من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
ما قيل في الحق والباطل
وقالوا في حسن البيان، وفي التخلّص من الخصم بالحقّ والباطل، وفي تخليص الحق من الباطل، وفي الإقرار بالحق، وفي ترك الفخر بالباطل.
قال أعرابي وذكر حماس بن ثامل فقال:
برئت إلى الرحمن من كلّ صاحبأصاحبه إلا حماس بن ثامل
وظني به بين السماطين أنهسينجو بحق أو سينجو بباطل
وقال العجير السلوليّ:
وإن ابن زيد لابن عمي وإنهلبلّال أيدي جلّة الشول بالدم
طلوع الثنايا بالمطايا وإنهغداة المرادي للخطيب المقدم
يسرك مظلوما ويرضيك ظالماويكفيك ما حملته حين تغرم
الشول: جمع شائلة، وهي الناقة التي قد جف لبنها. وإذا شالت بذنبها بعد اللقاح فهي شائل، وجمعها شوّل. المرادي: المصادم والمقارع، يقال رديت الحجر بصخرة أو بمعول، إذا ضربته بها لتكسره. والمرادة: الصخرة التي يكسر بها الحجارة. وقال ابن ربع الهذلي:
أعين ألا فابكي رقيبة إنهوصول لأرحام ومعطاء سائل
فأقسم لو أدركته لحميتهوإن كان لم يترك مقالا لقائل
وقال بعض اليهود، وهو الربيع بن أبي الحقيق من بني النضير:
سائل بنا خابر أكمائناوالعلم قد يلقى لدى السائل
إنّا إذا مالت دواعي الهوىوأنصت السامع للقائل
واعتلج الناس بألبابهمنقضي بحكم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقا ولانلطّ دون الحق بالباطل
نكره أن تسفه أحلامنافنخمل الدهر مع الخامل
وقال آخر وذكر حماسا أيضا:
أتاني حماس بابن ماه يسوقهليبغيه خيرا وليس بفاعل
ليعطي عبسا مالنا، وصدورنامن الغيظ تغلي مثل غلي المراجل
وقافية قيلت لكم لم أجد لهاجوابا إذا لم تضربوا بالمناصل
فأنطق في حق بحق ولم يكنليرحض عنكم قالة الحق باطلي
ليرحض، أي ليغسل. والراحض: الغاسل. والمرحاض: الموضع الذي يغسل فيه.
وقال عمرو بن معديكرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهمنطقت ولكن الرماح أجرّت
الجرار: عود يعرض في فم الفصيل، أو يشق به لسانه، لئلا يرضع.
فيقول: قومي لم يطعنوا بالرماح فأثني عليهم، ولكنهم فروا فأسكت كالمجرّ الذي في فمه الجرار.
وقال أبو عبيدة: صاح رؤبة في بعض الحروب التي كانت بين تميم والأزد: يا معشر بني تميم، أطلقوا من لساني.
قال: وأبصر رجلا منهم قد طعن فارسا طعنة، فصاح: «لا عيّا ولا شللا!» والعرب تقول: «عي أبأس من شلل». كأن العي فوق كلّ زمانة.
وقالت الجهنيّة:
ألا هلك الحلو الحلال الحلاحلومن عنده حلم وعلم ونائل
وذو خطب يوما إذا القوم أفحمواتصيب مرادي قوله ما يحاول
بصير بعورات الكلام إذا التقىشريجان بين القوم: حق وباطل
أتيّ لما يأتي الكريم بسيفهوإن أسلمته جنده والقبائل
وليس بمعطاء الظلامة عن يدولا دون أعلى سورة المجد قابل
الحلاحل: السيّد. شريجان: جنسان مختلفان في كلّ شيء.
وأنشد أبو عبيدة في الخطيب يطول كلامه، ويكون ذكورا لأول خطبته وللذي بنى عليه أمره، وإن شغب شاغب فقطع عليه كلامه، أو حدث عند ذلك حدث يحتاج فيه إلى تدبير آخر، وصل الثاني من كلامه بالأوّل، حتى لا يكون أحد كلاميه أجود من الآخر، فأنشد:
وإن أحدثوا شغبا يقطّع نظمهافإنك وصّال لما قطع الشغب
ولو كنت نسّاجا سددت خصاصهابقول كطعم الشهد مازجه العذب
وقال نصيب:
وما ابتذلت ابتذال الثوب ودّكموعائد خلقا ما كان يبتذل
وعلمك الشيء تهوى أن تبيّنهأشفى لقلبك من أخبار من تسل
وقال آخر:
لعمرك ما ودّ اللسان بنافعإذا لم يكن أصل المودة في الصدر
وقال آخر:
تعلّم فليس المرء يولد عالماوليس أخو علم كمن هو جاهل
وإنّ كبير القوم لا علم عندهصغير إذا التفت عليه المحافل
وقال آخر:
فتى مثل صفو الماء ليس بباخلعليك ولا مهد ملاما لباخل
ولا قائل عوراء تؤذي جليسهولا رافع رأسا بعوراء قائل
ولا مسلم مولى لأمر يصيبهولا خالط حقا مصيبا بباطل
ولا رافع أحدوثة السوء معجبابها بين أيدي المجلس المتقابل
يرى أهله في نعمة وهو شاحبطوي البطن مخماص الضحى والأصائل
وقالت أخت يزيد بن الطثريّة:
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوريقريبا وقد غالت يزيد غوائله
فتى قدّ قدّ السيف لا متضائلولا رهل لبّاته وبآدله
فتى لا يرى خرق القميص بخصرهولكنما توهي القميص كواهله
إذا نزل الأضياف كان عذوّراعلى الحيّ حتى تستقلّ مراجله
مضى وورثناه دريس مفاضةوأبيض هنديا طويلا حمائله
يسرّك مظلوما ويرضيك ظالماوكل الذي حملته فهو حامله
أخو الجدّ إن جدّ الرجال وشمرواوذو باطل إن شئت ألهاك باطله
يصير هذا الشعر وما أشبهه مما وقع في هذا الباب، إلى الشعر الذي في أول الفصل.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع