تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر الخلجان التي شقت من النيل

اعلم أن النيل إذا انتهت زيادته فتحت منه خلجان وترع، يتخرّق الماء فيها يمينا وشمالا إلى البلاد البعيدة عن مجرى النيل، وأكثر الخلجان والترع والجسور، والأخوار بالوجه البحريّ. وأما الوجه القبليّ: وهو بلاد الصعيد فإن ذلك قليل فيه، وقد ذهبت معالمه ودرست رسومه من هنالك.

والمشهور من الخلجان: خليج منجا، وخليج منف، وخليج المنهى، وخليج أشموم طناح، وخليج سردوس، وخليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج القاهرة، وبحر أبي المنجا، والخليج الناصري ظاهر القاهرة.

قال ابن عبد الحكم عن أبي رهم السماعيّ قال: كانت مصر ذات قناطر، وجسور بتقدير وتدبير حتى إن الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها، فيحسبونه كيف شاءوا، ويرسلونه كيف شاءوا، فذلك قوله تعالى، عما حكى عن قول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ اَلْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف/]، ولم يكن يومئذ في الأرض ملك أعظم من ملك مصر، وكانت الجنات بحافتي النيل من أوّله إلى آخره في الجانبين معا جميعا مما بين أسوان إلى رشيد، وسبع خلج: خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهي، وخليج سردوس، جنات متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزرع ما بين الجبلين من أوّل مصر إلى آخرها مما يبلغه الماء.

وكانت جميع أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا لما قدّروا ودبروا من قناطرها وخلجها وجسورها، فذلك قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان/]. قال: والمقام الكريم: المنابر، كان بها ألف منبر.

(خليج سخا) وخليج سخا: حفره ندارس بن صا ابن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح وهو: أحد ملوك القبط القدماء الذين ملكوا مصر في الدهر الأوّل.

قال ابن وصيف شاه: ندارس الملك أوّل من ملك الأحياز كلها بعد أبيه صا، وصفا له ملك مصر، وكان ندارس محتنكا مجرّبا ذا أيد وقوّة، ومعرفة بالأمور، فأظهر العدل، وأقام

الهياكل وأهلها قياما حسنا، ودبر جميع الأحياز. ويقال: إنه الذي حفر خليج سخا وارتفع مال البلد على يده مائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف دينار، وقصده بعض عمالقة الشام فخرج إليه واستباحه، ودخل فلسطين، وقتل بها خلقا، وسبى بعض حكمائها وأسكنهم مصر، وهابته الملوك وعلى رأس ثلاثين من ملكه طمع السودان من الزنج والنوبة في أرضه، وعاثوا وأفسدوا، فجمع الجيوش من أعمال مصر وأعد المراكب، ووجه قائدا يقال له: فلوطس في ثلثمائة ألف، وقائدا آخر في مثلها، ووجه في النيل ثلثمائة سفينة في كل سفينة كاهن يعمل أعجوبة من العجائب، ثم خرج في جيوش كثيرة، فلقي جمع السودان، وكانوا في زهاء ألف ألف فهزمهم، وقتل أكثرهم أبرح قتل، وأسر منهم خلقا وتبعتهم جيوشه حتى وصلوا إلى أرض الفيلة من بلاد الزنج، فأخذوا منها عدّة ومن النمور والوحوش وساقوها إلى مصر فذللها وعمل على حدود بلده منارا وزبر عليه مسيره، وظفره الوقت الذي سار فيه، ومات بمصر فدفن في ناووس نقل إليه شيئا كثيرا من أصنام الكواكب، ومن الذهب والجوهر والصيغة والتماثيل، وزبر عليه اسمه وتاريخ هلاكه، وجعل له طلسمات تمنع منه وعهد إلى ابنه ماليق بن ندارس.

(خليج سردوس): حفره هامان. قال ابن وصيف شاه طلما بن قومس الملك:

جلس على سرير الملك، وحاز جميع ما كان في خزائنهم، وهو الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى.

فأما أهل الأثر فيزعمون أنه الوليد بن مصعب، وأنه من العمالقة، وذكروا أن الفراعنة سبعة، وكان طلما فيما حكي عنه: قصيرا طويل اللحية أشهل العينين صغير العين اليسرى في جبينه شامة، وكان أعرج. وزعم قوم: أنه من القبط ونسب أهل بيته مشهور عندهم.

وذكر آخرون: أنه دخل منف على أتان عليها نطرون جاء ليبيعه، وكانوا قد اضطربوا في تولية الملك فرضوا أن يملكوا عليهم أوّل من يطرأ من الناس، فلما رأوه ملكوه عليهم، ولما جلس في الملك بذل الأموال، وقرب من أطاعه، وقتل من خالفه فاعتدل أمره، واستخلف هامان، وكان يقرب منه في نسبه، وأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات وحفر خلجانا كثيرة.

ويقال: إنه الذي حفر خليج سردوس، وكان كلما عرّجه إلى قرية من قرى الحوف حمل إليه أهلها مالا حتى اجتمع من ذلك مال كثير فأمر بردّه على أهله.

وقال ابن عبد الحكم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄: أن فرعون استعمل هامان على حفر خليج سردوس فلما ابتدأ حفره أتاه أهل كل قرية يسألونه أن يجري

الخليج تحت قريتهم، ويعطونه مالا؛ قال: وكان يذهب به إلى هذه القرية من نحو الشرق، ثم يردّه إلى قرية من نحو دبر القبلة، ثم يردّه إلى قرية في الغرب ثم يردّه إلى أهل قرية في القبلة، ويأخذ من أهل كل قرية مالا حتى اجتمع له من ذلك مائة ألف دينار، فأتى بذلك يحمله إلى فرعون فسأله عن ذلك، فأخبره بما فعل في حفره فقال له فرعون: ويحك إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عباده، ويفيض عليهم، ولا يرغب فيما بأيديهم ردّ على أهل كل قرية ما أخذت منهم فردّه كله على أهله. قال: فلا يعلم بمصر خليج أكثر انعطافا منه لما فعل هامان في حفره كان هامان نبطيا.

(خليج الإسكندرية): قال ابن عبد الحكم: ويقال: إن الذي بنى منارة الإسكندرية (فليطرة الملكة) وهي التي ساقت خليجها حتى أدخلته الإسكندرية، ولم يكن يدخلها الماء كان يعدل من قرية يقال لها: كسا قبالة الكريون، فحفرته حتى أدخلته الإسكندرية وهي التي بلطت قاعته. وقال الكندي: إن الحارث بن مسكين قاضي مصر حفر خليج الإسكندرية.

وقال الأسعد بن مماتي في كتاب قوانين الدواوين: خليج الإسكندرية عليه عدّة ترع وطوله من فم الخليج ثلاثون ألف قصبة وستمائة قصبة، وعرضه من قصبتين ونصف إلى ثلاث قصبات ونصف، ومقام الماء فيه بالنسبة إلى النيل فإن كان مقصر أقصرت مدّة إقامته فيه، وإن كان عاليا أقام فيه ما يزيده على شهرين.

ورأيت جماعة من أهل الخبرة، وذوي المعرفة يقولون: إنه إذا عملت من قبالة منية نتيج إلى نتيج زلاقة استقرّ الماء فيه صيفا وشتاء، ورأيت البحيرة جميعها وحوف ودمسيس والكفور الشاسعة، وقد زرعت عليه القصب، والقلقاس والنيلة وأنواع زراعة الصيفيّ وجرى مجرى بحر الشرق والمحلة، وتضاعفت عليه البلاد، وعظم ارتفاعها وإقامة هذه الزلاقة ممكنة لوجود الحجارة في ربوة والطوب في البحيرة، وإنهم قدّروا ما يحتاج إليه فوجدوه يناهز عشرة آلاف دينار.

ويقال: إنه كان الماء فيه جاريا طول السنة، وكان السمك فيه غاية من الكثرة بحيث تصيده الأطفال بالخرق فضمنه بعض الولاة بمال، ومنع الناس من صيده، فعدم منه السمك، ولم ير بعد ذلك فيه سمكة فصار يخرج بالشباك.

(خليج الفيوم والمنهى): مما حفره نبيّ اللّه يوسف الصديق ﵇ عندما عمّر الفيوم كما هو مذكور في خبر الفيوم من هذا الكتاب، وهو مشتق من النيل لا ينقطع جريه أبدا، وإذا قابل النيل ناحية دورة سريام التي تعرف اليوم بدورة الشريف يعني ابن يغلن النائب في الأيام الظاهرية بيبرس تشعبت منه في غربيه شعبة تسمى المنهى تستقل نهرا يصل إلى الفيوم، وهو الآن عرف: ببحر يوسف، وهو نهر لا ينقطع جريانه في جميع السنة، فيسقي الفيوم عامّة سقيا دائما، ثم ينجرّ فضل مائه في بحيرة هناك، ومن العجب أنه ينقطع ماؤه من

فوهته، ثم يكون له بلل دون المكان المندي ثم يجري جريا ضعيفا دون مكان البلل، ثم يستقل نهرا جاريا لا يقطع إلا بالسفن، ويتشعب منه أنهار وينقسم قسما يعمّ الفيوم ويسقي قراه ومزارعه وبساتينه وعامّة أماكنه، واللّه أعلم.

(خليج القاهرة): هذا الخليج بظاهر القاهرة من جانبها الغربي فيما بينها وبين المقس عرف في أوّل الإسلام: بخليج أمير المؤمنين، وتسميه العامّة اليوم: بخليج الحاكمي، وبخليج اللؤلؤة، وهو خليج قديم أوّل من حفره طوطيس بن ماليا أحد ملوك مصر الذين سكنوا مدينة منف، وهو الذي قدم إبراهيم الخليل صلوات اللّه عليه في أيامه إلى مصر، وأخذ منه امرأته سارة، وأخدمها هاجر أم إسماعيل صلوات اللّه عليهما؛ فلما أخرجها إبراهيم هي وابنها إسماعيل إلى مكة بعثت إلى طوطيس تعرّفه أنها بمكان جدب وتستغيثه، فأمر بحفر هذا الخليج، وبعث إليها فيه بالسفن تحمل الحنطة وغيرها إلى جدّة، فأحيا بلد الحجاز، ثم إن أندرومانوس الذي يعرف: بإيليا أحد ملوك الروم بعد الإسكندر بن فيلبس المقدوني، جدّد حفر هذا الخليج، وسارت فيه السفن، وذلك قبل الهجرة النبوية بنيف وأربعمائة سنة. ثم إن عمرو بن العاص ﵁، جدد حفره لما فتح مصر وأقام في حفره ستة أشهر، وجرت فيه السفن بحمل الميرة إلى الحجاز فسمي: خليج أمير المؤمنين، يعني عمر بن الخطاب ﵁، فإنه هو الذي أشار بحفره، ولم تزل تجري فيه السفن من فسطاط مصر إلى مدينة القلزم التي كانت على حافة البحر الشرقي حيث الموضع الذي يعرف اليوم على البحر: بالسويس، وكان يصب ماء النيل في البحر من عند مدينة القلزم إلى أن أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بطمه في سنة خمسين ومائة، فطم وبقي منه ما هو موجود الآن، وسيأتي الكلام عليه مبسوطا إن شاء اللّه تعالى عند ذكر ظواهر القاهرة من هذا الكتاب.

(بحر أبي المنجا): هذا الخليج تسميه العامّة: بحر أبي المنجا الذي حفره:

الأفضل بن أمير الجيوش في سنة ست وخمس مائة، وكان على حفره أبو المنجا بن شعيا اليهودي. فعرف به، وقد ذكر خبر هذا الخليج عند ذكر مناظر الخلفاء، ومواضع نزههم من هذا الكتاب.

(الخليج الناصري): هذا الخليج في ظاهر المقس، حفره: الناصر محمد بن قلاوون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وقد ذكر في موضعه من هذا الكتاب.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.