من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر ما كان من فعل المسلمين بالإسكندرية وانتقاض الروم
قال ابن عبد الحكم: فأمّا الإسكندرية فلم يكن بها خطط، وإنما كانت أخائذ، من أخذ منزلا نزل فيه هو وبنو أبيه، وإنّ عمرو بن العاص، لما فتح الإسكندرية، أقبل هو وعبادة بن الصامت، حتى علوا الكوم الذي فيه مسجد عمرو بن العاص، فقال معاوية بن خديج: ننزل، فنزل عمرو القصر، ونزل أبو ذر منزلا كان غربيّ المصلى الذي عند مسجد عمرو، مما يلي البحر، وقد انهدم، ونزل معاوية بن خديج فوق التل، وضرب عبادة بن الصامت خباءه فلم يزل فيه حتى خرج من الإسكندرية.
ويقال: إنّ أبا الدرداء كان معه، واللّه أعلم. قال: فلما استقامت لهم البلاد قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الإسكندرية ربع الناس، وربعا في السواحل، والنصف مقيمون معه، وكان يصير بالإسكندرية خاصة الربع في الصيف، بقدر ستة أشهر، ويعقب بعدهم شاتية ستة أشهر، وكان لكل عريف قصر ينزل فيه بمن معه من أصحابه، واتخذوا فيه أخائذ.
وعن يزيد بن أبي حبيب: أن المسلمين لما سكنوا الإسكندرية في رباطهم، ثم قفلوا، ثم غزوا ابتدروا، فكان الرجل منهم يأتي المنزل الذي كان فيه صاحبه قبل ذلك، فيبتدره فيسكنه، فلما غزوا قال عمرو: إني أخاف أن تخرّبوا المنازل إذا كنتم تتعاورونها، فلما كان عند الكريون قال لهم: سيروا على بركة اللّه، فمن ركز منكم رمحه في دار فهي له، ولبني بنيه، فكان الرجل يدخل الدار، فيركز رمحه في منزل منها، ثم يأتي الآخر فيركز رمحه في بعض بيوت الدار، فكانت الدار تكون لقبيلتين وثلاث، وكانوا يسكنونها حتى إذا قفلوا سكنها الروم، وعليهم مرمّتها، وكان يزيد بن أبي حبيب يقول: لا يحلّ من كرائها شيء، ولا بيعها ولا يورث منها شيء، إنما كانت لهم يسنونها في رباطهم.
وعن يزيد بن أبي حبيب: أنّ عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية، ورأى بيوتها وبناءها مفروغا منها، همّ أن يسكنها، وقال: مساكن قد كفيناها، فكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁، يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرسول: هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين إذا جرى النيل، فكتب عمر إلى عمرو: إني لا أحب أن تنزل بالمسلمين منزلا يحول الماء بيني وبينهم شتاء ولا صيفا، فتحوّل عمرو بن العاص إلى الفسطاط، وقال: وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص، وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة، وإلى عمرو بن العاص، وهو نازل بالإسكندرية أن لا تجعلوا بيني وبينكم ماء، متى ما أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم، قدمت، فتحوّل سعد بن أبي وقاص من مدائن كسرى إلى الكوفة، وتحوّل صاحب البصرة من
المكان الذي كان فيه، فنزل البصرة، وتحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط، وكان عمر بن الخطاب يبعث في كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالإسكندرية، وكان على الولاء لا يغفلها، ويكنف مرابطها، ولا يأمن الروم عليها.
وكتب عثمان ﵁ إلى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح: قد علمت كيف كان همّ أمير المؤمنين بالإسكندرية، وقد نقضت الروم مرّتين، فألزم الإسكندرية مرابطيها، ثم أجر عليهم أرزاقهم، وأعقب بينهم في كل ستة أشهر، قال: وكانت الإسكندرية انتقضت، وجاءت الروم عليهم، منويل الخصيّ في المراكب، حتى أرسوا بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الروم، ولم يكن المقوقس تحرّك ونكث، وقد كان عثمان ﵁، عزل عمرو بن العاص، وولى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، فلما نزلت الروم، سأل أهل مصر، عثمان أن يقرّ عمرا حتى يفرغ من قتال الروم، فإنّ له معرفة بالحرب وهيبة في العدوّ، ففعل.
وكان على الإسكندرية سورها، فحلف عمرو بن العاص: لئن أظفره اللّه عليهم ليهدمن سورها حتى يكون مثل بيت الزانية يؤتى من كل مكان، فخرج إليهم عمرو في البرّ والبحر، فضموا إلى المقوقس من أطاعه من القبط، وأمّا الروم فلم يطعه منهم أحد، فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم قبل أن يكثر مددهم، فلا آمن أن تنتقض مصر كلها، فقال عمرو:
لا، ولكن أدعهم حتى يسيروا إليّ فإنهم يصيبون من مرّوا به، فيخزي اللّه بعضهم ببعض، فخرجوا من الإسكندرية ومعهم من نقض من أهل القرى، فجعلوا ينزلون القرية فيشربون خمورها، ويأكلون أطعمتها، وينتهبون ما مرّوا به، فلم يتعرّض لهم عمرو، حتى بلغوا نفيوس، فلقوهم في البرّ والبحر، فبدأت الروم القبط، فرموا بالنشاب في الماء رميا شديدا، حتى أصابت النشاب يومئذ فرس عمرو في لبته، وهو في البرّ، فعقر فنزل عنه عمرو، ثم خرجوا من البحر، فاجتمعوا هم والذين في البرّ، فنفحوا المسلمين بالنشاب، فاستأخر المسلمون عنهم شيئا، وحملوا على المسلمين حملة ولى المسلمون منها، وانهزم شريك بن سميّ في خيله، وكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف، وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له عليه سلاح مذهب، فدعا إلى البراز، فبرز إليه رجل من زبيد يقال له: حومل، يكنى: أبا مذحج، فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان، ثم ألقى البطريق الرمح، وأخذ السيف، فألقى حومل رمحه، وأخذ سيفه، وكان يعرف بالنجدة، فجعل عمرو يصيح: أبا مذحج، فيجيبه: لبيك، والناس على شاطئ النيل في البرّ على تعبيتهم وصفوفهم، فتجاولا ساعة بالسيف، ثم حمل عليه البطريق، فاحتمله، وكان نحيفا فاخترط حومل خنجرا، كان في منطقته أو في ذراعه، فضرب به نحر العلج أو ترقوته، فأثبته ووقع عليه، فأخذ سلبه، ثم مات حومل بعد ذلك بأيام ﵀، فرؤي عمرو يحمل سريره بين عمودي نعشه حتى دفنه بالمقطم، ثم شدّ المسلمون عليهم، فكانت هزيمتهم، فطلبهم
المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح اللّه عليهم، وقتل منويل الخصي، وقتلهم عمرو حتى أمعن في مدينتهم، فكلم في ذلك، فأمر برفع السيف عنهم، وبنى في ذلك الموضع الذي رفع فيه السيف مسجدا، وهو المسجد الذي بالإسكندرية الذي يقال له:
مسجد الرحمة، سمي بذلك لرفع عمرو السيف هناك، وهدم سورها كله، وجمع ما أصاب منهم، فجاءه أهل تلك القرى ممن لم يكن نقض، فقالوا: قد كنا على صلحنا، وقد مرّ علينا هؤلاء اللصوص، فأخذوا متاعنا ودوابنا، وهو قائم في يديك، فردّ عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه، وأقاموا عليه البينة، وقال بعضهم لعمرو: ما حلّ لك ما صنعت بنا، كان لنا أن تقاتل عنا لأنا في ذمّتك، ولم ننقض، فأما من نقض، فأبعده اللّه، فندم عمرو وقال:
يا ليتني كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية.
وكان سبب نقض الإسكندرية هذا أن ظلما صاحب إخنا قدم على عمرو، فقال:
أخبرنا ما على أحدنا من الجزية، فيصير لها، فقال عمرو، وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتني من الركن إلى السقف ما أخبرتك؟ إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم، فغضب صاحب إخنا، وخرج إلى الروم فقدم بهم، فهزمهم اللّه تعالى، وأسر فأتي به إلى عمرو، فقال له الناس: اقتله، فقال: لا، بل انطلق، فجئنا بجيش آخر وسوّره وتوجه وكساه برنس أرجوان، فرضي بأداء الجزية، فقيل له: لو أتيت ملك الروم، فقال: لو أتيته لقتلني، وقال: قتلت أصحابي، وعن أبي قبيل: أن عتبة بن أبي سفيان عقد لعلقمة القطيفيّ على الإسكندرية، وبعث معه اثني عشر ألفا فكتب علقمة إلى معاوية بن أبي سفيان، يشكو عتبة حين غرّر به، وبمن معه، فكتب إليه معاوية: إني قد أمددتك بعشرة آلاف من أهل الشام، وبخمسة آلاف من أهل المدينة، فكان في الإسكندرية سبعة وعشرون ألفا، وفي رواية: أن علقمة بن يزيد كان على الإسكندرية، ومعه اثنا عشر ألفا، فكتب إلى معاوية: إنك خلفتني بالإسكندرية، وليس معي إلا اثنا عشر ألفا ما يكاد بعضنا يرى بعضا من القلة، فكتب إليه معاوية: إني قد أمددتك بعبد اللّه بن مطيع في أربعة آلاف من أهل المدينة، وأمرت معن بن يزيد السلميّ أن يكون بالرملة في أربعة آلاف مسكين بأعنة خيولهم متى بلغهم عنك فزع، يعبروا إليك. قال ابن لهيعة: وقد كان عمرو بن العاص يقول: ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة.
وكان عمرو حين توجه إلى الإسكندرية، خرّب القرية التي تعرف اليوم بخربة وردان.
واختلف علينا السبب الذي خربت له، فحدثّنا سعيد بن عفير: أنّ عمرا لما توجه إلى نفيوس، لقتال الروم، عدل وردان لقضاء حاجته عند الصبح، فاختطفه أهل الخربة، فغيبوه، ففقده عمرو، وسأل عنه وقفا أثره، فوجدوه في بعض دورهم، فأمر بإخرابها وإخراجهم منها، وقيل: كان أهل الخربة رهبانا كلهم، فغدروا بقوم من ساقة عمرو، فقتلوهم بعد أن
بلغ عمرو الكريون، فأقام عمرو ووجه إليهم وردان، فقتلهم وخرّبها فهي خراب إلى اليوم، وقيل: كان أهل الخربة، أهل تويت، وخبت، فأرسل عمرو إلى أرضهم، فأخذ له منها جراب فيه تراب من ترابها، فكلمهم فلم يجيبوه إلى شيء، فأمر بإخراجهم، ثم أمر بالتراب ففرش تحت مصلاه، ثم قعد عليه، ثم دعاهم، فكلمهم، فأجابوه إلى ما أحبّ، ثم أمر بالتراب فرفع، ثم دعاهم فلم يجيبوه إلى شيء، فعل ذلك مرارا، فلما رأى عمرو ذلك، قال: هذه بلدة لا يصلح أن توطأ، فأمر بإخرابها، فلما هزم اللّه الروم، أراد عثمان ﵁، أن يكون عمرو بن العاص على الحرب، وعبد اللّه بن سعد على الخراج، فقال عمرو:
إنا إذا كماسك البقرة بقرنيها، وآخر يحلبها؛ فأبى عمرو، وكان فتح عمرو هذا عنوة قسرا في خلافة عثمان سنة خمس وعشرين، وبينه وبين الفتح الأوّل أربع سنين. وقال الليث: كان فتح الإسكندرية الأوّل سنة اثنتين وعشرين، وكان فتحها الآخر خمسة وعشرين. وأقامت الجيش من السماء يقاتلون الناس سبع سنين بعد أن فتحت مصر مما يفتحون عليهم من تلك المياه والغياض، قال: ثم غزا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، ذا الصواري، في سنة أربع وثلاثين.
وكان من حديث هذه الغزوة: أنّ عبد اللّه بن سعد لما نزل ذو الصواري أنزل نصف الناس، مع بسر بن أرطاة في البرّ، فلما مضوا أتى آت إلى عبد اللّه بن سعد فقال: ما كنت فاعلا حين ينزل بك ابن هرقل في ألف مركب فافعله الساعة، وكانت مراكب المسلمين مائتي مركب ونيفا، فقام عبد اللّه بن سعد بين ظهراني الناس، فقال: بلغني أن ابن هرقل قد أقبل إليكم في ألف مركب فأشيروا عليّ، فما كلمه رجل من المسلمين، فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم، ثم قام الثانية، فكلمهم فما كلمه أحد، فجلس. ثم قام الثالثة، فقال:
إنه لم يبق شيء فأشيروا عليّ، فقام رجل من أهل المدينة، كان متطوّعا مع عبد اللّه بن سعد، فقال: أيها الأمير، إنّ اللّه جلّ ثناؤه يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اَللّهِ وَاَللّهُ مَعَ اَلصّابِرِينَ﴾ [البقرة/]، فقال عبد اللّه: اركبوا، فركبوا، وإنما في كل مركب نصف شحنته، لأنه قد خرج النصف الآخر إلى البرّ مع بسر، فلقوهم، فاقتتلوا بالنبل والنشاب، وتأخر ابن هرقل، لئلاتصيبه الهزيمة، وجعلت القوارب تختلف إليه بالأخبار، فقال:
ما فعلوا؟ قالوا: قد اقتتلوا بالنبل والنشاب، فقال: غلبت الروم، ثم أتوه فقال: ما فعلوا؟ قالوا: قد نفد النبل والنشاب فهم يرمون بالحجارة، فقال: غلبت الروم، ثم أتوه فقال:
ما فعلوا؟ قالوا: قد نفدت الحجارة، وربطوا المراكب بعضها ببعض يقتتلون بالسيوف، قال: غلبت الروم، وكانت السفن إذ ذاك تقرن بالسلاسل عند القتال، قال: فقرن مركب عبد اللّه يومئذ وهو الأمير بمركب من مراكب العدوّ، فكان مركب العدوّ يجترّ مركب عبد اللّه إليهم، فقام علقمة بن يزيد القطيفيّ، وكان مع عبد اللّه بن سعد في المركب، فضرب السلسلة بسيفه، فقطعها فسأل عبد اللّه امرأته بعد ذلك، بسيسة ابنة حمزة بن يشرح، وكانت
مع عبد اللّه يومئذ، وكان الناس يغزون بنسائهم في المراكب: من رأيت أشدّ قتالا؟ قالت علقمة: صاحب السلسلة، وكان عبد اللّه قد خطب بسيسة إلى أبيها، فقال له: إن علقمة قد خطبها، وله عليّ فيها رأي، فإن تركها أفعل، فكلم عبد اللّه علقمة، فتركها، فتزوّجها عبد اللّه بن سعد، ثم هلك عنها عبد اللّه، فتزوّجها بعده علقمة بن زيد، ثم هلك عنها علقمة، فتزوّجها بعده كريب بن أبرهة، وماتت تحته. وقيل: مشت الروم إلى قسطنطين ابن هرقل في سنة خمس وثلاثين، فقالوا: أنترك الإسكندرية في أيدي العرب وهي مدينتنا الكبرى؟ فقال: ما أصنع بكم ما تقدرون أن تمالكوا ساعة إذا لقيتم العرب، قالوا: اخرج على أنا نموت، فتبايعوا على ذلك، فخرج في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار في أيام غالبة الرياح، فبعث اللّه عليهم ريحا فغرّقهم إلا قسطنطين فإنه نجا بمركبه، فألقته الريح بصقلية، فسألوه عن أمره فأخبرهم، فقالوا: شتّت النصرانية، وأفنيت رجالها لو دخلت العرب علينا لم نجد من يردّهم، فقال: خرجنا مقتدرين فأصابنا هذا، فصنعوا له الحمام، ودخلوا عليه فقال: ويلكم يذهب رجالكم، وتقتلون ملككم؟ قالوا: كأنه غرق معهم، ثم قتلوه وخلوا من كان معه في المركب. قال أبو عمرو الكنديّ: وإنما سميت غزوة ذي الصواري لكثرة صواري المراكب واجتماعها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع