من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
ذم النوك
وكانوا يعيبون النّوك والعيّ والحمق، وأخلاق النساء والصبيان. قال الشاعر:
إذا ما كنت متخذا خليلافلا تثقن بكلّ أخي إخاء
وإن خيرت بينهم فألصقبأهل العقل منهم والحياء
فإن العقل ليس له إذا ماتفاضلت الفضائل من كفاء
وإن النوك للأحساب داءوأهون دائه داء العياء
ومن ترك العواقب مهملاتفأيسر سعيه سعي العناء
فلا تثقنّ بالنوكي لشيءوإن كانوا بني ماء السماء
فليسوا قابلي أدب فدعهموكن من ذاك منقطع الرجاء
وقال آخر في التضييع والنّوك:
ومن ترك العواقب مهملاتفأيسر سعيه أبدا تباب
فعش في جدّ أنوك ساعدتهمقادير يخالفها الصواب
ذهاب المال في حمد وأجرذهاب لا يقال له ذهاب
وقال آخر في مثل ذلك:
أرى زمنا نوكاه أسعد أهلهولكنما يشقى به كلّ عاقل
مشى فوقه رجلاه والرأس تحتهفكبّ الأعالي بارتفاع الأسافل
وقال الآخر:
فلم أر مثل الفقر أوضع للفتىولم أر مثل المال أرفع للرّذل
ولم أر عزّا لامرىء كعشيرةولم أر ذلا مثل نأي عن الأصل
ولم أر من عدم أضر على امرىءإذا عاش وسط الناس من عدم العقل
وقال آخر:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهمولاقهم بالنوك فعل أخي الجهل
وخلّط إذا لاقيت يوما مخلّطايخلّط في قول صحيح وفي هزل
فإني رأيت المرء يشقى بعقلهكما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
وقال آخر:
وأنزلني طول النوى دار غربةإذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله
فحامقته حتى يقال سجيةولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
وقال بشر بن المعتمر:
وإذا الغبي رأيته مستغنياأعيا الطبيب وحيلة المحتال
وأنشدني آخر:
وللدهر أيام فكن في لباسهكلبسته يوما أجدّ وأخلقا
وكن أكيس الكيسي إذا ما لقيتهموإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا
وأنشدني آخر:
ولا تقربي يا بنت عمي بوهةمن القوم دفناسا غبيا مفّندا
وإن كان أعطى رأس ستين بكرةوحكما على حكم وعبدا مولدا
ألا فاحذري لا توردنّك هجمةطوال الذرى جبسا من القوم قعددا
وأنشدني آخر:
كسا الله حيّي تغلب ابنة وائلمن اللؤم أظفارا بطيئا نصولها
إذا ارتحلوا عن دار ضيم تعاذلواعليها وردوا وفدهم يستقيلها
وأنشدني آخر:
وإن عناء إن تفهّم جاهلاويحسب جهلا أنه منك أفهم
وقال جرير:
ولا يعرفون الشر حتى يصيبهمولا يعرفون الأمر إلا تدبّرا
وقال الأعرج المعني الطائي:
لقد علم الأقوام إن قد فررتمولم تبدؤهم بالمظالم أولا
فكونوا كداعي كرة بعد فرةألا ربّ من قد فر ثمّت أقبلا
فإن أنتم لم تفعلوا فتبدلوابكل سنان معشر الغوث مغزلا
واعطوهم حكم الصبي بأهلهوإني لأرجو أن يقولوا بأن لا
ويقال: «أظلم من صبي» و «أكذب من صبي» و «أخرق من صبي».
وأنشد:
ولا تحكما حكم الصبي فإنهكثير على ظهر الطريق مجاهله
قال: وسئل دغفل بن حنظلة، عن بني عامر فقال: «أعناق ظباء، وأعجاز نساء». قيل: فما تقول في أهل اليمن؟ قال: «سيّد وأنوك».
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع