من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر ما كان يعمل في أراضي مصر من حفر الترع وعمارة الجسور ونحو ذلك من أجل ضبط ماء النيل وتصريفه في أوقاته
قال ابن عبد الحكم عن يزيد بن أبي حبيب: وكانت فريضة مصر بحفر خليجها، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها، وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفا. معهم المساحي والطوريات والأداة يعتقبون ذلك لا يدعونه شتاء ولا صيفا.
وعن أبي قبيل قال: زعم بعض مشايخ أهل مصر: أن الذي كان يعمل به مصر على عهد ملوكها أنهم كانوا يقرّون القرى في أيدي أهلها كل قرية، بكراء معلوم لا ينقص عنهم إلا في كل أربع سنين من أجل الظمأ، وتنقل اليسار فإذا مضت أربع سنين نقض ذلك، وعدّل تعديلا جديدا، فيرفق بممن استحق الرفق ويزاد على من احتمل الزيادة، ولا يحمل عليهم من ذلك ما يشق عليهم، فإذا جبي الخراج وجمع كان للملك من ذلك الربع خالصا لنفسه يصنع به ما يريد، والربع الثاني لجنده ومن يقوى به على حربه وجباية خراجه ودفع عدوه، والربع الثالث في مصلحة الأرض وما تحتاج إليه من جسورها وحفر خلجها، وبناء قناطرها والقوّة للزارعين على زرعهم وعمارة أرضهم، والربع الرابع يخرج منه ربع ما يصيب كل قرية من خراجها، فيدفن ذلك لنائبة تنزل أو جائحة بأهل القرية، فكانوا على ذلك، والذي يدفن في كل قرية من خراجها هي: كنوز فرعون التي يتحدّث الناس بها أنها ستظهر فيطلبها الذين يتتبعون الكنوز.
وذكر أن بعض فراعنة مصر جبى خراج مصر اثنين وسبعين ألف ألف دينار، وأن من عمارته أنه أرسل ويبة قمح إلى أسفل الأرض وإلى الصعيد في وقت تنظيف الأرض والترع من العمارة، فلم يوجد لها أرض فارغة تزرع فيها، وذكر أنه كان عند تناهي العمارة يرسل بأربع ويبات برسيم إلى الصعيد، وإلى أسفل الأرض وإلى أيّ كورة، فإن وجد لها موضعا خاليا فزرعت فيه، ضرب عنق صاحب الكورة، وكانت مصر يومئذ عمارتها متصلة أربعين فرسخا في مثلها، والفرسخ: ثلاثة أميال، والبريد: أربعة فراسخ، فتكون عشرة برد في مثلها، ولم تزل الفراعنة تسلك هذا المسلك إلى أيام فرعون موسى فإنه عمرها عدلا وسماحة، وتتابع الظمأ ثلاث سنين في أيامه، فترك لأهل مصر خراج ثلاث سنين، وأنفق على نفسه وعساكره من خزائنه، ولما كان في السنة الرابعة أضعف الخراج واستمرّ فاعتاض ما أنفق
وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص ﵁: أن اسئل المقوقس عن مصر، من أين تأتي عمارتها وخرابها؟ فسأله عمرو، فقال له المقوقس:
عمارتها وخرابها من وجوه خمسة: أن يستخرج خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم، ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، ويحفر في كل سنة خلجانها، وتسدّ ترعها وجسورها، ولا يقبل مطل أهلها يريد البغي، فإذا فعل هذا فيها عمرت وإن عمل فيها بخلافه خربت.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما استبطأ عمر بن الخطاب ﵁، عمرو بن العاص ﵁، في الخراج كتب إليه: أن ابعث إليّ رجلا من أهل مصر، فبعث إليه رجلا قديما من القبطة فاستخبره عمر بن الخطاب ﵁ عن مصر وخراجها قبل الإسلام فقال: يا أمير المؤمنين مصر كان لا يؤخذ منها شيء إلا بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنما يأخذ ما ظهر له كأنه لا يريدها إلا لعام واحد، فعرف عمر ﵁ ما قال، وقبل من عمرو ما كان يعتذر به.
وقال عمرو بن العاص ﵁ للمقوقس: أنت وليت مصر فبم تكون عمارتها؟ فقال: بخصال أن تحفروا خلجانها، وتسدّ جسورها وترعها، ولا يؤخذ خراجها إلا من غلتها، ولا يقبل مطل أهله، ويوفي لهم بالشروط، ويدر الأرزاق على العمال لئلا يرتشوا، ويرتفع عن أهله المعاون والهدايا، ليكون قوّة لهم، فبذلك تعمر ويرجى خراجها.
ويقال: إن ملوك مصر من القبط كانوا يقسمون الخراج أربعة أقسام: قسم لخاصة الملك، وقسم لأرزاق الجند، وقسم لمصالح الأرض، وقسم يدخر لحادثة تحدث فينفق فيها.
ولما ولي عبيد اللّه بن الحبحاب خراج مصر، لهشام بن عبد الملك خرج بنفسه، فمسح أرض مصر كلها عامرها وغامرها مما يركبه النيل، فوجد فيها مائة ألف ألف فدّان، والباقي استبحر وتلف، واعتبر مدّة الحرث، فوجدها ستين يوما، والحرّاث يحرث خمسين فدّانا، وكانت محتاجة إلى أربعمائة ألف وثمانين ألف حرّاث.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع