من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر مقدار خراج مصر في الزمن الأوّل
قال ابن وصيف شاه: وكان منقاوس قسم خراج البلاد أرباعا، فربع للملك خاصة يعمل فيه ما يريد، وربع ينفق في مصالح الأرض وما تحتاج إليه من عمل الجسور وحفر
الخلج وتقوية أهلها على العمارة، وربع يدفن لحادثة تحدث أو نازلة تنزل، وربع للجند، وكان خراج البلد ذلك الوقت مائة ألف ألف وثلاثة آلاف ألف دينار وقسمها على مائة وثلاث كور بعدّة الآلاف.
ويقال: إن كل دينار عشرة مثاقيل من مثاقيلنا الإسلامية وهي اليوم: خمس وثمانون كورة. أسفل الأرض: خمس وأربعون كورة، والصعيد: أربعون كورة، وفي كل كورة كاهن يدبرها، وصاحب حرب وارتفع مال البلد على يد ندارس بن صا مائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف دينار، وفي أيام كلكن بن خربتا بن ماليق بن ندارس مائة ألف ألف دينار وبضعة عشر ألف ألف دينار ولما زالت دولة القبط الأولى من مصر وملكها العمالقة اختل أمرها، وكان فرعون الأوّل يجبيها تسعين ألف ألف دينار يخرج من ذلك عشرة آلاف ألف دينار لأولياء الأمر والجند والكتّاب، وعشرة آلاف ألف دينار لمصالح فرعون، ويكنزون لفرعون خمسين ألف ألف دينار.
وبلغ خراج مصر في أيام الريان بن الوليد وهو فرعون يوسف ﵇، سبعة وتسعين ألف ألف دينار، فأحب أن يتمه مائة ألف ألف دينار، فأمر بوجوه العمارات وإصلاح جسور البلد، والزيادة في استنباط الأرض حتى بلغ ذلك وزاد عليه.
وقال ابن دحية: وجبيت مصر في أيام الفراعنة فبلغت تسعين ألف ألف دينار بالدينار الفرعونيّ وهو ثلاثة مثاقيل في مثقالنا المعروف الآن بمصر الذي هو: أربعة وعشرون قيراطا، كل قيراط: ثلاث حبات من قمح، فيكون بحساب ذلك مائتي ألف ألف وسبعين ألف ألف دينار مصرية.
وذكر الشريف الجوّاني: أنه وجد في بعض البرابي بالصعيد مكتوبا باللغة الصعيدية مما نقل بالعربية مبلغ ما كان يستخرج لفرعون يوسف ﵇، وهو الريان بن الوليد من أموال مصر بحق الخراج مما يوجبه الخراج، وسائر وجوه الجبايات لسنة واحدة على العدل والإنصاف، والرسوم الجارية من غير تأوّل ولا اضطهاد ولا مشاحة على عظيم فضل كان في يد المؤدي لرسمه وبعد وضع ما يجب وضعه لحوادث الزمان نظرا للعاملين وتقوية لحالهم من العين أربعة وعشرون ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار، وذكر ما فيه كما في خبر الحسن بن علي الأسدي.
وقال الحسن بن علي الأسدي: أخبرني أبي قال: وجدت في كتاب قبطي باللغة
الصعيدية، مما نقل إلى اللغة العربية أن مبلغ ما كان يستخرج لفرعون مصر بحق الخراج الذي يوجد وسائر وجوه الجبايات لسنة كاملة على العدل والإنصاف والرسوم الجارية من غير اضطهاد ولا مناقشة على عظيم فضل كان في يد المؤدّي لرسمه وبعد وضع ما يجب وضعه لحوادث الزمان رفقا بالمعاملين وتقوية لهم من العين أربعة وعشرين ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار من جهات مصر، وذلك ما يصرف في عمارة البلاد لحفر الخلج وإتقان الجسور، وسدّ الترع وإصلاح السبل، والساسة ثم في تقوية من يحتاج التقوية من غير رجوع عليه بها لإقامة العوامل والتوسعة في البدار وغير ذلك، وثمن الآلات وأجرة من يستعان به من الأجراء لحمل الأصناف، وسائر نفقات تطريق أراضيهم من العين ثمانمائة ألف دينار، ولما يصرف في أرزاق الأولياء الموسومين بالسلاح وحملته والغلمان، وأشياعهم مع ألف كاتب موسومين بالدواوين سوى أتباعهم من الخزان، ومن يجري مجراهم وعدّتهم مائة ألف وأحد عشر ألف رجل من العين ثمانية آلاف ألف دينار، ولما يصرف في الأرامل، والأيتام فرضا لهم من بيت المال، وإن كانوا غير محتاجين إليه حتى لا تخلو آمالهم من برّ يصل إليهم من العين أربعمائة ألف دينار، ولما يصرف في كهنة برابيهم، وأئمتهم وسائر بيوت صلواتهم من العين مائة ألف دينار، ولما يصرف في الصدقات، وينادى في الناس: برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة، فليحضر فلا يرد عند ذلك أحد، والأمناء جلوس فإذا رؤي رجل لم تجر عادته بذلك أفرد بعض قبض ما يقبضه، حتى إذا فرّق المال، واجتمع من هذه الطائفة عدّة دخل أمناء فرعون إليه وهنوه بتفرقة المال، ودعوا له بالبقاء والسلامة وأنهوا حال الطائفة المذكورة، فيأمر بتغيير شعثها بالحمام واللباس، وبمدّ الأسمطة، ويأكلون ويشربون، ثم يستعلم من كلواحد سبب فاقته، فإن كان من آفة الزمان ردّ عليه مثل ما كان وأكثر، وإن كان عن سوء رأي وضعف تدبير ضمه إلى من يشرف عليه، ويقوم بالأمر الذي يصلح له من العين مائتا ألف دينار.
فذلك جملة ما تبين، وفصل في هذه الجهات المذكورة من العين تسعة آلاف ألف وثمانمائة ألف دينار، ويحصل بعد ذلك ما يتسلمه فرعون في بيوت أمواله عدّة لنوائب الدهر، وحادثات الزمان من العين أربعة عشر ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار.
وقيل لبعضهم: متى عقدت مصر تسعين ألف ألف دينار؟ قال: في الوقت الذي أرسل فرعون بويبة قمح إلى أسفل الأرض وإلى الصعيد فلم يجد لها موضعا تبذر فيه لشغل جميع البلاد بالعمارة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع