرو وحفيده سعيد

ومن الخطباء: سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية. قال:

وقيل لسعيد بن المسيّب: من أبلغ الناس؟ قال: رسول الله صلّى الله عليه وآله. فقيل: ليس عن هذا نسألك. قال: معاوية وابنه، وسعيد وابنه، وما كان ابن الزبير دونهم، ولكن لم يكن لكلامه طلاوة.

فمن العجب أن ابن الزبير قد ملأ دفاتر العلماء كلاما، وهم لا يحفظون لسعيد بن العاص وابنه من الكلام إلا ما لا بال له.

وكان سعيد جوادا، ولم ينزع قميصه قط، وكان أسود نحيفا، وكان يقال له «عكة العسل». وقال الحطيئة:

سعيد فلا يغررك قلة لحمهتخدّد عنه اللحم فهو صليب

وكان أول من خشّ الإبل في نفس عظم الأنف. وكان في تدبيره اضطراب. وقال قائل من أهل الكوفة:

يا ويلنا قد ذهب الوليدوجاءنا مجوعا سعيد

ينقص [في] الصّاع ولا يزيد

قال: الأمراء تتحبب إلى الرعية بزيادة المكاييل، ولو كان المذهب في الزيادة في الأوزان كالمذهب في زيادة المكاييل ما قصروا، كما سأل الأحنف عمر بن الخطاب الزيادة في المكاييل. ولذلك اختلفت أسماء المكاييل، كالزيادي والفالج، والخالدي. حتى صرنا إلى هذا الملجم اليوم.

ثم من الخطباء: عمرو بن سعيد، وهو الأشدق، يقال إن ذلك إنما قيل لتشادقه في الكلام. وقال آخرون: بل كان أفقم مائل الذقن، ولذلك قال عبيد الله بن زياد حين أهوى إلى عبد الله بن معاوية: يدك عني يا لطيم الشيطان، ويا عاصي الرحمن. وقال الشاعر:

وعمرو لطيم الجنّ وابن محمدبأسوأ هذا الأمر يلتبسان
للشاعر عوانة بن الحكم الكلبي، اقرأ القصيدة

ذكر ذلك عن عوانة. وهذا خلاف قول الشاعر:

تشادق حتى مال بالقول شدقهوكل خطيب لا أبا لك أشدق

وقال: وقد كان معاوية قد دعا به في غلمة من قريش، فلما استنطقه قال: «إن أول كل مركب صعب، وإن مع اليوم غدا». وقال له: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: إن أبي أوصى إليّ ولم يوص بي قال: وبأي شيء أوصاك؟ قال: بألا يفقد إخوانه منه إلا شخصه. قال: فقال معاوية عند ذلك: إن ابن سعيد هذا لأشدق. فهذا يدل عندهم على أنه إنما سمي بالأشدق لمكان التشادق.

ثم كان بعد عمرو بن سعيد، سعيد بن عمرو بن سعيد، وكان ناسبا خطيبا، وأعظم الناس كبرا. وقيل له عند الموت: إن المريض ليستريح إلى الأنين، وإلى أن يصف ما به إلى الطبيب. فقال:

أجاليد من ريب المنون فلا ترىعلى هالك عينا لنا الدهر تدمع

ودخل على عبد الملك مع خطباء قريش وأشرافهم، فتكلموا من قيام.

وتكلم وهو جالس، فتبسم عبد الملك وقال: لقد رجوت عثرته، ولقد أحسن حتى خفت عثرته.

فسعيد بن عمرو بن سعيد، خطيب ابن خطيب ابن خطيب.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.