تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

جعفر بن يحيى

وقال ثمامة بن أشرس: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدوء والتمهل، والجزالة والحلاوة، وافهاما يغنيه عن الإعادة. ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإعادة.

وقال مرة: ما رأيت أحدا كان لا يتحبّس ولا يتوقّف، ولا يتلجلج ولا يتنحنح، ولا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعصّى عليه طلبه، أشد اقتدارا، ولا أقلّ تكلفا، من جعفر بن يحيى.

وقال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويجلي عن مغزاك، وتخرجه عن الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة. والذي لا بد له منه، أن يكون سليما من التكلف، بعيدا من الصنعة، بريئا من التعقد، غنيا عن التأويل.

وهذا هو تأويل قول الأصمعيّ: «البليغ من طبق المفصل، وأغناك عن المفسّر».

وخبرني جعفر بن سعيد، رضيع أيوب بن جعفر وحاجبه، قال: ذكرت لعمرو بن مسعدة، توقيعات جعفر بن يحيى، فقال: قد قرأت لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب وأسافلها فوجدتها أجود اختصارا وأجمع للمعاني.

قال: ووصف أعرابي أعرابيا بالإيجاز والإصابة فقل: «كان والله يضع الهناء مواضع النقب ». يظنون أنه نقل قول دريد بن الصمة، في الخنساء بنت عمرو بن الشريد، إلى ذلك الموضع، وكان دريد قال فيها:

ما إن رأيت ولا سمعت بهفي الناس طالي أينق جرب
متبذلا تبدو محاسنهيضع الهناء مواضع النقب
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «حيوا تماضر واربعوا صحبي»

ويقولون في إصابة عين المعنى بالكلام الموجز: «فلان يفل المحز، ويصيب المفصل». وأخذوا ذلك من صفة الجزار الحاذق، فجعلوه مثلا للمصيب الموجز.

وأنشدني أبو قطن الغنويّ، وهو الذي يقال له شهيد الكرم، وكان أبين من رأيته من أهل البدو والحضر:

فلو كنت مولى قيس عيلان لم تجدعليّ لمخلوق من الناس درهما
للشاعر أبو قَطَن الغَنَوي شهيد الكرم، اقرأ القصيدة
ولكنني مولى قضاعة كلهافلست أبالي أن أدين وتغرما
للشاعر أبو قَطَن الغَنَوي شهيد الكرم، اقرأ القصيدة
أولئك قوم بارك الله فيهمعلى كلّ حال ما أعفّ وأكرما
للشاعر أبو قَطَن الغَنَوي شهيد الكرم، اقرأ القصيدة
جفاة المحز لا يصيبون مفصلاولا يأكلون اللحم إلا تخذما
للشاعر أبو قَطَن الغَنَوي شهيد الكرم، اقرأ القصيدة

يقول: هم ملوك وأشباه الملوك، ولهم كفاة فهم لا يحسنون إصابة المفصل.

وأنشدني أبو عبيدة في مثل ذلك:

وصلع الرؤوس عظام البطونجفاة المحزّ غلاظ القصر

ولذلك قال الراجز:

ليس براعي إبل ولا غنمولا بجزّار على ظهر وضم

وقال الآخر، وهو ابن الزبعري:

وفتيان صدق حسان الوجوهـ لا يجدون لشيء ألم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وفتيان صدق حسان الوجو»
من ال المغيرة لا يشهدون عند المجازر لحم الوضم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وفتيان صدق حسان الوجو»

وقال الراعي في المعنى الأول:

فطبقن عرض القفّ ثم جزعنهكما طبقت في العظم مدية جازر

وأنشد الأصمعي:

وكف فتى لم يعرف السلخ قبلهاتجور يداه في الأديم وتجرح

وأنشد الأصمعي:

لا يمسك العرف إلا ريث يرسلهولا يلاطم عند اللحم في السوق

وقد فسر ذلك لبيد بن ربيعة، وبيّنه وضرب به المثل، حيث قال في الحكم بين عامر بن الطفيل، وعلقمة بن علاثة:

يا هرم بن الأكرمين منصباأنك قد أوتيت حكما معجبا

فطبّق المفصل واغنم طيبا

يقول: احكم بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة بكلمة فصل، وبأمر قاطع، فتفصل بها بين الحق والباطل، كما يفصل الجزار الحاذق مفصل العظمين.

وقد قال الشاعر في هرم:

قضى هرم يوم المريرة بينهمقضاء امرىء بالأولية عالم
قضى ثم ولى الحكم من كان أهلهوليس ذنابي الريش مثل القوادم

ويقال في الفحل إذا لم يحسن الضّراب: جمل عياياء، وجمل طباقاء.

وقالت امرأة في الجاهلية تشكو زوجها: «زوجي عياياء طباقاء، وكل داء له دواء».

حتى جعلوا ذلك مثلا للعيي الفدم، والذي لا يتجه للحجة. وقال الشاعر:

طباقاء لم يشهد خصوما ولم يقدركابا إلى أكوارها حين تعكف

وذكر زهير بن أبي سلمى الخطل فعابه فقال:

وذي خطل في القول يحسب أنهمصيب فما يلمم به فهو قائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»
عبأت له حلما وأكرمت غيرهوأعرضت عنه وهو باد مقاتله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وقال غيره:

شمس إذا خطل الحديث أوانسيرقبن كل مجذّر تنبال

الشمس، مأخوذ من الخيل، وهي الخيل المرحة الضاربة بأذنابها من النشاط. والمجذّر: القصير- والتنبال: القصير الدنيء.

وقال أبو الأسود الدؤلي، وكان من المقدمين في العلم، واسم أبي الأسود ظالم بن عمرو:

وشاعر سوء يهضب القول ظالماكما اقتمّ أعشى مظلم الليل حاطب

يهضب: يكثر. والأهاضيب: المطر الكثير. اقتمّ: افتعل من القمامة.

وأنشد:

أعوذ بالله الأعزّ الأكرممن قولي الشيء الذي لم أعلم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أعوذ بالله الأعز الأكرم»

تخبّط الأعمى الضرير الأيهم

وقال إبراهيم بن هرمة، في تطبيق المفصل- وتلحق هذه المعاني بأخواتها قبل:

وعميمة قد سقت فيها عائراغفلا ومنها عائر موسوم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وعميمة قد سقت فيها عائرا»
طبّقت مفصلها بغير حديدةفرأى العدو غناي حيث أقوم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وعميمة قد سقت فيها عائرا»

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.