من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أقوال بليغة
من القول في المعاني الظاهرة باللفظ الموجز من ملتقطات كلام الناس.
قال بعض الناس: «من التوقي ترك الإفراط في التوقي».
وقال بعضهم: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون».
وقال الشاعر:
قدر الله واردحين يقضى وروده
فأرد ما يكون إنلم يكن ما تريده
وقيل لأعرابي في شكاته: كيف تجدك؟ قال: «أجدني أجد ما لا أشتهي وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان من جاد لم يجد، ومن وجد لم يجد».
وقيل لابن المقفع ألا تقول الشعر؟ قال: الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني.
وقال بعض النساك: «أنا لما لا أرجو أرجى مني لما أرجو».
وقال بعضهم: «أعجب من العجب، ترك التعجب من العجب».
وقال عمر بن عبد العزيز لعبد بني مخزوم: «إني أخاف الله فيما تقلدت». قال: لست أخاف عليك أن تخاف، وإنما أخاف عليك ألا تخاف.
وقال الأحنف لمعاوية: أخافك إن صدقتك، وأخاف الله إن كذبتك.
وقال رجل من النساك لصاحب له وهو يكيد بنفسه: أما ذنوبي فإني أرجو لها مغفرة الله، ولكني أخاف على بناتي الضيعة. فقال له صاحبه: فالذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك.
وقال رجل من النساك لصاحب له: ما لي أراك حزينا؟ قال: كان عندي يتيم أربّيه لأوجر فيه، فمات وانقطع عنا أجره. إذ بطل قيامنا بمؤونته. فقال له صاحبه! فاجتلب يتيما آخر يقوم لك مقام الأول. قال: أخاف ألا أصيب يتيما في سوء خلقه! قال له صاحبه: أما أنا فلو كنت في موضعك منه لما ذكرت سوء خلقه.
وقال آخر: وسمعه أبو هريرة النحوي وهو يقول: ما يمنعني من تعلم القرآن إلا أني أخاف أن أضيعه. قال: أما أنت فقد عجلت له التضييع، ولعلك إذا تعلمته لم تضيعه.
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل: من سيّد قومك؟ قال: أنا. قال: لو كنت كذلك لم تقله!
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع