من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
مديح قوة العارضة
وكانوا يمدحون شدة العارضة، وقوة المنة، وظهور الحجة، وثبات الجنان، وكثرة الريق، والعلو على الخصم، ويهجون بخلاف ذلك.
قال الشاعر:
طباقاء لم يشهد خصوما ولم يعشحميدا ولم يشهد حلالا ولا عطرا
وقال أبو زبيد الطائيّ:
وخطيب إذا تمعرت الأوجه يوما في مأقط مشهود
طباقاء، يقال للبعير إذا لم يحسن الضراب: جمل عياياء، وجمل طباقاء. وهو ها هنا للرجل الذي لا يتجه للحجة. الحلال: الجماعات.
ويقال حي حلال إذا كانوا متجاورين مقيمين. والعطر هنا: العرس المأقط: الموضع الضيق، والمأقط: الموضع الذي يقتتل فيه. وقال نافع بن خليفة الغنوي:
وخصم لدى باب الأمير كأنهمقروم فشا فيها الزوائر والهدر
دلفت لهم دون المنى بملمةمن الدرّ في أعقاب جوهرها شذر
إذا القوم قالوا أدن منها وجدتهامطبّقة يهماء ليس لها خصر
القروم: الجمال المصاعب. الزوائر: الذين يزثرون. والهدر: صوته عند هيجه، ويقال له الهدير. دلفت، أي نهضت نهوضا رويدا. والدليف:
المشي الرويد. قوله أدن منها، أي قللها واختصرها. وجدتها مطبقة، أي قد طبقتهم بالحجة. واليهماء: الأرض التي لا يهتدى فيها الطريق. ويهماء ها هنا، يعني التي لا يهتدي إليها ويضل الخصوم عندها، (والأيهم من الرجال: الحائر الذي لا يهتدي لشيء. وأرض يهماء، إذا لم يكن فيها علامة).
وقال الأسلع بن قصاف الطّهويّ:
فداء لقومي كل معشر حارمطريد ومخذول بما جرّ مسلم
هم أفحموا الخصم الذي يستقيدنيوهم فصموا حجلي وهم حقنوا دمي
بأيد يفرّجن المضيق وألسنسلاط وجمع ذي زهاء عرمرم
إذا شئت لم تعدم لدى الباب منهمجميل المحيا واضحا غير توأم
الزهاء: الكثرة، ها هنا. والعرموم من العرامة، وهي الشراسة والشدة.
التوأمان: الأخوان المولودان في بطن.
وقال التميميّ في ذلك:
أما رأيت الألسن السلاطاإن الندى حيث ترى الضغاطا
والجاه والأقدام والنشاطا
ذهب في البيت الأخير إلى قول الشاعر:
يسقط الطير حيث ينتثر الحبّ وتغشى منازل الكرماء
وإلى قول الآخر:
يرفضّ عن بيت الفقير ضيوفهوترى الغنى يهدي لك الزوارا
وأنشدوا في المعنى الأول:
وخطيب قوم قدموه أمامهمثقة به متخمّط تيّاح
جاوبت خطبته فظل كأنهلما خطبت مملّح بملاح
المتخمط: المتكبر مع غضب. والتياح المتيح: الذي يعرض في كل شيء ويدخل فيما لا يعنيه. وقوله مملّح بملاح، أي متقبّض كأنه ملح من الملح.
وأنشد أيضا:
أرقت لضوء برق في نشاصتلألأ في مملأة غصاص
النشاص: السحاب الأبيض المرتفع بعضه فوق بعض، وليس بمنبسط.
تلألأ، التلألؤ: ظهور البرق في سرعة. مملأة بالماء غصاص: قد غصت بالماء.
لواقح دلّح بالماء سحمتمج الغيث من خلل الخصاص
اللواقح: التي قد لقحت من الريح. والدلح: الدانية الظاهرة المثقلة بالماء. سحم: سود. والخصاص، ها هنا: خلل السحاب.
سل الخطباء هل سبحوا كسبحيبحور القول أو غاصوا مغاصي
لساني بالنثير وبالقوافيوبالأسجاع أمهر في الغواص
(النثير: الكلام المنثور. القوافي: خواتم أبيات الشعر. الأسجاع:
الكلام المزدوج على غير وزن).
من الحوت الذي في لجّ بحرمجيد الغوص في لجج المغاص
لعمرك إنني لأعف نفسيوأستر بالتكرم من خصاصي
وأنشد لرجل من بني ناشب بن سلامة بن سعد بن مالك بن ثعلبة:
لنا قمر السماء وكل نجميضيء لنا إذا القمران غارا
ومن يفخر بغير ابني نزارفليس بأول الخطباء جارا
وأنشد للأقرع:
إني امرؤ لا أقيل الخصم عثرتهعند الأمير إذا ما خصمه ظلعا
ينير وجهي إذا جد الخصام بناووجه خصمي تراه الدهر ملتمعا
وأنشد:
تراه بنصري في الحفيظة واثقاوإن صدّ عني العين منه وحاجبه
وإن خطرت أيدي الكماة وجدتنينصورا إذا ما استيبس الريق عاصبه
عاصبه: يابسه، يعتصم به حتى يتم كلامه. الكماة: جمع كميّ، والكميّ الرجل المتكمّي بالسلاح، يعني المتكفر به المتستر. ويقال كمى الرجل شهادته يكميها، إذا كتمها وسترها. وقال ابن أحمر وذكر الريق والاعتصام به:
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبهوقد يدوّم ريق الطامع الأمل
وقال الزبير بن العوام، وهو يرقّص عروة ابنه:
أبيض من آل أبي عتيقمبارك من ولد الصدّيق
ألذه كما ألذ ريقي
وقالت امرأة من بني أسد:
ألا بكر الناعي بخير بني أسدبعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
فمن كان يعيا بالجواب فإنهأبو معقل لا حجر عنه ولا صدد
أثاروا بصحراء الثوية قبرهوما كنت أخشى إن تناءى به البلد
تناءى: تبعد. والثوية: موضع بناحية الكوفة. ومن قال الثوية فهي تصغير الثوية.
وقال أوس بن حجر في فضالة بن كلدة:
أبا دليجة من يوصي بأرملةأم من لأشعث ذي طمرين طملال
أم من يكون خطيب القوم إن حفلوالدى الملوك أولي كيد وأقوال
و «هدمين: وهما ثوبان خلقان. يقال ثوب أهدام، إذا كان خلقا.
والطملال: الفقير. وقال أيضا فيه:
ألهفي على حسن آلائهعلى الجابر الحي والحارب
ورقبته حتمات الملوك بين السّرادق والحاجب
ويكفي المقالة أهل الدحال غير معيب ولا عائب
رقبته، أي انتظاره إذن الملوك. وجعله بين السرادق والحاجب ليدل على مكانته من الملوك. وأنشد أيضا:
وخصم غضاب ينغضون رؤوسهمأولي قدم في الشغب صهب سبالها
ضربت لهم أبط الشمال فأصبحتيردّ غواة آخرين نكالها
ابط الشمال، يعني الفؤاد، لأنه لا يكون إلا في تلك الناحية. وقال شتيم بن خويلد:
وقلت لسيدنا يا حليم إنك لم تأس أسوا رفيقا
أعنت عديا على شأوهاتعادي فريقا وتبقي فريقا
زحرت بها ليلة كلهافجئت بها مؤيدا خنفقيقا
تأسو: تداوي، أسوا وأسى، مصدران. والآسي: الطبيب. ومؤيد:
داهية. خنفقيق: داهية أيضا. الشأو: الغلوة لركض الفرس.
وأنشد لآدم مولى بلعنبر، يقولها لابنه:
يا بأبي أنت ويا فوق البئبيا بأبي خصيك من خصي وزب
أنت الحبيب وكذا قول المحبجنبك الله معاريض الوصب
حتى تفيد وتداوي ذا الجربوذا الجنون من سعال وكلب
والحدب حتى يستقيم ذو الحدبوتحمل الشاعر في اليوم العصب
على مباهير كثيرات التعبوإن أراد جدل صعب أرب
خصومة تثقب أوساط الركبأظلعته من رتب إلى رتب
حتى ترى الأبصار أمثال الشهبيرمى بها أشوس ملحاح كلب
مجرب الشدات ميمون مذبّ
الوصب: المرض. والعصب: الشديد. يقال يوم عصب وعصيب وعصبصب، إذا كان شديدا. مباهير: متاعيب قد علاهم البهر. أرب، يقال رجل أريب وأرب، وله أرب، إذا كان عاقلا أديبا حازما. أظلعته يقال ظلع الرجل، إذا خمع في مشيه. الرتبة: واحدة الرتب والرتبات، وهي الدرج.
أي تخرجه من شيء إلى شيء. والأشوس: الذي ينظر بمؤخر عينه.
ملحاح: ملح، من الإلحاح على الشيء. كلب، أي الذي قد كلب.
مذب. أي يذب عن حريمه وعن نفسه.
وقالت ابنة وثيمة، ترثي أباها وثيمة بن عثمان:
الواهب المال التلاد ندى ويكفينا العظيمه
ويكون مدرهنا إذانزلت مجلحة عظيمه
واحمر آفاق السماء ولم تقع في الأرض ديمه
وتعذّر الآكال حتىكان أحمدها الهشيمه
لا ثلة ترعى ولاإبل ولا بقر مسيمه
ألفيته مأوى الأرامل والمدفّعة اليتيمه
والدافع الخصم الألدّإذا تفوضح في الخصومه
بلسان لقمان بن عاد وفصل خطبته الحكيمه
ألجمتهم بعد التدافع والتجاذب في الحكومه
التلاد: القديم من المال. والطارف: المستفاد. والمدره: لسان القوم المتكلم عنهم. مجلحة، أي داهية مصممة. احمرّ آفاق السماء، أي اشتد البرد وقل المطر وكثر القحط. وديمة: واحدة الديم، وهي الأمطار الدائمة مع سكون. تعذر: تمنع. الآكال: جمع أكل، وهو ما يؤكل. والهشيمة: ما تهشم من الشجر، أي وقع وتكسر. الثلة: الضأن الكثيرة، ولا يقال للمعزى ثلة، ولكن حيلة، فإذا اجتمعت الضأن والمعزى قيل لهما ثلة. مسيمة، أي صارت في السوم ودخلت فيه، والسوم: الرعي. وسامت تسوم، أي رعت ترعى. ومنه قول الله: وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع