تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

توشيح الخطب بآي القرآن والأشعار

وكانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل، وفي الكلام يوم الجمع آي من القرآن، فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة، وسلس الموقع.

قال الهيثم بن عديّ: قال عمران بن حطّان: إن أول خطبة خطبتها، عند زياد- أو عند ابن زياد- فأعجب بها الناس، وشهدها عمي وأبي. ثم إني مررت ببعض المجالس، فسمعت رجلا يقول لبعضهم: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن.

وأكثر الخطباء لا يتمثلون في خطبهم الطوال بشيء من الشعر ولا يكرهونه في الرسائل، إلا أن تكون إلى الخلفاء.

وسمعت مؤمّل بن خاقان، وذكر في خطبته تميم بن مرّ، فقال: «إن تميما لها الشرف العود، والعز الأقعس، والعدد الهيضل. وهي في الجاهلية القدام، والذروة والسنام. وقد قال الشاعر:

فقلت له وأنكر بعض شأنيألم تعرف رقاب بني تميم

وكان المؤمّل وأهله يخالفون جمهور بني سعد في المقالة، فلشدة تحدّبه على سعد وشفقته عليهم، كان يناضل عند السلطان كل من سعى على أهل مقالتهم، وإن كان قوله خلاف قولهم، حدبا عليهم.

وكان صالح المريّ، القاص العابد، البليغ، كثيرا ما ينشد في قصصه وفي مواعظه، هذا البيت:

فبات يروّي أصول الفسيلفعاش الفسيل ومات الرجل

وأنشد الحسن في مجلسه، وفي قصصه وفي مواعظه:

ليس من مات فاستراح بميتإنما الميت ميت الأحياء
للشاعر ابن الرعلاء، من قصيدة «ربما ضربة بسيف صقيل»

وأنشد عبد الصمد بن الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، الخطيب القاص السجّاع، أما في قصصه، وأما في خطبة من خطبه، ﵀:

أرض تخيّرها لطيب مقيلهاكعب بن مامة وابن أمّ دواد
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
جرت الرياح على محلّ ديارهمفكأنهم كانوا على ميعاد
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إن الذين بنوا فطال بناؤهم»
فأرى النعيم وكلّ ما يلهى بهيوما يصير إلى بلى ونفاد

وقال أبو الحسن: خطب عبيد الله بن الحسن على منبر البصرة في العيد وأنشد في خطبته:

أين الملوك عن حظّها غفلتحتى سقاها بكأس الموت ساقيها
للشاعر الإمام علي بن أبي طالب، من قصيدة «وصف الجنة»
تلك المدائن بالآفاق خاليةأمست خلاء وذاق الموت بانيها

قال: وكان مالك بن دينار يقول في قصصه: «ما أشد فطام الكبير».

وهو كما قال القائل:

وتروض عرسك بعد ما هرمتومن العناء رياضة الهرم

ومثله أيضا قول صالح بن عبد القدوس:

والشيخ لا يترك أخلاقهحتى يوارى في ثرى رمسه
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
إذا ارعوى عاد إلى جهلهكذي الضنى عاد إلى نكسه
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

وقال كلثوم بن عمرو العتابيّ:

وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدىبلغت بأدنى نعمة تستديمها
ولكن فطام النفس أثقل محملامن الصخرة الصماء حين ترومها
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «وكنت امرءاً لو شئت أن تبلغ الندى»

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.