من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب النّوكى
قال: ومن النّوكى مالك بن زيد مناة بن تميم، الذي لما أدخل على امرأته فرأت ما رأت من الجفاء والجهل، وجلس في ناحية منقبضا مشتملا، قالت: ضع علبتك. قال: يدي احفظ لها. قالت: فاخلع نعليك. قال:
رجلاي احفظ لهما. قالت له: فضع شملتك. قال: ظهري أولى بها. فلما رأت ذلك قامت فجلست إلى جنبه. فلما شم ريح الطيب وثب عليها.
ومن المجانين والموسوسين والنوكى: ابن قنان، وصبّاح الموسوس، وديسيموس اليوناني، وأبو حيّة النميري، وأبويس الحاسب، وجعيفران الشاعر، وجرنفش. ومنهم سارية الليل. ومنهم ريطة بنت كعب بن سعد بن تيم ابن مرّة، وهي التي نقضت غزلها انكاثا، فضرب الله ﵎ بها المثل، وهي التي قيل لها: «خرقاء وجدت صوفا».
ومنهم دغة، وجهيزة، وشولة، ودرّاعة القديد المعدّيّة. ولكل واحد من هؤلاء قصة سنذكرها في موضعها، إن شاء الله.
فأما ديسيموس فكان من موسوسي اليونانيين، قال له قائل: ما بال ديسيموس يعلم الناس الشعر ولا يستطيع قوله؟ قال: مثله مثل المسن الذي يشحذ ولا يقطع.
ورآه رجل وهو يأكل في السوق فقال: ما بال ديسيموس يأكل في السوق؟
فقال: إذا جاع في السوق أكل في السوق.
وألح عليه رجل بالشتيمة وهو ساكت؟ فقال: أرأيت إن نبحك كلب أتنبحه، وإن رمحك حمار أترمحه؟
وكان إذا خرج مع الفجر يريد الفرات ألقى في دوارة بابه حجرا، حتى لا يعاني دفع بابه إذا رجع. وكان كلما رجع إلى بابه وجد الحجر مرفوعا والباب منصفقا، فعلم أن أحدا يأخذ الحجر من مكانه، فكمن لصاحبه يوما، فلما رآه قد أخذ الحجر قال: مالك تأخذ ما ليس لك؟ قال: لم أعلم أنه لك. قال: فقد علمت أنه ليس لك.
وأما جعيفران الموسوس الشاعر، فشهدت رجلا أعطاه درهما وقال له قل شعرا على الجيم. فأنشأ يقول:
عادني الهمّ فاعتلجكلّ هم إلى فرج
سلّ عنك الهموم بالكاس وبالراح تنفرج
وهي أبيات.
وكان يتشيع، فقال له قائل: أتشتم فاطمة وتأخذ درهما؟ قال: لا بل أشتم عائشة وآخذ نصف درهم.
وهو الذي يقول:
ما جعفر لأبيهولا له بشبيه
أضحى لقوم كثيرفكلهم يدّعيه
فذا يقول بنيّيوذا يخاصم فيه
والأم تضحك منهملعلمها بأبيه
وهو الذي يقول في قوم لاطة:
كأنهم والأيور عامدةصياقل في جلاية النّصل
وأما أبو يس الحاسب فإن عقله ذهب بسبب تفكره في مسألة، فلما جنّ كان يهذي بأنه سيصير ملكا وقد ألهم ما يحدث في الدنيا من الملاحم.
وكان أبو نواس والرّقاشي يقولان على لسانه أشعارا، على مذاهب اشعار ابن عقب الليثي، ويرويانها أبا يس، فإذا حفظها لم يشك أنه الذي قالها.
فمن تلك الأشعار قول ابي نواس:
منع النوم أدّكاري زمناذا تهاويل وأشياء نكر
واعتراك الروم في معمعةليس فيها لجبان من مقرّ
كائنات ليس عنها مذهبخطها يوشع في كتب الزّبر
وعلامات ستأتي قبلهجمة أولها سكر النّهر
ويليهم رجل من هاشمأقنص الناس جميعا للحمر
يبتني في الصحن من مسجدهمللمصلين من الشمس ستر
ورجاء يبتني مطهرةضخمة في وسطها طست صفر
فهناكم حين يفشو أمركموهناكم ينزل الأمر النكر
فاتبعوه حيث ما سار بكمأيها الناس وإن طال السفر
ودعوا، بالله، أن تهزوا بهلعن الرحمن من منه سخر
والبصريون يزعمون أن أبا يس كان أحسب الناس.
وأما أبو حيّة النميري فإنه كان أجنّ من جعيفران، وكان أشعر الناس. وهو الذي يقول:
ألا حيّ أطلال الرسوم البواليالبسن البلى مما لبسن اللياليا
وفي هذه القصيدة يقول:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلةتقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
وهو الذي يقول:
فأرخت قناعا دونه الشمس واتقتبأحسن موصولين كف ومعصم
وحدثني أبو المنجوف قال: قال أبو حية: عنّ لي ظبي فرميته، فراغ عن سهمي، فعارضه والله السهم، ثم راغ فراوغه حتى صرعه ببعض الخبارات.
وقال: رميت والله ظبية، فلما نفذ السهم ذكرت بالظبية حبيبة لي، فشددت وراء السهم حتى قبضت على قذذه.
وكان يكلم العمّار، ويخبر عن مفاوضته للجن.
وأما جرنفش فإنه لما خلع الفرزدق لجام بغلته، وأدنى رأسها من الماء قال له جرنفش: نحّ بغلتك حلق الله ساقيك! قال: ولم عافاك الله؟ قال: لأنك كذوب الحنجرة، زاني الكمرة! قال ابو الحسن: وبلغني أن الفرزدق لما أن قال له الجرنفش ما قال نادى: يا بني سدوس. فلما اجتمعوا إليه قال: سودوا الجرنفش عليكم، فإني لم أر فيكم أعقل منه.
ومن مجانين الكوفة: عيناوة، وطاق البصل.
حدثني صديق لي قال: قلت لعيناوة: أيما أجن، أنت أو طاق البصل؟
قال: أنا شيء وطاق البصل شيء! ومن مجانين الكوفة بهلول، وكان يتشيع، فقال له اسحاق بن الصياح:
أكثر الله في الشيعة مثلك. قال: بل أكثر الله في المرجئة مثلي، وأكثر في الشيعة مثلك.
وكان جيّد القفا، فربما مر به من يحب العبث فيقفده، فحشا قفاه خراء، وجلس على قارعة الطريق فكلما قفده إنسان تركه حتى يجوز، ثم يصيح به: يا فتى شم يدك! فلم يعد بعدها أحد يفقده.
وكان يغني بقيراط ويسكت بدانق.
وكانت بالكوفة امرأة رعناء يقال لها مجيبة، فقفد بهلولا فتى كانت مجيبة أرضعته، فقال له بهلول: كيف لا تكون أرعن وقد أرضعتك مجيبة؟ فوالله لقد كانت تزق لي الفرخ فأرح الرعونة في طيرانه! قال: وحدثني حجر بن عبد الجبّار قال: مرّ موسى بن أبي الرّوقاء، فناداه صبّاح الموسوس: يا ابن ابي الروقاء! أسمنت برذونك، وأهزلت دينك، أما والله إن أمامك لعقبة لا يجاوزها إلا المخف! فحبس موسى برذونه وقال: من هذا؟ فقيل له: هذا صباح الموسوس. فقال ما هو بموسوس، هذا نذير.
قال أبو الحسن: دعا بعض السلاطين مجنونين ليحركهما فيضحك مما يجيء منهما فلما أسمعاه وأسمعهما غضب ودعا بالسيف، فقال أحدهما لصاحبه: كنا مجنونين فصرنا ثلاثة! وقال عمر بن عثمان: شيعت عبد العزيز بن المطلب المخزومي وهو قاضي مكة، إلى منزله، وبباب المسجد مجنونة تصفق وتقول:
أرّق عيني ضراط القاضيهذا المقيم ليس ذاك الماضي
فقال: يا أبا حفص، أتراها تعني قاضي مكة؟
قال: وتذكروا اللثغ فقال قوم: أحسن اللثغ ما كان على السين، وهو أن تصير ثاء. وقال آخرون: على الراء، وهو أن تصير غينا. فقال مجنون البكرات: أنا أيضا ألثغ، إذا أردت أن أقول شريط قلت: رشيط.
قال: وبعث عبيد الله بن مروان، عمّ الوليد، إلى الوليد بقطيفة حمراء، وكتب إليه: «إني بعثت إليك بقطيفة حمراء حمراء». فكتب إليه الوليد: «قد وصلت إلي القطيفة، وأنت يا عم أحمق أحمق».
وقال محمد بن بلال لوكيله دبة: اشتر لي طيبا سيرافيا. قال: تريده سيرافي، أو سيرافي سيرافي؟
وقال محمد بن الجهم للمكي: إني أراك مستبصرا في اعتقاد الجزء الذي لا يتجزأ، فينبغي أن يكون عندك حقا حقا. قال: أما أن يكون عندي حقا حقا فلا، ولكنه عندي حق.
ودخل أبو طالب، صاحب الطعام، على هاشمية جارية حمدونة بنت الرشيد، على أن يشتري طعامها في بعض البيادر، فقال لها: إني قد رأيت متاعك. قالت هاشمية: قل طعامك. قال: وقد أدخلت يدي فيه، فإذا متاعك قد خم وحمي وقد صار مثل الجيفة، قالت: يا أبا طالب، الست قلبت الشعير، فأعطنا ما شئت وإن وجدته فاسدا.
ودخل أبو طالب على المأمون فقال: كان أبوك يا أبا، خيرا لنا منك.
وأنت يا أبا، ليس تعدنا ولا تبعث إلينا، ونحن يا أبا، تجارك وجيرانك.
والمأمون في كل ذلك يبتسم.
وقيل للمثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة، وهو على اليمامة: إن هاهنا مجنونا له نوادر. فأتوه به فقال: ما هجاء النشّاش ؟. فقال: الفلج العادي فغضب ابن هبيرة وقال: ما جئتموني به إلا عمدا، ما هذا بمجنون. والنشاش:
يوم كان لقيس على حنيفة، والفلج: يوم كان لحنيفة على قيس.
وأنشدوا
ترى القوم أسواء إذا جلسوا معاوفي القوم زيف مثل زيف الدراهم
وقال:
فتى زاده عزّ المهابة ذلةوكلّ عزيز عنده متواضع
وقال:
قد ينفع الأدب الأحداث في مهلوليس ينفع بعد الكبرة الأدب
إن الغصون إذا قومتها اعتدلتولن تلين إذا قومتها الخشب
قال جعفر بن أخت واصل: كتب رجل إلى صديق له: «بلغني أنّ في بستانك أشياء تهمني، فهب لي منه أمرا من أمر الله عظيما».
وقال أبو عبد الملك، وهو الذي كان يقال له عناق: كان عيّاش وثمامة حيّ يعظّمني تعظيما ليس في الدنيا مثله.
وقال له عيّاش بن القاسم: بأي شيء تزعمون أن أبا علي الأسواري أفضل من سلّام أبي المنذر ؟ قال: لأنه لما مات سلام ابو المنذر ذهب أبو علي في جنازته، فلما مات أبو علي لم يذهب سلام في جنازته.
وكان يقول: فيك عشر خصال من الشر. فأما الثانية كذا، وأما الرابعة كذا، وأما السابعة كذا، وأما العاشرة كذا.
قال: وقلنا للفقعسي: كيف ثناؤك على حمدان بن حبيب؟ فقال: هو والله الكذا الكذا.
وقال الخرداذي: آجركم الله وأعظم أجركم وأجركم. فقيل له ذلك فقال: هذا كما قال عثمان بن الحكم: بارك الله لكم وبارك عليكم وبارك فيكم. قالوا له: ويلك: إن هذا لا يشبه ذلك.
وكتب إلى بعض الأمراء: «أبقاك الله، وأطال بقاءك، وما في عمرك».
وكان أبو إدريس السمان يقول: «وأنت فلا صبحك الله إلا بالخير» ويقول:
«وأنتم فلا حيا الله وجهكم إلا بالسلام، وأنتم فلا بيتكم الله إلا بالخير».
ومر ابن ابي علقمة، فصاح به الصبيان فهرب منهم، وتلقاه شيخ عليه ضفيرتان، فقال له: (يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض).
وقال المهلب لرجل من بني ملكان، أحد بني عدي: متى أنت؟ قال: أيام عتيبة بن الحارث بن شهاب. واقبل على رجل من الأزد فقال: متى أنت؟
فقال: أكلت من حياة رسول الله ﷺ عامين. فقال له المهلب: أطعمك الله لحمك! وأنشدني المعيطي:
وأنزلني طول النوى دار غربةإذا شئت لاقيت الذي لا أشاكله
فحامقته حتى يقال سجيةولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
قالوا: وخطب عتّاب بن ورقاء فحث على الجهاد، فقال: هذا كما قال الله ﵎:
كتب القتل والقتال عليناوعلى الغانيات جرّ الذيول
وخطب والي اليمامة فقال: «إن الله لا يقارّ عباده على المعاصي، وقد أهلك الله أمة عظيمة في ناقة ما كانت تساوي مائتي درهم»، فسم مقوم ناقة الله.
وهؤلاء الجفاة والأعراب المحّرمون، وأصحاب العجرفية، ومن قل فقهه في الدين، إذا خطبوا على المنابر فكأنهم في طباع أولئك المجانين.
وخطب وكيع بن أبي سود بخراسان، فقال: «إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أشهر» فقيل له: إنها ستة أيام. قال: وابيك لقد قلتها وإني لأستقلها! وصعد المنبر فقال: إن ربيعة لم تزل غضابا على الله مذ بعث الله نبيه في مضر، ألا وإن ربيعة قوم كشف، فإذا رأيتموهم فاطعنوا الخيل في مناخرها، فإن فرسا لم يطعن في منخره إلا كان أشد على فارسه من عدوه.
وضربت بنو مازن الحتات بن يزيد المجاشعي، فجاءت جماعة منهم، فيهم غالب أبو الفرزدق، فقال: يا قوم، كونوا كما قال الله: لا يعجز القوم إذا تعاونوا.
وتزعم بنو تميم أن صبرة بت شيمان قال في حرب مسعود والأحنف: إن جاء حثّاث جئت، وإن جاء الأحنف جئت، وإن جاء جارية جئت، وإن جاءوا جئنا، وإن لم يجيئوا لم نجيء.
وهذا باطل، قد سمعنا لصبرة كلاما لا ينبغي أن يكون صاحب ذلك الكلام يقول هذا الكلام.
ولما سمع الأحنف فتيان بني تميم يضحكون من قول العرندس:
لحا الله قوما شووا جارهمإذا الشاة بالدرهمين الشّصب
أرى كل قوم رعوا جارهموجار تميم دخان ذهب
قال: أتضحكون؟ أما والله إن فيه لمعنى سوء.
قال: وكان قبيصة يقول: رأيت غرفة فوق البيت.
ورأى جرادا يطير فقال: لا يهولنكم ما ترون، فإن عامتها موتى.
وإنه في أول ما جاء الجراد قبّل جرادة ووضعها على عينيه، على أنها من الباكورة.
وهذه الأشياء ولدها الهيثم بن عدي، عند صنيع داوود بن يزيد في أمر تلك المرأة ما صنع.
قال أبو الحسن: وتغدى أبو السرايا عند سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ ولي عهد، وقدامه جدي، فقال: كل من كليته فإنها تزيد في الدماغ.
فقال: لو كان هذا هكذا، لكان رأس الأمير مثل رأس البغل.
وقال أبو كعب: كنا عند عياش بن القاسم، ومعنا سيفويه القاص، فأتينا بفالوذجة حارة، فابتلع منها سيفويه لقمة فغشي عليه من شدة حرها، فلما أفاق قال: لقد مات لي ثلاثة بنين ما دخل جوفي عليهم من الحرقة ما دخل جوفي من حرقة هذه اللقمة!.
سعيد بن أبي مالك قال: جالسني رجل، فغبر لا يكلمني ساعة، ثم قال لي:
جلست قط على رأس تنور فخريت فيه آمنا مطمئنا؟ قال: قلت: لا. قال: فإنك لم تعرف شيئا من النعيم قط.
قال: وقال هشام بن عبد الملك ذات يوم لجلسائه: أي شيء ألذ؟ قال الأبرش بن حسان: هل أصابك جرب قط فحككته؟ قال: مالك! أجرب الله جلدك، ولا فرّج الله عنك! وكان آنس الناس به.
ومن غرائب الحمق: المذهب الذي ذهب إليه الكميت بن زيد، في مديح النبي ﷺ، حيث يقول:
فاعتتب الشوق من فؤادي والشعر إلى من إليه معتتب
إلى السراج المنير أحمد لاتعدلني رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع الناس إليّ العيون وارتقبوا
وقيل أفرطت بل قصدت ولوعنفني القائلون أو ثلبوا
إليك يا خير من تضمنت الأرض ولو عاب قولي العيب
لج بتفضيلك اللسان ولوأكثر فيك الّلجاج واللجب
فمن رأى شاعرا مدح النبي ﷺ فاعترض عليه واحد من جميع أصناف الناس، حتى يزعم هو أناسا يعيبونه ويثلبونه ويعنفونه؟! ولقد مدح النبي ﷺ، فما زاد على قوله:
وبورك قبر أنت فيه وبوركتبه وله أهل بذلك يثرب
يعني قبر النبي ﷺ. ويثرب، يعني المدينة.
لقد غيبوا برّا وحزما ونائلاعشية واراه الصفيح المنصّب
وهذا شعر يصلح في عامة الناس.
وكتب مسلمة بن عبد الملك، إلى يزيد بن المهلب: إنك والله ما أنت بصاحب هذا الأمر، صاحب هذا الأمر مغمور موتور وأنت مشهور غير موتور.
فقال له رجل من الأزد يقال له عثمان بن المفضل: قدم ابنك مخلدا حتى يقتل فتصير موتورا.
وقال: جاء ابن لجديع بن علي وكان ابن خال ليزيد بن المهلب، فقال ليزيد: زوجني بعض ولدك. فقال له عثمان بن المفضل: زوجه ابنك مخلدا، فإنه إنما طلب بعض الولد ولم يستثن شيئا.
ومن الحمقى كثيّر عزّة. ومن حمقه أنه دخل على عبد العزيز بن مروان،
فمدحه بمديح استجاده، فقال له: سلني حوائجك. قال: تجعلني في مكان ابن رمانة. قال: ويلك، ذاك رجل كاتب وأنت شاعر! فلما خرج ولم ينل شيئا قال في ذلك:
عجبت لأخذي خطة الغي بعدماتبين من عبد العزيز قبولها
فإن عاد لي عبد العزيز بمثلهاوأمكنني منها إذا لا أقيلها
قال ابو الحسن: قال طارق: قال ابن جابان: لقي رجل رجلا ومعه كلبان، فقال له: هب لي أحدهما. قال: أيهما تريد؟ قال: الأسود. قال:
الأسود أحب إلي من الأبيض! قال: فهب لي الأبيض. قال: الأبيض أحب إلي من كليهما.
قال: قال رجل لرجل: بكم تبيع الشاة؟ قال: أخذتها بستة، وهي خير من سبعة، وقد أعطيت بها ثمانية، فإن كانت حاجتك بتسعة فزن عشرة.
قال أبو الحسن: قال طارق بن المبارك: دخل رجل على بلال فكساه ثوبين، فقال: كساني الأمير ثوبين، فاتزرت بالآخر، وارتديت بالآخر.
قال: ومرض فتى عندنا فقال له عمّه: أي شيء تشتهي؟ قال: رأس كبشين. قال: لا يكون! قال: فرأسي كبش! طارق قال: وقع بين جار لنا وجار له يكنى أبا عيسى، كلام، فقال:
اللهم خذ مني لأبي عيسى. قالوا: أتدعو الله على نفسك؟ قال: فخذ لأبي عيسى مني.
أبو زكريا العجلاني، قل: دخل عمرو بن سعيد على معاوية وهو ثقيل، فقال: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال: أصبحت صالحا. قال: أصبحت عينك غائرة، ولونك كاسفا، وانفك ذابلا، فاعهد عهدك ولا تخدعن عن نفسك.
قال: وقال عبيد الله بن زياد بن ظبيان التيمي: يرحم الله عمر بن الخطاب، كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الزانيات، وأبناء الزانيات! فقال
عبيد الله بن زياد ابن أبيه: يرحم الله عمر كان يقول: لم يقم جنين في بطن حمقاء تسعة أشهر إلا خرج مائقا! وكان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: «كونوا بلها كالحمام».
وقال آخر: حماقة صاحبي عليّ أشد ضررا منها عليه.
وقالوا: شرد بعير لهبنّقة القيسي- وبجنونه يضرب المثل- فقال: من جاء به فله بعيران. فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ فقال: إنكم لا تعرفون فرحة الوجدان. واسمه يزيد بن ثروان، وكنيته ابو نافع.
وقال الشاعر:
عش بجد ولا يضرّك نوكإنما عيش من ترى بالجدود
عش بجد وكن هبنقة القيسي نوكا أو شيبة بن الوليد
وهبنقة هو يزيد بن ثروان، أحد بني قيس بن ثعلبة.
ولما خلع قتيبة بن مسلم سليمان بن عبد الملك بخراسان، قام خطيبا فقال: «يا أهل خراسان، أتدرون من وليّكم؟ إنما وليكم يزيد بن ثروان».
كني به عن هبنّقة. وذلك أن هبنقة كان يحسن من ابله إلى السمان ويدع المهازيل، ويقول: إنما أكرم الله واهين من أهان الله. وكذلك كان سليمان يعطي الأغنياء ولا يعطي الفقراء، ويقول: أصلح ما أصلح الله، وأفسد ما أفسد الله.
وقال الفرزدق: ما عييت بجواب أحد قط ما عييت بجواب مجنون بدير هزقل، دخلت إليه فإذا هو مشدود إلى أصطوانة، فقلت بلغني أنك حاسب.
قال: ألق علي ما شئت قال: فقلت امسك معك خمسة وجلدتها. قال:
نعم. قلت: وامسك أربعة وجلدتها. قال: نعم. قلت: كم معك؟ قال:
تسعة وجلدتها مرتين.
وكان زريق الفزاريّ يمر بالليل وهو شارب، فيشتم أهل المجلس، فلما أن كان بالغداة عاتبوه، قال: نعم، زنيت أمهاتكم فماذا عليكم؟
قالوا: وخطب يوما عتاب بن ورقاء فقال: هذا كما قال الله ﵎:
«إنما يتفاضل الناس عما لهم، وكل ما هو آت قريب». قالوا له: إن هذا ليس من كتاب الله! قال: ما ظننت إلا أنه من كتاب الله.
قال: وخطب عدي بن وتّاد الأيادي فقال: أقول كما قال العبد الصالح:
(ما رأيكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد). قالوا له: ليس هذا من قول عبد صالح، إنما هو من قول فرعون. قال: ومن قاله فقد أحسن! وقال أعرابي:
خلق السماء وأهلها في جمعةوأبوك يمدر حوضه في عام
وقالوا: وكان عبد الملك بن مروان أول خليفة من بني أمية منع الناس من الكلام عند الخلفاء، وتقدّم فيه وتوعّد عليه، وقال: إن جامعة عمرو بن سعيد بن العاصي عندي، وإني والله لا يقول أحد هكذا إلا قلت به هكذا.
وفي خطبة له أخرى: إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف (وهو يعني عثمان بن عفان ﵀، ولا أنا بالخليفة المداهن (يعني معاوية)، ولا أنا بالخليفة المأبون (يعني يزيد بن معاوية).
قال أبو اسحاق: والله لولا نسبك من هذا المستضعف، وسببك من هذا المداهن، لكنت منها أبعد من العيّوق. والله ما أخذتها من جهة الميراث ولا من جهة السابقة، ولا من جهة القرابة، ولا تدعي شورى ولا وصية.
قال أبو الحسن: دخل كردم السدوسي، على بلال بن أبي بردة فدعاه إلى الغداء فقال: قد أكلت. قال: وما أكلت؟ قال: قليل أرز فأكثرت منه.
ودخل كردم الذرّاع أرض القوم يذرعها، فلما انتهى إلى زنقة لم يحسن أن يذرعها، قال: هذه ليست لكم! قالوا: هي لنا ميراث وما ينازعنا فيها إنسان قط.
قال: لا والله ما هي لكم، قالوا: فحصل لنا حساب ما لا تشك فيه. قال:
عشرون في عشرين مائتان، قالوا: من أجل هذا الحساب صارت الزنقة ليست لنا؟.
قالوا: ودخل عكابة بن نميلة النميري دار بلال بن أبي بردة، فرأى ثورا مجلّلا، فقال: ما أفرهه من بغل لولا أن حوافره مشقوقة.
ومن النوكى، وممن ربما عدوه من المجانين: ابن قنان الأزديّ، وضرب به المثل ابن ضب العتكي، في قوله لجديع بن علي، خال يزيد بن المهلب حيث يقول:
لولا المهلب يا جديع ورسلهتغدو عليك لكنت كابن قنان
أنت المردد في الجياد وإنماتأتي سكيتا كلّ يوم رهان
وقال آخر يهجو امرأة بأنها مضياع خرقاء:
وإن بلائي من رزينة كلمارجوت انتعاشا أدركتني بعاثر
تبرّد ماء السعن في ليلة الصباوتستعمل الكركور في شهر ناجر
قال أبو الحسن: قال الشعبيّ: سايرت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وكان بيني وبين ابي الزّناد، فقال: بينكما عغلم أهل
المدينة. فسألته امرأة عن مسألة فأخطأ فيها.
وقال طرفة بن العبد يهجو قابوس بن هند الملك:
لعمرك إن قابوس بن هندليخلط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخيّكذاك الحكم يقصد أو يجور
لنا يوم وللكروان يومتطير البائسات وما نطير
فأما يومنا فنظلّ ركباوقوفا ما نحلّ وما نسير
وأما يومهن فيوم بؤسيطاردهنّ بالحدب الصقور
الفلوشكيّ قال: قلت لأعرابي: أي شيء تقرأ في صلاتك؟ قال: أم الكتاب، ونسبة الرب، وهجاء أبي لهب.
وكان الفلوشكي البكراوي أجنّ الناس وأعيا الخلق لسانا، وكان شديد القمار، شديد اللعب بالودع. قال ابن عم له: وقفت على بقية تمر في بيدر لي، فأردت أن أعرفه بالحزر، ومعنا قوم يجيدون الخرص، وقد قالوا فيها واختلفوا، فهجم علينا الفلوشكي فقلت له: كم تحزر هذا التمر؟ قال: أنا لا أعرف الأكرار وحساب القفران، ولكن عندي مرجل أطبخ فيه تمر نبيذي، وهو يسع مكوكين، وهذا التمر يكون فيه مائتين وستين مرجلا. قال: فلا والله إن أخطأ بفيز واحد.
قالوا: وقال المهلب يوما والأزد حوله: أرأيتم قول الشاعر:
إذا غزر المحالب أتأقتهيمجّ على مناكبه الثّمالا
وإلى جنب غيلان بن خرشة شيخ من الأزذ، فقال له: قل لبن الفحل. فقالها. فقال المهلب: ويلكم، أما جالستم الناس؟! وأنشد بعض أصحابنا:
ألكني إلى مولى أكيمة وانههوهل ينتهي عن أول الزجر أحمق
وزعم الهيثم بن عدي عن رجاله، إن أهل يبرين أخف بني تميم أحلاما، وأقلهم عقولا.
قال الهيثم: ومن النوكى: عبيد الله بن الحر، وكنيته ابو الأشوش.
قال الهيثم: خطب قبيصة، وهو خليفة ابيه على خراسان وأتاه كتابه، فقال: هذا كتاب الأمير، وهو والله أهل لأن أطيعه، وهو أبي وأكبر مني.
وكان فيما زعموا ابن لسعيد الجوهري يقول: صلّى الله ﵎ على محمد ﷺ.
قال ابو الحسن: صعد عديّ بن أرطأة على المنبر، فلما رأى جماعة الناس حصر فقال: الحمد لله الذي يطعم هؤلاء ويسقيهم! وصعد روح بن حاتم المنبر، فلما رآهم قد شفنوا أبصارهم وفتحوا أسماعهم نحوه، قال: «نكسوا رؤوسكم، وغضوا أبصاركم، فإن المنبر مركب صعب، وإذا يسّر الله فتح قفل تيسر».
قالوا: وصعد عثمان بن عفان، ﵀ المنبر فأرتج عليه فقال: «إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى خطيب».
قال: وقالوا لزياد الأعجم: لم لا تهجو جريرا؟ أليس الذي يقول:
كأن بني طهيّة رهط سلمىحجارة خارىء يرمي الكلابا
قالوا: بلى. قال: ليس بيني وبين هذا عمل.
قال أبو الحسن: خطب مصعب بن حيّان أخو مقاتل بن حيان، خطبة نكاح، فحصر فقال: لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله. فقالت أم الجارية عجل الله موتك ألهذا دعوناك؟! وخطب أمير المؤمنين الموالي- وهكذا لقبه- خطبة نكاح، فحصر فقال:
اللهم إنّا نحمدك ونستعينك، ونشرك بك.
وقال مولى لخالد بن صفوان: زوجني أمتك فلانة. قال: قد زوجتكما، قال: أفأدخل الحي حتى يحضروا الخطبة؟ قال: أدخلهم. فلما دخلوا ابتدأ خالد فقال: أما بعد فإن الله أجل وأعز من أن يذكر في نكاح هذين الكلبين، وقد زوجت هذه الفاعلة من هذا ابن الفاعلة.
وقال ابراهيم النخعي لمنصور بن المعتمر: سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الكيسى.
قال: ودخل كثير عزة- وكان محمّقا، ويكنى أبا صخر- على يزيد بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ما يعني الشمّاخ بن ضرار بقوله:
إذا الأرطي توسّد أبرديهخدود جوازىء بالرمل عين
قال يزيد: وما يضر أمير المؤمنين ألا يعرف ما عنى هذا الأعرابي الجلف؟ فاستحمقه وأخرجه.
قالوا: وكان عامر بن كرير يحمّق. قال عوانة: قال عامر لأمه: مسست اليوم برد العاصي بن وائل السهمي. فقالت: ثكلتك أمك، رجل بين عبد المطلب بن هاشم وبين عبد شمس بن عبد مناف، يفرح أن تصيب يده برد رجل من بني سهم؟
ولما حصر عبد الله بن عامر على منبر البصرة، فشق ذلك عليه قال له زياد: أيها الأمير، إنك إن أقمت عامة من ترى إصابه أكثر مما أصابك.
وقيل لرجل من الوجوه: قم فاصعد المنبر وتكلم. فلما صعد حصر وقال: الحمد لله الذي يرزق هؤلاء! وبقي ساكتا، فأنزلوه.
وصعد آخر فلما استوى قائما وقابل بوجهه وجوه الناس وقعت عينه على صلعة رجل فقال: اللهم العن هذه الصلعة! وقيل لوازع اليشكري: قم فاصعد المنبر وتكلّم. فلما رأى جمع الناس قال: لولا أن امرأتي حملتني على إتيان الجمعة اليوم ما جمّعت، وأنا أشّهدكم أنها مني طالق ثلاثا! ولذلك قال الشاعر:
وما ضرّني أن لا أقوم بخطبةوما رغبتي في ذا الذي قال وازع
قال: ودخلت على أنس بن أبي شيخ، وإذا رأسه على مرفقه، والحجام يأخذ من شعره، فقلت له: ما يحملك على هذا؟ قال: الكسل، قال:
قلت: فإن لقمان قال لأبنه: إياك والكسل، وإياك والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق. قال: ذاك والله إنه لم يعرف لذة الكسولة.
قال: وقيل لبحر بن الأحنف: ما يمنعك أن تكون مثل أبيك؟ قال:
الكسل.
وقال الآخر:
أطال الله كيس بني رزينوحمقي أن شريت لهم بدين
أأكتب أبلهم شاء وفيهابريع فصالها بنتا لبون
فما خلقوا بكيسهم دهاةولا ملحاء بعد فيعجبوني
وذكر الآخر الكيس، في معاتبته لبني أخيه، حين يقول:
عفاريتا عليّ وأكل ماليوعجزا عن أناس آخرينا
فهلا غير عمكم ظلمتمإذا ما كنتم متظلمينا
فلو كنتم لكيّسة أكاستوكيس الأم أكيس للبنينا
وقال بعضهم: عيادة النوكى الجلوس فوق القدر، والمجيء في غير وقت.
وعاد رجل رقبة بن الحرّ، فنعى رجالا اعتلوا من علته فنعى بذلك إليه نفسه، فقال له رقبة، إذا دخلت على المرضى فلا تنع إليهم الموتى، وإذا خرجت من عندنا فلا تعد إلينا.
وسأل معاوية ابن الكوّاء عن الكوفة، فقال: أبحث الناس عن صغيرة، واتركه لكبيرة.
وسئل شريك عن أبي حنيفة فقال: اعلم الناس بما لا يكون، وأجهل الناس بما يكون.
وسأل معاوية دغفلا النسابة عن اليمن، فقال: سيد وأنوك.
وذكر عيينة بن حصن، عند النبي ﷺ فقال: «الأحمق المطاع».
وجنّ أعرابيّ من أعراب المربد، ورماه الصبيان، فرجم، فقالوا له: أما كنت وقورا حليما؟ فقال: بلى بأبي أنتم وأمي، والله ما استحمقت إلا قريبا.
وكان أول جنونه من عبث الناس به.
ورمى إنسانا فشجّه، فتعلق به، وهو لا يعرفه وضمه إلى الوالي فقال له الوالي لم رميت هذا وشججته؟ فقال: أنا لم أرمه، هو دخل تحت رميتي.
وكان وكيع بن الدورقيّة يحمّق، قال الوليد بن هشام القحذميّ أبو عبد الرحمن، قال: أخبرني أبي، قال: لما قدم أمية خراسان قيل له: لم لا تدخل وكيع بن الدورقية في صحابتك؟ قال: هو أحمق. فركب يوما وسايره فقال: ما أعظم رأس برذونك! قال: قد كفاك الله حمله. ثم سايره قليلا فقال: أصلحك الله، أرأيت يوم لقيت أبا فديك ما منعك أن تكون قد قدمت رجلا وأخرت رجلا، وداعست بالرمح حتى يفتح الله عليك؟ قال: أغرب قبّحك الله! وامر فنحّي.
وساير سعيد بن سلم موسى أمير المؤمنين، والحربة في يد عبد الله بن مالك، وكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره دابة عبد الله بن مالك في وجه موسى، وعبد الله لا يشعر بذلك، وموسى يحيد عن سنن التراب، وعبد الله فيما بين ذلك يلحظ موضع مسير موسى، فيتكلف أن يسير على محاذاته، وإذا حاذاه ناله ذلك التراب، فلما طال ذلك عليه أقبل على سعيد بن سلم فقال:
ألا ترى ما نلقى من هذا الحائن في مسيرنا هذا؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصر في الاجتهاد، ولكنه حرم التوفيق.
وساير البطريق الذي خرج إلى المعتصم من سور عمّوريّة، محمّد ابن عبد الملك، والأفشين بن كاوس، فساوم كل واحد منهما ببرذونه، وذكر أنه يرغبهما أو يربحهما. فإذا كان هذا أدب البطريق، مع محله من الملك والمملكة، فما ظنك بمن هو دونه منهم! ولما استجلس المعتصم بطريق خرشنة، تربّع ثم مد رجليه.
وقال زياد: ما قرأت مثل كتب الربيع بن زياد الحارثي، ما كتب إليّ إلا في اجترار منفعة، أو دفع مضرة، وما كان في موكبي قط فتقدم عنان دابته عنان
دابتي، ولامست ركبته ركبتي، ولا شاورت الناس في أمر قط إلا سبقهم إلى الرأي فيه.
وكان على شرط زياد، عبد الله بن حصن التغلبي، صاحب مقبرة بني حصن، والجعد بن قيس النميري صاحب طاق الجعد، وكانا يتعاقبان مجلس صاحب الشرطة، فإذا كان يوم حمل الحربة سارا بين يديه معا، فجرى بينهما كلام وهما يسيران بين يديه، فكان صوت الجعد أرفع وصوت عبد الله أخفض، فقال زياد لصاحب حرسه: تناول الحربة من يد الجعد، ومره بالإنصراف إلى منزله.
وعدا رجل من أهل العسكر بين يدي المأمون، فلما انقضى كلامه قال له بعض من يسير بقربه: يقول لك أمير المؤمنين: اركب. قال المأمون: لا يقال لمثل هذا اركب، إنما يقال لمثل هذا انصرف.
وكان الفضل بن الربيع يقول: مسألة الملوك عن حالهم من تحية النوكى. فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير فقل: صبح الله الأمير بالكرامة والنعمة! وإذا أردت أن تقول: كيف يجد الأمير نفسه فقل: انزل الله على الأمير الشفاء والرحمة! والمسألة توجب الجواب، فإن لم يجبك اشتد عليك، وإن أجابك اشتدّ عليه.
وقال محمد بن الجهم: دخلت على المأمون فقال لي: ما زال أمير المؤمنين إليك مشتاقا! فلم أدر جواب هذه الكلمة بعينها، وأخذت لا أقصر فيما قدرت عليه من الدعاء ثم الثناء.
قال أبو الحسن: قال ابن جابان: قال المهدي: كان شبيب بن شيبة يسايرني في طريق خراسان، فيتقدمني بصدر دابته فقال لي يوما: «ينبغي لمن ساير خليفة أن يكون بالموضع الذي إذا أراد الخليفة أن يسأله عن شيء لا يلتفت إليه، ويكون من ناحية إن التفت لم تستقبله الشمس». قال: فبينما نحن كذلك إذ انتهينا إلى مخاضة، فأقحمت دابتي، ولم يقف واتبعني، فملأ ثيابي ماء وطينا.
قال: فقلت: يا أبا معمر، ليس هذا في الكتاب؟
قال الهيثم بن عدي: كنت قائما إلى جنب حميد بن قحطبة وهو على برذون، فتفاجّ البرذون ليبول، فقال لي: تنح لا يهرق عليك البرذون الماء.
وجاء رجل إلى محمد بن حرب الهلالي بقوم فقال: إن هؤلاء الفسّاق ما زالوا في مسيس هذه الفاجرة. قال: ما ظننت أنه بلغ من حرمة الفواجر ما ينبغي أن يكنى عن الفجور بهن.
وقلت لرجل من الحسّاب: كيف صار البرذون المتحصّن، على البغلة أحرص منه على الرّمكة، والرمكة أشكل بطبعه؟ قال: بلغني أن البغلة أطيب خلوة.
وقال صديق لنا: بعث رجل وكيله إلى رجل من الوجوه يقتضيه مالا له عليه، فرجع إليه مضروبا، فقال: مالك ويلك؟ قال: سبك فسببته فضربني.
قال: وبأي شيء سبني؟ قال: قال: هن الحمار في حرام من أرسلك.
قال: دعني من افترائه عليّ، أنت كيف جعلت لاير الحمار من الحرمة ما لم تجعله لحرامي؟ فهلا قلت أير الحمار في هن أم من أرسلك؟! أبو الحسن قال: كان رجل من ولد عبد الرحمن بن سمرة، أراد الوثوب بالشام، فحمل إلى المهدي، فخلى سبيله وأكرمه وقرب مجلسه، فقال له يوما: أنشدني قصيدة زهير، التي على الراء وهي التي أولها:
لمن الديار بقنة الحجرأقوين من حجج ومن شهر
فأنشده فقال المهدي:
ذهب والله من يقول مثل هذا. قال السمريّ: وذهب والله من يقال فيه مثل هذا. فغضب المهدي واستجهله ونحاه ولم يعاقبه، واستحمقه الناس.
ولما دخل خالد بن طليق على المهدي مع خصومه، أنشد قول شاعرهم:
إذا القرشيّ لم يضرب بعرقخزاعيّ فليس من الصميم
فغضب المهدي وقال: أحمق. فأنشد خالد فقال:
إذا كنت في دار فحاولت رحلةفدعها وفيها إن أردت معاد
فسكن عند ذلك المهدي.
وقال بشار:
خليليّ إن العسر سوف يفيقوإن يسارا من غد لخليق
وما كنت إلا كالزمان إذا صحاصحوت وإن ماق الزمان أموق
قالوا: ومن النوكى: أبو الربيع العامري، واسمه عبد الله، وكان ولي بعض منابر اليمامة. وفيه يقول الشاعر:
شهدت بأن الله حق لقاؤهوإن الربيع العامريّ رفيع
أقاد لنا كلبا بكلب ولم يدعدماء كلاب المسلمين تضيع
قالوا: ومن النوكى: ربيعة بن عسل، أحد بني عمرو بن يربوع، وأخوه صبيغ بن عسل. وفد ربيعة على معاوية فقال له معاوية: ما حاجتك؟ قال:
زوجني ابنتك. قال: اسقوا ابن عسل عسلا. فأعاد عليه فأعاد عليه العسل ثلاثا، فتركه وقد كاد ينقد بطنه. قال: فاستعملني على خراسان. قال: زياد اعلم بثغوره. قال: فاستعملني على شرطة البصرة. قال: زياد اعلم بشرطته. قال: فاكسني قطيفة. أو قال: هب لي مائة ألف جذع لداري.
(قال: وأين دارك؟ قال: بالبصرة. قال: كم ذرعها؟ قال: فرسخان في فرسخين). قال: فدارك في البصرة أو البصرة في دارك؟! قال عوانة: استعمل معاوية رجلا من كلب فذكر يوما المجوس وعنده الناس، فقال: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت مائة ألف درهم ما نكحت أمي؟ فبلغ ذلك معاوية فقال: قاتله الله أترونه لو زادوه على مائة ألف فعل! فعزله.
(أبو الحسن: وفد ربيعة بن عسل على معاوية- وهو من بني عمرو ابن يربوع- فقال لمعاوية: أعني بعشرة آلاف جذع في بناء داري بالبصرة. فقال له معاوية: كم دارك؟ قال: فرسخان في فرسخين. قال معاوية: هي في البصرة أم البصرة فيها؟ قال: بل هي في البصرة. قال معاوية:
فإن البصرة لا تكون هذا).
وقال ابو الأحوص الرياحي:
ليس بيربوع ألى العقل حاجةسوى دنس تسودّ منه ثيابها
فكيف بنوكى مالك إن كفرتملهم هذه أم كيف بعد خطابها؟
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرهولا ناعب إلا ببين غرابها
الهيثم، عن الضحاك بن زمل قال: بينا معاوية بن مروان واقف بدمشق ينتظر عبد الملك على باب طحان وحمار له يدور بالرحى وفي عنقه جلجل إذ قال للطحان: لم جعلت في عنق هذا الحمار هذا الجلجل؟ قال: ربما أدركتني سآمة أو نعسة، فإذا لم اسمع صوت الجلجل علمت أنه قد قام فصحت به. قال معاوية: أفرأيت إن قام ثم مال برأسه هكذا وهكذا- وجعل يحرك رأسه يمنة ويسرة- ما يدريك أنت أنه قائم؟ فقال الطحان: ومن لي بحمار يعقل مثل عقل الأمير؟
ومعاوية بن مروان هذا هو الذي قال لأبي امرأته: ملأتنا ابنتك البارحة بالدم! قال: إنها من نسوة يخبأن ذلك لأزواجهن.
وصعد يوسف بن عمر المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قد قتل الله زيدا ونصر بن سيّار- يريد نصر بن خزيمة.
وقال عليّ الأسواري: عمر بن الخطاب معلق بشعرة! قلت: وما صيّره إلى ذلك؟ قال: لما صنع بنصر بن سيار. يريد نصر بن الحجاج بن علاط.
وقالوا: أحب الرشيد أن ينظر إلى أبي شعيب القلّال كيف يعمل القلال، فأدخلوه القصر وأتوه بكل ما يحتاج إليه من آلة العمل، فبينا هو يعمل إذا هو بالرشيد قائم فوق رأسه، فلما رآه نهض قائما، فقال له الرشيد: دونك ما دعيت له، فإني لم آتك لتقوم إلي، وإنما أتيتك لتعمل بين يدي. قال: وأنا لم آتك ليسوء أدبي، وإنما أتيتك لأزداد بك في كثرة صوابي.
قال له الرشيد: إنما تعرضت لي حين كسدت صنعتك. فقال أبو شعيب: يا سيد الناس، وما كساد عملي في جلال وجهك؟ فضحك الرشيد حتى غطى وجهه ثم قال: والله ما رأيت أنطق منه أولا، ولا أعيا منه آخرا، ينبغي لهذا أن يكون أعقل الناس أو أجنّ الناس.
عبد الله بن شداد قال: أرى داعي الموت لا يقلع، وأرى من مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع. لا تزهدنّ في معروف، فإن الدهر ذو صروف فكم من راغب قد كان مرغوبا إليه، وطالب قد كان مطلوبا ما لديه. والزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان ير الهوان.
الفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن ابيه، عن النبي ﷺ قال: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصله حلّ بها البلاء: إذا أكلوا الأموال دولا، واتخذوا الأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته وعقّ أمه، وبرّ صديقه وجفا أخاه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وأكرم الرجل مخافة شره، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأذا لبس الحرير وشربت الخمور، وأتخذت القيان والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أوّلها، فليترقبوا بعد ذلك ثلاث خصال: ريحا حمراء، ومسخا، وخسفا.
الهيثم قال أخبرنا الكلبيّ قال: كانت قريش تعدّ أصل الجزالة في الرأي العباس بن عبد المطلب، وأبا سفيان، ونبيها، وأمية بن خلف.
قال: وقال ابن عباس: لم يكن في العرب أمرد ولا أشيب أشدّ عقلا من السائب بن الأقرع.
قال: وحدثني الشعبيّ أن السائب شهد فتح مهرجان قذف، ودخل منزل الهرمزان وفي داره ألف بيت، فطاف فيه، فإذا ظبي من حص في بيت منها ماد يده، فقال: اقسم بالله إن هذا الظبي يشير إلى شيء انظروا فنظروا فاستخرجوا سفط كنز الهرمزان فإذا فيه ياقوت وزبرجد، فكتب فيه السائب إلى عمر، وأخذ منه فصّا أخضر، وكتب إلى عمر: إن رأى أمير المؤمنين أن يهبه لي فليفعل. فلما عرض عمر السفط على الهرمزان قال: فأين الفص الصغير؟ قال:
سألنيه صاحبنا فوهبته له. قال: إن صاحبك بالجوهر لعالم.
قال: أخبرنا مجالد عن الشعبي: قال السائب لجميل بن بصبهريّ أخبرني عن مكان من القرّية لا يخرب حتى استقطع ذلك المكان: قال: ما بين الماء إلى دار الأمارة. قال: فاختط لثقيف في ذلك الموضع.
قال الهيثم: بت عندهم ليلة، فإذا ليلهم مثل النهار.
أبو الحسن قال: قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة، لمعاوية: أما والله لو كنا على السواء بمكة لعلمت! قال معاوية: إذا كنت أكون معاوية بن أبي سفيان منزلي الأبطح ينشق عني سيله، وكنت أنت عبد الرحمن بن خالد منزلك أجياد، أعلاه مدرة، واسفله عذرة. قال سهيل بن عمرو: «أشبه امرؤ بعض بزّه». فصار مثلا.
وقال محرز بن علقمة:
لقد وارى المقابر من شريككثير تحلّم وقليل عاب
صموتا في المجالس غير عيّجديرا حين ينطق بالصواب
وقال ابن الرقّاع:
أمم تداخلت الحتوف عليهمأبوابهم فكشفن كلّ غطاء
فإذا الذي في حصنه متحرزمنهم كآخر مصحر بفضاء
والمرء يورث مجده أبناءهويموت آخر وهو في الأحياء
والقوم أشباه وبين حلومهمبون كذاك تفاضل الأشياء
وقال بعضهم:
بيضاء ناصعة البياض كأنهاقمر توسط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسدإن الحسان مظنة للحسد
وترى مآقيها تقلّب مقلةحوراء ترغب عن سواد الأثمد
خود إذا كثر الحديث تعوذتبحمى الحياء وإن تكلم تقصد
وقال آخر:
لسانك خير وحده من قبيلةوما عدّ بعد في الفتى انت فاعله
سوى طبع الأخلاق والفحش والخناابت ذاكم أخلاقه وشمائله
وقال آخر:
على امرىء هدّ عرش الحيّ مصرعهكأنه من ذوي الأحلام من عاد
وقال النابغة:
أحلام عاد وأجساد مطهرةمن المعقّة والآفات والأثم
وقالت الخنساء:
خطّاب معضلة فرّاج مظلمةإن جاء مفظعة هيا لها بابا
وعدّد الأصمعي خصال معدّ فقال:
كانوا أديما ما عزا شاتهأخلص فيه القرظ الآهب
أو مرقيّ عرق دم مفرجأو سائل في لزبة زاعب
أو ذمة يوفي بها عاقدأو عقدة يحكمها آرب
أو خابط من غير لا نعمةأو رحم متّ بها جانب
أو خطة بزلاء مفصولةيرضى بها الشاهد والغائب
وقال ابن نوفل يهجو:
وأنت كساقط بين الحشايايصير إلى الخبيث من المصير
ومثل نعامة تدعى بعيراتعاظمها إذا ما قيل طيري
وإن قيل احملي قالت فإنيمن الطير المربّة بالوكور
وكنت لدى المغيرة عير سوءيبول من المخافة للزئير
لأعلاج ثمانية وشيخكبير السنّ ذي بصر ضرير
تقول لما اصابك: أطعمونيشرابا ثم بلت على السرير
وقال عبد يغوث:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيافما لكما في اللوم خير ولا ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعهاقليل، وما لومي أخي من شماليا
فيا راكبا أما عرضت فبلغننداماي من نجران أن لا تلاقيا
أبا كرب والأيهمين كليهماوقيسا بأعلى حضر موت اليمانيا
جزى الله قومي بالكلاب ملامةصريحهم والآخرين المواليا
أقول وقد شلوا لساني بنسعةأمعشر تيم أطلقوا من لسانيا
وتضحك مني شيخة عبشميةكأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا
قال ابو عثمان: وليس في الأرض أعجب من طرفة بن العبد وعبد يغوث، وذلك أنا إذا قسنا جودة أشعارهما في وقت أحاطة الموت بهما لم تكن دون سائر أشعارهما في حال الأمن والرفاهية.
أبو عبيدة قال: حدثني أبو عبد الله الفزاري، عن مالك بن دينار قال:
ما رأيت أحدا أبين من الحجاج، إن كان ليرقى المنبر فيذكر إحسانه إلى أهل العراق، وصفحه عنهم وإساءتهم إليه، حتى أقول في نفسي: إني لأحسبه صادقا، وإني لأظنهم ظالمين له.
قال: وكانت العرب تخطب على رواحلها. وكذلك روى النبي ﷺ عن قس بن ساعدة.
قال: وأخبرني عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن انس قال:
الوقوف على ظهر الدواب بعرفة سنّة، والقيام على الأقدام رخصة.
وجاء في الأثر: لا تجعلوا ظهور دوابكم مجالس.
ووقف الهيثم بن مطهر الفأفاء، على ظهر دابته على باب الخيزران، ينتظر بعض من يخرج من عندها، فلما طال وقوفه بعث إليه عمر الكلواذي فقال
له: انزل عن ظهر دابتك. فلم يرد عليه شيئا، فكر الرسول إليه، فقال: إني رجل أعرج، وإن خرج صاحبي من عند الخيزران في موكبه خفت ألا ادركه.
فبعث إليه: إن لم تنزل انزلناك. فبعث إليه قال: هو حبس في سبيل الله إن أنزلتني عنه إن أقضمته شهرا، فانظر أيما خير له أراحة ساعة أم جوع شهر؟
قالوا له: هذا الهيثم بن مطهّر. قال: هذا شيطان.
وقال أبو علقمة النحوي: يا آسي، إني رجعت إلى النزل وأنا سنق لقس فأتيت بشنشنة من لوية ولكيك، وقطع أقرن قد غدرن هناك من سمن، ورقاق شرشصان وسقيط عطعط، ثم تناولت عليها كأسا. قال له الطبيب خذ خرفقا وسفلقا وجرفقا. قال: ويلك أي شيء هذا؟ قال: وأي شيء ما قلت؟
قال الزّبرقان: أحبّ صبياننا إليّ العريض الورك السبط الغرّة، الطويل الغرلة، الأبله العقول. وابغض صبياننا إلي: الأقيعس الذكر، الذي ينظر من جحر، وإذا سأله القوم عن أبيه هرّ في وجوههم.
قال الهيثم: قال الأشعث: إذا كان الغلام سائل الغرة، طويل الغرلة ملتاث الأزرة كأن به لوثة فما يشك في سؤدده.
قال ابو المخشّ: «كان المخش أشدق؟ رطمانيا، سائلا لعابه كأنما ينظر من قلتين، كأن ترقوته بوان أو خالفة، وكأن كاهله كركرة جمل. فقأ الله عيني إن كنت رأيت قبله ولا بعده مثله».
قال: وكان زياد حوّل المنبر وبيوت المال والدواوين إلى الأزد، وصلى بهم، وخطب في مسجد الحدّان، فقال عمرو بن العرندس:
فأصبح في الحدّان يخطب آمناوللأزد عزّ لا يزال تلاد
وقال الأعرج:
وكنا نستطبّ إذا مرضنافصار سقامنا بيد الطبيب
فكيف نجيز غصتنا بشيءونحن نغصّ بالماء الشريب
وقال أيضا:
والقائلين فلا يعاب خطيبهميوم المقامة بالكلام الفاصل
وقال ابن مفرّغ:
ومتى تقم يوم اجتماع عشيرةخطباؤنا بين العشيرة تفصل
وقال أيضا:
فيا رب خصم قد كفيت دفاعهوقوّمت منه درأه فتنكبا
وقال آخر:
وحامل ضبّ ضغن لم يضرنيبعيد قلبه حلو اللسان
ولو أني أشاء نقمت منهبشغب من لسان تيّحان
وقال:
عهدت بها هندا وهند غريرةعن الفحش بلهاء العشاء نؤوم
رداح الضحى ميالة بختريةلها منطق يصبي الحليم رخيم
وقال:
وخصم يركب العوصاء طاطعن المثلى قصاراه القراع
وملموم جوانبها رداحتزجي بالرماح لها شعاع
وقال محلم بن فراس، يرثي منصورا وهماما ابني المسجاح:
كم فيهم لو تملينا حياتهممن فارس يوم روع الحيّ مقدام
ومن فتى يملأ الشيزى مكللةشحم السّديف ندي الحمد مطعام
ومن خطيب غداة الحفل مرتجلثبت المقام أريب غير مفحام
وقال خالد للقعقاع: انافرك على أينا أطعن بالرماح، وأطعم للسحاح وانزل بالبراح. قال: لا، بل عن أينا افضل أبا وجدا وعما وقديما وحديثا.
قال خالد: اعطيت يوما من سأل، واطعمت حولا من أكل، وطعنت فارسا طعنة شككت فخذيه بجنب الفرس. قال القعقاع وأخرج نعلين فقال: ربع عليهما ابي أربعين مرباعا لم تثكل فيهن تميمية ولدا.
كان ماك بن الأخطل التغلبي- وبه كان يكنى- أتى العراق وسمع شعر جرير والفرزدق، فلما قدم على أبيه سأله عن شعرهما، فقال: وجدت جريرا يغرف من بحر، ووجدت الفرزدق ينحت من صخر. فقال الأخطل: الذي يغرف من بحر أشعرهما.
وقال بعضهم:
وما خير من لا ينفع الأهل عيشهوإن مات لم تجزع عليه أقاربه
كهام على الأقصى كليل لسانهوفي بشر الأدنى حداد مخالبه
وقال العماني:
إذا مشى لكلّ قرن مقرنثم مشى القرن له كالأرعن
بصارم يفري صفيح الجوشنمقرطن زاف إلى مقرطن
يفضي إلى إمّ الفراخ الكمّنحيث تقول الهامة اسقني اسقني
كم لأبي محمد من موطن
وقال العماني:
ومقول نعم لزاز الخصمألدّ يشتقّ لأهل العلم
بباطل يدحض حق الخصمحتى يصيروا كسحاب البكم
وقال أبو عبيد في حديث علي بن أبي طالب ﵁ حين رأى فلانا يخطب فقال: «هذا الخطيب الشحشح». قال: هو الماهر الماضي.
وقال الطّرمّاح:
كأن المطايا ليلة الخمس علّقتبوثّابة تنضو الرواسم شحشح
وقال ذو الرمة:
لدن غدوة حتى إذا امتدت الضحىوحث القطين الشحشحان المكلف
يعني الحادي.
قال: وكان أسد بن كرز يقال له «خطيب الشيطان» فلما استعمل خالد ابنه على العراق قيل له «خطيب الله» فجرت إلى اليوم.
وقال أبو المثلّم الهذلي:
أصخر بن عبد الله إن كنت شاعرافإنك لا تهدي القريض لمفحم
وقال بلعاء بن قيس:
ابيت لنفسي الخسف لما رضوا بهووليتهم سمعي وما كنت مفحما
وقال عبد الله بن مصعب: وقف معاوية على امرأة من كنانة، فقال لها:
هل من قرى؟ قالت: نعم. قال: وما قراك؟ قالت: عندي خبز خمير، ولبن فطير، وماء نمير.
وقال أحيحة:
والصمت خير للفتىما لم يكن عيّ يشينه
والقول ذو خطل إذاما لم يكن لبّ يعينه
وقال أبو ثمامة الضّبّي:
ومنا حصين كان في كل خطبةيقول ألا من ناطق متكلّم
وقال عبيد بن أمية الضبي، واستب هو والحارث بن بيبة المجاشعي عند النعمان، فقال:
ترى بيوت وترى رماحونعم مزنّم سحاح
ومنطق ليس له نجاحياقصبا طار به الرياح
واذرعا ليست لها ألواح
وقال قيس بن الخطيم:
وبعض القول ليس له حصاةكمخض الماء ليس له إتاء
وهذا شبيه بقوله:
كسالى إذا لاقيتهم غير منطقيلهى به المتبول وهو عناء
وقال أبو ثمامة:
أخاصمهم مرة قائماواجثو إذا ما جثوا للركب
إذا منطق قاله صاحبيتعقبت آخر ذا معتقب
وقال الشماخ:
ومرتبة لا تستطاع، بها الردىتركت بها الشكّ الذي هو عاجز
ويروى:
تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع