تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

خالد بن صفوان

ومن الخطباء المشهورين في العوامّ، والمقدمين في الخواصّ: خالد بن صفوان الأهتمي، زعموا جميعا أنه كان عند أبي العباس أمير المؤمنين وكان من سمّاره وأهل المنزلة عنده، ففخر عليه ناس من بلحارث بن كعب وأكثروا في القول، فقال أبو العباس: لم لا تتكلم يا خالد؟ فقال: أخوال أمير المؤمنين وأهله قال: فأنتم أعمام أمير المؤمنين وعصبته فقل. قال خالد: «وما عسى أن أقول لقوم كانوا بين ناسج برد، ودابغ جلد، وسائس قرد، وراكب عرد، دل عليهم هدهد، وغرّقتهم فأرة، وملكتهم امرأة». فلئن كان خالد قد فكر وتدبر هذا الكلام إنه للراوية الحافظ، والمؤلف المجيد، ولئن كان هذا شيئا حضره حين حرّك وبسط فما له نظير في الدنيا.

فتأمل هذا الكلام فإنك ستجده مليحا مقبولا، وعظيم القدر حليلا. ولو خطب اليماني بلسان سحبان وائل حولا كريتا، ثم صكّ بهذه الفقرة ما قامت له قائمة.

وكان أذكر الناس لأول كلامه، وأحفظهم لكل شيء سلف من منطقه.

وقال مكيّ بن سوادة في صفته له:

عليم بتنزيل الكلام ملقّنذكور لما سدّاه أول أولا
يبذّ قريع القوم في كل محفلوإن كان سحبان الخطيب ودغفلا
ترى خطباء الناس يوم ارتجالهكأنهم الكروان عاين أجدلا

الكروان: جمع كروان، وهو ذكر الحبارى. والأجدل: الصقر وكان يقارض شبيب بن شيبة، لاجتماعهما على القرابة والمجاورة والصناعة، فذكر شبيب مرة عنده فقال: «ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية». وهذا كلام ليس يعرف قدره إلا الراسخون في هذه الصناعة.

وكان خالد جميلا ولم يكن بالطويل، فقالت له امرأته: إنك لجميل يا أبا صفوان. قال: وكيف تقولين هذا وما فيّ عمود الجمال ولا رداؤه ولا برنسه.

فقيل له: ما عمود الجمال؟ فقال: الطول، ولست بطويل، ورداؤه البياض، ولست بأبيض، وبرنسه سواد الشعر، وأنا أشمط، ولكن قولي: إنك لمليح ظريف.

وخالد يعد في الصلعان، ولكلام خالد كتاب يدور في أيدي الورّاقين.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.