من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ما قالوا فيه من الحديث الحسن الموجز المحذوف، القليل الفضول
قال الشاعر:
لها بشر مثل الحرير ومنطقرقيق الحواشي لا هراء ولا نزر
وقال ابن أحمر:
تضع الحديث على مواضعهوكلامها من بعده نزر
وقال الآخر:
حديث كطعم الشهد حلو صدورهوإعجازه الخطبان دون المحارم
وقال بشار بن برد:
أنس غرائر ما هممن بريبةكظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من أنس الحديث زوانياويصدهن عن الخنا الإسلام
ولبشار أيضا:
وكأن [رصف] حديثهاقطع الرياض كسين زهرا
وتخال ما جمعت عليهـ ثيابها ذهبا وعطرا
وكأن تحت لسانهاهاروت ينفث فيه سحرا
ولبشار العقيلي:
وفتاة صبّ الجمال عليهابحديث كلذة النشوان
وقال الأخطل:
فأسرين خمسا ثم أصبحن غدوةيخبّرن أخبارا ألذّ من الخمر
وقال بشار:
وحديث كأنه قطع الروض وفيه الصفراء والحمراء
وأخبرنا عامر بن صالح أن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى امرأته، وعنده إخوان له، بهذه الأبيات:
إن عندي أبقاك ربّك ضيفاواجبا حقّهم كهولا ومردا
طرقوا جارك الذي كان قدمالا يرى من كرامة الضيف بدّا
فلديه أضيافه قد قراهموهم يشتهون تمرا وزبدا
فلهذا جرى الحديث ولكنقد جعلنا بعض الفكاهة جدا
وأنشد الهذلي:
كرّوا الأحاديث عن ليلى إذا بعدتإن الأحاديث عن ليلى لتلهيني
وقال الهذلي أيضا:
وإن حديثا منك لو تبذلينهجنى النحل أو ألبان عوذ مطافل
مطافيل أبكار حديث نتاجهاتشاب بماء مثل ماء المفاصل
العوذ: جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت، فإذا مشى ولدها فهي مرشح فإذا تبعها فهي متلية، لأنه يتلوها. وهي في هذا كله مطفل. فإن كان أول ولد ولدته فهي بكر. ماء المفاصل فيه قولان: أحدهما أن المفاصل ما بين الجبلين واحدها مفصل، وإنما أراد صفاء الماء، لأنه ينحدر عن الجبال، لا يمر بطين ولا تراب. ويقال إنها مفاصل البعير. وذكروا أن فيها ماء له صفاء وعذوبة.
وفي الكلام الموزون يقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
إلزم الصمت إن في الصمت حكماوإذا أنت قلت قولا فزنه
وقال أبو ذؤيب:
وسرب يطلّى بالعبير كأنهدماء ظباء بالنحور ذبيح
بذلت لهن القول إنك واجدلما شئت من حلو الكلام، مليح
السرب: الجماعة من النساء والبقر والطير والظباء. ويقال: فلان آمن السرب، بفتح السين، أي آمن المسلك. ويقال فلان واسع السرب وخلي السرب، أي المسالك والمذاهب. وإنما هو مثل مضروب للصدر والقلب. وعن الأصمعي:
فلان واسع السرب، مكسور، أي واسع الصدر، بطيء الغضب.
وأنشد للحكم بن ريحان، من بني عمرو بن كلاب:
يا أجدل الناس إن جادلته جدلاوأكثر الناس إن عاتبته عللا
كأنما عسل رجعان منطقهاإن كان رجع كلام يشبه العسلا
وقال القطامي:
وفي الخدور غمامات برقن لناحتى تصيّدننا من كل مصطاد
يقتلننا بحديث ليس يعلمهمن يتقين ولا مكنونه بادي
فهن ينبذن من قول يصبن بهمواقع الماء من ذي الغلّة الصادي
ينبذن: يلقين. الغلة والغليل: العطش الشديد. والصادي: العطشان أيضا، والاسم الصّدى. وأنشد للأخطل:
شمس إذا خطل الحديث أوانسيرقبن كلّ مجذّر تنبال
أنف كأن حديثهن تنادمبالكأس كلّ عقيلة مكسال
الشّمس: النوافر. والتنبال: القصير. والأنف: جمع آنفة، وهي المنكرة للشيء غير راضية. العقيلة: المصونة في أهلها. وعقيلة كل شيء خيرته. والمكسال: ذات الكسل عن الحركة.
وقال أبو العميثل عبد الله بن خليد:
لقيت ابنة السهميّ زينب عن عفرونحن حرام مسي عاشرة العشر
وإني وإياها لحتم مبيتناجميعا، ومسرانا مغذ وذو فتر
فكلمتها ثنتين كالثلج منهماعلى اللوح والأخرى أحرّ من الجمر
يقال: ما يلقانا إلا عن عفر، أي بعد مدة. مسي: أي وقت المساء.
يقال أغذّ السير، إذا جد فيه وأسرع. واللوح بالفتح: العطش، يقال لاح الرجل يلوح لوحا، والتاح يلتاح التياحا، إذا عطش. واللوح بالفتح أيضا الذي يكتب فيه. واللوح بالضم: الهواء، يقال: «لا أفعل ذلك ولو نزوت في اللوح»، أو «حتى تنزو في اللوح».
وأنشد:
وإنّا لنجري بيننا حين نلتقيحديثا له وشي كحبر المطارف
حديث كطعم القطر في المحل يشتفىبه من جوى في داخل القلب لاطف
المحل: الجدب، وسنة محول. وأمحل البلد فهو ماحل وممحل، وزمان ماحل وممحل. الجوى ها هنا: شدة الحب حتى يمرض صاحبه.
لاطف: لطيف. وأنشد للشماخ بن ضرار الثعلبي:
يقر بعيني أن أنبأ أنهاوإن لم أنلها أيّم لم تزوّج
وكنت إذا لاقيتها كان سرّناوما بيننا مثل الشواء الملهوج
يريد أنهما كانا على عجلة من خوف الرقباء. والملهوج: المعجل الذي لم ينتظر به النضج.
وقال جران العود:
فنلنا سقاطا من حديث كأنهجنى النحل أو أبكار كرم يقطف
حديثا لو أن البقل يولى بمثلهزها البقل واخضرّ العضاه المصنّف
زها: بدا زهره. العضاه: جمع عضة، وهي كل شجرة ذات شوك، إلا القتادة فإنها لا تسمى عضة.
وقال الكميت بن زيد:
وحديثهن إذا التقينتهانف البيض الغرائر
وإذا ضحكن عن العذابلنا المسفات الثواغر
كان التهلل بالتبسملا القهاقه بالقراقر
التهانف: تضاحك في هزء. الغرائر: جمع غريرة، وهي المرأة القليلة الخبرة، الغمرة. والعذاب، يريد الثغر. والمسفات: اللثات التي قد أسفّت بالكحل أو بالنؤور، وذلك أن تغرز بالإبرة ويذر عليها الكحل فيعلوها حوة.
والتهلل، يقال تهلل وجهه، إذا أشرق وأسفر. وقال الآخر:
ولما تلاقينا جرى من عيوننادموع كففنا غربها بالأصابع
ونلنا سقاطا من حديث كأنهجنى النحل ممزوجا بماء الوقائع
سقاط الحديث: ما نبذ منه ولفظ به. يقال ساقطت فلانا الحديث سقاطا. الوقائع والوقيع: مناقع الماء في متون الصخور، الواحدة وقيعة.
وقال أشعث بن سميّ:
هل تعرف المبدأ إلى السنامناط به سواحر الكلام
كلامها يشفي من السقام
المبدأ وسنام: موضعان. ناط به: أي صار إليه.
وقال الراجز ووصف عيون الظباء بالسحر وذكر قوسا فقال:
صفراء فرع خطموها بوترلأم ممرّ مثل حلقوم النغر
حدت ظبات أسهم مثل الشررفصرّعتهن بأكناف الحفر
حور العيون بابليات النظريحسبها الناظر من وحش البشر
اللام من كلّ شيء: الشديد. والممر: المحكم الفتل، وحبل مرير مثله. النغر: البلبل. والظبات: ظبة، وهي حد السيف والسنان وغيرهما.
وقال آخر:
وحديثها كالقطر يسمعهراعي سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حياويقول من طمع هيا ربّا
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع