من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر
وكان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر من أبين الناس وأفصحهم.
وكان مسلمة عبد الملك يقول: إني لأنحّي كور العمامة عن أذني لأسمع كلام عبد الأعلى.
وكانوا يقولون: أشبه قريش نغمة وجهارة بعمرو بن سعيد، عبد الأعلى ابن عبد الله بن عامر.
قال: وقال بعض الأمراء- وأظنه بلال بن أبي بردة لأبي نوفل الجارود بن أبي سبرة: ماذا تصنعون عند عبد الأعلى إذا كنتم عنده؟ قال: يشاهدنا بأحسن استماع، وأطيب حديث، ثم يأتي الطباخ فيمثل بين يديه فيقول: ما عندك؟
فيقول: عندي لون كذا وكذا وجدي كذا، ودجاجة كذا، ومن الحلواء كذا.
قال: ولم يسأل عن ذلك؟ قال: ليقصر كل رجل عما لا يشتهي، حتى يأتيه ما يشتهي. ثم يأتون بالخوان فيتضايق وتتسع، ويقصّر ونجتهد، فإذا شبعنا
خوّى تخوية الظليم، ثم أقبل يأكل أكل الجائع المقرور. قال: والجارود هو الذي قال: «سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل». وهو الذي قال: «عليكم بالمربد، فإنه يطرد الفكر، ويجلو البصر، ويجلب الخبر، ويجمع بين ربيعة ومضر».
قال: وصعد عثمان المنبر فأرتج عليه، فقال: «إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب، وستأتيكم الخطب على وجهها، وتعلمون إن شاء الله».
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع