من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
لقمان بن عاد
وكانت العرب تعظم شأن لقمان بن عاد الأكبر والأصغر لقيم بن لقمان في النباهة والقدر، وفي العلم والحكم، وفي اللسان والحلم. وهذان غير لقمان الحكيم المذكور في القرآن على ما يقوله المفسرون. ولارتفاع قدره وعظم شأنه، قال النمر بن تولب:
لقيم بن لقمان من أختهفكان ابن أخت له وابنما
ليالي حمّق فاستحصنتعليه فغر بها مظلما
فغرّ بها رجل محكمفجاءت به رجلا محكما
وذلك أن أخت لقمان قالت لأمرأة لقمان: إني امرأة محمقة، ولقمان رجل محكم منجب، وأنا في ليلة طهري، فهبي لي ليلتك. ففعلت فباتت في بيت امرأة لقمان، فوقع عليها فأحبلها بلقيم، فلذلك قال النمر بن تولب ما قال:
والمرأة إذا ولدت الحمقى فهي محمقة، ولا يعلم ذلك حتى يرى ولد زوجها من غيرها أكياسا.
وقالت امرأة ذات بنات:
وما أبالي أن أكون محمقهإذا رأيت خصية معلّقه
وقال آخر:
أزرى بسعيك أن كنت امرأ حمقامن نسل ضاوية الأعراق محماق
ضاوية الأعراق، أي ضعيفة الأعراق نحيفتها. يقال رجل ضاو، وفيه ضاوية، إذا كان نحيفا قليل الجسم. وجاء في الحديث: «اغتربوا لا تضووا». أي لا يتزوج الرجل القرابة القريبة، فيجيء ولده ضاويا. والفعل منه ضوي يضوى ضوى. والأعراق: الأصول. والمحماق: التي عادتها أن تلد الحمقى.
ولبغضهم البنات قالت إحدى القوابل:
أيا سحاب طرّقي بخيروطرّقي بخصية وأير
ولا ترينا طرف البظير
وقال الآخر في إنجاب الأمهات، وهو يخاطب بني أخوته:
عفاريتا عليّ وأخذ ماليوعجزا عن أناس آخرينا
فهلا غير عمكم ظلمتمإذا ما كنتم متظلمينا
فلو كنتم لكيّسة أكاستوكيس الأم أكيس للبنينا
ولكن أمكم حمقت فجئتمغثاثا ما نرى فيكم سمينا
وكان لنا فزارة عمّ سوءوكنت له كشر بني الأخينا
ولبغض البنات هجر أبو حمزة الضبّي خيمة امرأته، وكان يقيل ويبيت عند جيران له، حين ولدت امرأته بنتا، فمرّ يوما بخبائها وإذا هي ترقصها وتقول:
ما لأبي حمزة لا يأتينايظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنيناتالله ما ذلك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أعطيناونحن كالأرض لزارعينا
ننبت ما قد زرعوه فينا
قال: فغدا الشيخ حتى ولج البيت فقبل رأس امرأته وابنتها.
وهذا الباب يقع في كتاب الإنسان، وفي فصل ما بين الذكر والأنثى، تاما، وليس هذا الباب مما يدخل في باب البيان والتبيين، قد يجري السبب فيجري معه بقدر ما يكون تنشيطا لقارىء الكتاب، لأن خروجه من الباب إذا طال لبعض العلم، كان ذلك أروح على قلبه، وأزيد في نشاطه إن شاء الله.
وقد قال الأول في تعظيم شأن لقيم بن لقمان:
قومي أصبحيني فما صيغ الفتى حجرالكن رهينة أحجار وأرماس
قومي اصبحيني فإن الدهر ذو غيرأفنى لقيما وأفنى آل هرماس
اليوم خمر ويبدو في غد خبروالدهر من بين إنعام وابآس
فاشرب على حدثان الدهر مرتفعالا يصحب الهم قرع السن بالكاس
وقال أبو الطمحان القينيّ في ذكر لقمان:
إن الزمان ولا تفنى عجائبهفيه تقطع ألّاف وأقران
أمست بنو القين أفراقا موزعةكأنهم من بقايا حيّ لقمان
وقد ذكرت العرب هذه الأمم البائدة، والقرون السالفة. ولبعضهم بقايا قليلة، وهم أشلاء في العرب متفرقون مغمورون، مثل جرهم وجاسم ووبار، وعملاق، وأميم، وطسم وجديس، ولقمان والهرماس، وبني الناصور وقيل بن عتر، وذي جدن. وقد يقال في بني الناصور إن أصلهم من الروم، فأما ثمود فقد خبر الله ﷿ عنهم فقال: وثمودا فما أبقى، وقال: فهل ترى لهم من باقية. فأنا أعجب من مسلم يصدق بالقرآن، يزعم أن قبائل العرب من بقايا ثمود.
وكان أبو عبيدة يتأول قوله: وَثَمُودَ فَما أَبْقى
، إن ذلك إنما وقع على الأكثر، وعلى الجمهور الأكبر. وهذا التأويل أخرجه من أبي عبيدة سوء الرأي في القوم، وليس له أن يجيء إلى خبر عام مرسل غير مقيد وخبر مطلق غير مستثنى منه، فيجعله خاصا كالمستثنى منه. وأي شيء بقي لطاعن أو متأول بعد قوله: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ
. فكيف يقول ذلك إذا كنا نحن قد نرى منهم في كل حي باقية. معاذ الله من ذلك.
ورووا أن الحجاج قال على المنبر يوما: تزعمون أنّا من بقايا ثمود، وقد قال الله ﷿: وَثَمُودَ فَما أَبْقى.
فأما الأمم البائدة من العجم، مثل كنعان ويونان وأشباه ذلك، فكثير ولكن العجم ليس لها عناية بحفظ شأن الأموات ولا الأحياء.
وقال المسيّب بن علس، في ذكر لقمان:
وإليك أعملت المطية منسهل العراق وأنت بالفقر
أنت الرئيس إذا هم نزلواوتواجهوا كالأسد والنمر
لو كنت من شيء سوى بشركنت المنور ليلة البدر
ولأنت أجود بالعطاء من الريان لما جاد بالقطر
ولأنت أشجع من أسامة إذنقع الصراخ ولج في الذعر
ولأنت أبين حين تنطق منلقمان لما عيّ بالأمر
وقال لبيد بن ربيعة الجعفري:
واخلف قسا ليتني ولو أننيوأعيا على لقمان حكم التدبر
فإن تسألينا كيف نحن فإنناعصافير من هذا الأنام المسحّر
السحر: الرئة. والمسحر: المعلل بالطعام والشراب. والمسحر: المخدوع كما قال أمرؤ القيس:
أرانا موضعين لأمر غيبونسحر بالطعام وبالشراب
أي نعلل. فكأنا نخدع ونسحر بالطعام والشراب.
وقال الفرزدق:
لئن حومتي هابت معدّ حياضهالقد كان لقمان بن عاد يهابها
وقال الآخر:
إذا ما مات ميت من تميمفسرك أن يعيش فجىء بزاد
بخبز أو بلحم أو بتمرأو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوّف الآفاق حرصاليأكل رأس لقمان بن عاد
وقال أفنون التغلبي:
لو أنني كنت من عاد ومن إرمربيت فيهم ولقمان وذي جدن
وقال الآخر:
ما لذة العيش والفتىللدهر والدهر ذو فنون
أهلك طسما وقبل طسمأهلك عادا وذا جدون
وأهل جاس ومأرب بعد حيّ لقمان والتقون
واليسر للعسر، والتغنّيللفقر، والحي للمنون
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع