من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر مدينة أتريب
هذه المدينة بناها أتريب بن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. قال ابن وصيف شاه: وكان أتريب قد انتقل إلى حيزه بعد موت أبيه قبطيم، وهي المدينة التي كان أبوه بناها له، وكان طولها اثني عشر ميلا، ولها اثنا عشر بابا، وجعل في شارعها الأعظم ثلاث قباب عالية على أعمدة بعضها فوق بعض منها قبة في وسط المدينة، وقبتان في طرفيها، وجعل على كل قبة مرقبا كبيرا وفي كل ناحية منها ملعبا، ومجالس ومنتزهات تشرق، وشق في غربيها نهرا وعقد عليه قناطر، وجعل من فوقها مجالس متصلة، وحولها المنازل تدور بالخليج متصلة بالقناطر على رياض مزروعة من خلفها الجنان والبساتين، وعلى كل باب من الأبواب، أعجوبة من تماثيل وأصنام متحرّكة، وأصنام تمنع من يؤذي، وجعل في داخل كل باب صورة شيطانين من صفر، فإذا قصدها أحد من أهل الخير قهقه الشيطان الذي عن يمنة الباب، وإن كان من أهل الشرّ بكى الشيطان الذي عن يسرة الباب، وجعل في كل منتزه منها من الوحش الآلف والطيور المغرّدة كل مستحسن، وفوق قباب المدينة صورا تصفر إذا هبت الرياح، ونصب مرآة ترى البلاد البعيدة، وبنى حذاءها في الشرق مدينة، وجعل فيها ملاعب وأصناما بارزة في صور مختلفة، وفي وسطها بركة إذا مرّ بها الطير سقط عليها، فلا يبرح حتى يؤخذ وجعل لها حصنا، باثني عشر بابا، على كل باب تمثال يعمل بأعجوبة، وعمل حواليها جنانا، وجعل بالقرب منها في ناحية الشرق مجلسا منقوشا على ثماني أساطين، وفوقه قبة عليها طائر منشور الجناحين يصفر في كل يوم ثلاث
تصفيرات، بكرة ونصف النهار وعند غروب الشمس، وأقام فيها أصناما وعجائب كثيرة، وبنى مدنا كثيرة، وأقام فيها رجلا يقال له: برسان، يعمل الكيمياء، وضرب منها دنانير في كل دينار، سبعة مثاقيل عليها صورته، وعاش أتريب ملكا ثلثمائة وستين سنة، وبلغ من العمر خمسمائة سنة، وعمل له ناوس في جبل بالشرق، حفر له تحته سرب بطن بالزجاج والمرمر، وجعل على سرير من ذهب مرصع، وحملت إليه ذخائره وجعلوا على بابه صورة تنين لا يدنو منه أحد إلا أهلكه، وسوّروا عليه الرمال، وزبروا عليه اسمه وتاريخ وقته.
وقال ابن الكنديّ: أربع كور بمصر ليس على وجه الأرض أفضل منها، ولا تحت السماء لهنّ نظير: كورة الفيوم، وكورة أتريب، وكورة سمنود، وكورة أنصنا؛ وكورة أتريب من جملة كور أسفل الأرض، وهي مائة وثماني قرى.
وكان يقال: مدائن السحرة من ديار مصر سبع وهي: أرمنت، وبيا، وبوصير، وأنصنا، وصان، وأتريب، وصا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع